«أكاديمية تفكير» تفتتح دورتها الجديدة عن تاريخ القرآن بمدخل منهجي يبدأ من المصحف الذي بين أيدينا
بقلم: نور البطاوي

القاهرة – نور البطاوي
افتتحت أكاديمية تفكير وصالون تفكير، مساء 17 أكتوبر، دورتها الجديدة «تاريخ القرآن»، في لقاء تعريفي موسع جمع مشاركين من مصر وتونس والمغرب ومقيمين في شيكاغو وتورونتو، إلى جانب عدد من الأعضاء القدامى في الصالون. وقدم مؤسس الصالون والأكاديمية جمال عمر الجلسة الأولى، موضحاً أن الدورة تعتمد كتاب «تاريخ المصحف الحالي» الذي أعدته الأستاذة سماء معاوية هيكل من محاضرات سابقة، لكنها ستمتد إلى قضايا أوسع من نص الكتاب.

وقال جمال عمر إن الدورة تعقد في الغالب مرة كل أسبوعين، لمدة خمس جلسات، وتقوم على نظام درجات يشمل الحضور والمشاركة وتلخيص الفصول، إلى جانب بحث مكتوب لا يقل عن 1000 كلمة يختار فيه المشارك موضوعاً مرتبطاً بالدورة أو بقضاياها. وأعلن أن الدورات السابقة في «توتر القرآن» أسفرت عن أعداد مجلة تفكير، وأنه تم هذا الصيف إصدار أول كتاب من كتابات المشاركين في تلك الدورات.
من المصحف الحالي إلى الماضي
شرح جمال عمر المنهج الذي يتبعه في الدورة قائلاً إنه «يبدأ من الشاهد إلى الغائب»، أي من المصحف المنتشر الآن على مستوى العالم، وتحديداً مصحف مجمع الملك فهد الذي يوزع منذ منتصف الثمانينيات، ثم يعود رويداً رويداً إلى تاريخ تشكله وطباعته واختياراته. وشدد على التفرقة بين «الداعية» الذي يبشر بحقائق ثبتت عنده، و«الباحث» الذي يبحث عن الحقيقة من الأدلة، مؤكداً أن مدخل الدورة هو البحث لا التشكيك ولا رد الناس عن إيمانهم.
وأوضح أن الدراسة تفرق بين أربعة مفاهيم متداخلة: الوحي، وكلام الله، والقرآن، والمصحف. فالوحي دائرة أوسع تشمل الأنبياء وغيرهم، وكلام الله دائرة داخل الوحي، والقرآن دائرة أضيق داخل كلام الله، والمصحف دائرة داخل القرآن. وقال إن المصحف في النهاية «اختيار من متعدد»، إذ توجد عشر قراءات متواترة لكل منها روايتان، أي عشرون رواية، والمصحف المنتشر الآن مكتوب برواية حفص عن عاصم، وهي واحدة من هذه العشرين.
وأثار جمال عمر مسألة انتشار الروايات وعلاقتها بالسياسة والاقتصاد والمذهب، قائلاً إن الدولة العثمانية التي تبنت المذهب الحنفي ارتبطت عندها قراءة عاصم برواية حفص، بينما ارتبط المغرب العربي بالمذهب المالكي وقراءة نافع، سواء برواية ورش أو قالون. وضرب مثلاً بمصر التي انتشرت فيها رواية ورش عن نافع والدوري عن أبي عمر، ثم تغيرت خريطة الانتشار مع الحكم العثماني والوقف على المقارئ. وأشار إلى أن المال والنفوذ يلعبان دوراً في سيادة رواية ما، كما هو الحال مع الطبعة السعودية واسعة الانتشار.
نقاشات المشاركين: عثمان والشفوية والمخطوطات
شهد اللقاء مداخلات من المشاركين، بدأها أكمل صفوت بسؤال عن توحيد القراءة في عهد عثمان بن عفان، فرد جمال عمر بأن المصاحف العثمانية كانت محاولة لتقليل التعدد وحصره فيما كتب وصور في تلك المصاحف، وأن روايات الاختلاف بين الصحابة كانت دافعاً وراء الجمع. وأضاف أن الجانب البشري في تشكيل المصحف موجود من البداية، وأن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأن النقل الشفاهي ظل المسار الأساسي عبر التاريخ.
وفي مداخلة له، قدم أحمد خفاجي تلخيصاً للفصل الأول من الكتاب، متتبعاً مسار المصحف من مصحف المخللاتي سنة 1890، مروراً بتجربة ابن البواب في الكتابة بالرسم الإملائي، ثم مطبعة بولاق، وصولاً إلى مصحف 1924 في عهد الملك فؤاد، وما تلاه من طبعات دار الكتب ودار المعارف حتى 1952. وأشار إلى أن الفصل ينتهي بالرواية التراثية عن جمع المصحف في عهدي أبي بكر وعثمان. كما قدم إسلام مليجي قراءة نقدية للفصل، لافتاً إلى أهمية التمييز بين مستويات الاختلاف: الرسم، وعلامات الضبط، والقراءات، وألفاظ النص.
وتساءلت نجلاء نصيرية عن البعثة الألمانية التي جمعت المخطوطات في مطلع القرن العشرين، وتوقفت بسبب الحرب العالمية الثانية، وعن دلالة أن تكون جهة استعمارية هي التي تبحث في كتاب مقدس للمسلمين. فرد جمال عمر بأن جهود الألمان كانت جزءاً من تقليد أوسع في الدراسات النقدية للكتاب المقدس، ثم تحولت لاحقاً إلى دراسة القرآن كنص. وأشار إلى مشروع «كوربس كورانيكوم Corpus Coranicum» لرقمنة المخطوطات، وإلى اكتشاف صحائف صنعاء في السبعينيات، مؤكداً أن الاهتمام الغربي بالتاريخ لا يعني بالضرورة صحة كل نتائجه، لكنه لا يجوز أن يتحول الخوف من التشكيك إلى تعطيل الوعي العلمي.
الرسم والقراءة والطباعة
تناول النقاش العلاقة بين الرسم العثماني والقراءة، فقال محمد وحيد إن الاعتماد على رسم معين وقراءة معينة قد يبدو استدلالاً دائرياً، لأن الرسم لا يغني عن التلقي الشفوي. ورد جمال عمر بأن العرب كتبوا القرآن بطريقة الكتابة العربية السائدة وقتهم، دون تنقيط أو إعجام، ثم تطورت الكتابة لاحقاً. وشدد على أن الرسم العثماني نفسه ينتقل بالسند، وأن لجنة 1924 اعتمدت الرواية الشفهية التي رواها الشيخ محمد خلف الحسيني الحداد بسنده إلى ابن الجزري ثم إلى عثمان وعلي والنبي صلى الله عليه وسلم، وكان دور اللجنة تحويل المنطوق إلى مكتوب.
وأشار جمال عمر إلى أن لجنة 1952 عدلت في اختيارات اللجنة الأولى في كتابة ثلاث كلمات، وفي نحو 800 موضع من مواضع الوقف والوصل. وتحدث عن صعوبات الطباعة العربية في العشرينيات، إذ كان الحرف الواحد يتخذ أشكالاً متعددة حسب موضعه وحركته، مما جعل طباعة المصحف عملية شاقة. كما لفت إلى أن تقسيم المصحف إلى ثلاثين جزءاً ليس الشكل الوحيد المعروف في العالم الإسلامي، إذ توجد تقسيمات أخرى إلى سبعة أقسام مرتبطة بتراث معين.
وفي مداخلة له، أثار دكتور محمد عيسى سؤالاً عن مصدر القول بأن اختلاف رسم كلمة مثل «إبراهيم» بالألف أو بدونها مرتبط باختلاف السياق والمعنى، معتبراً أن هذا يفتح باباً واسعاً أمام تفسيرات بلاغية قد لا تكون لها أساس مادي في طريقة الكتابة الأولى. ورد جمال عمر بأن غياب قواعد ثابتة للكتابة العربية في القرون الأولى يفسر كثيراً من هذه الاختلافات، مستشهداً باختلاف كتابة الأسماء نفسها بالحروف اللاتينية، وباختلاف نسخ المصاحف العثمانية نفسها في نحو 55 موضعاً.
مشاركون وأسئلة مفتوحة
شهد اللقاء تعارفاً بين المشاركين، بينهم إيمان وأكمل صفوت وأحمد خفاجي ومحمد رفعت ودكتورة ريم عادل وإسلام مليجي ومنى حسنين ومحمد وحيد ومحمد ياسين وكريم القاهري وبهاء الريدي وأسماء زكي ونجلاء نصيرية وسهام صالحي ونهلة هنّو ومحمد الحداد وإيمان الشريف. وقدم بعضهم أنفسهم في مداخلات قصيرة، مشيرين إلى خلفياتهم الأكاديمية والمهنية وإلى الدورات السابقة التي حضروها في الصالون.
وفي ختام الجلسة، اقترح أكمل صفوت موضوعاً لمقاله عن أثر الطباعة في النص، في مقارنة بين الإنجيل والقرآن، فرحب جمال عمر بالفكرة، معتبراً أنها تفتح ملفاً مهماً عن علاقة الطباعة بالاختيارات النصية وانتشار النص. وأشار إلى أن الدورة الحالية ستركز على تاريخ المصحف، على أن تُترك موضوعات الطباعة والمقارنة بين الكتب المقدسة لجلسات أو دورات لاحقة.
وتأتي هذه الجلسة الأولى لتؤسس لمسار نقاشي يمتد خمس جلسات، يبدأ من المصحف الذي بين أيدينا، ويمر بالقراءات والرسم والضبط واللجان والطبعات، وينتهي إلى أسئلة أوسع عن السلطة والنقل الشفوي والمخطوطات وعلاقة النص بالتاريخ. وتظل الأسئلة التي أثارها المشاركون، من عثمان إلى البعثة الألمانية إلى صنعاء إلى الطباعة، مؤشراً على أن الدورة لن تكون قراءة في كتاب بقدر ما ستكون مختبراً منهجياً لدراسة تاريخ النص القرآني.
للاستماع إلى تسجيل صوتي للجلسة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة تسجيل فيديو الجلسة اضغط هنا.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد