الرواية بين الغلاف والشخصية… مي عطّاف في حوار مع إيمان رفاعي… الجزء الأول

d8a5d98ad985d8a7d986-d8b1d981d8a7d8b9d98a الرواية بين الغلاف والشخصية... مي عطّاف في حوار مع إيمان رفاعي... الجزء الأول

مي عطاف: أهلاً بكِ، وشكراً لصالون تفكير وللأستاذ جمال، ولكِ طبعاً.

الغلاف-الكامل-سعيد-وظله-الليلكي-1024x748 الرواية بين الغلاف والشخصية... مي عطّاف في حوار مع إيمان رفاعي... الجزء الأول

مي عطاف: المفارقة أن سعيد هو البطل الثاني في الرواية، وليس البطل الأول. البطلة الأساسية هي رحاب، المرأة السورية. سعيد هو الراوي الثاني إلى جانب راوٍ آخر. أما ظله الليلكي، فالظل عادةً أسود، لكن هنا الظلال ليست عدمية، ليست موتاً بالمطلق. اللون الليلكي بنفسجي، وهو لون الحزن إذا شئنا، لكنه أيضاً جميل. الظل هنا يمثل سردية أخرى، قصة موازية. سعيد هو أحد ظلال السرديات السورية، ورحاب هي الأخرى من تلك الظلال.

مي عطاف: في الرواية تقول رحاب: “السوريون لم يعد لديهم أجساد كاملة، ولم يعد لهم نفسيات سليمة.” فالتابوت دلالة على السوري الذي لم يعد مكتملاً. الحرب، التي تمتد في الرواية عبر فترة زمنية طويلة، تركز على ما بعد الحراك السوري. السوري الذي راح مجاناً، على طاولة الحوار، والكراسي المبعثرة تمثل السرديات المختلفة. الغلاف عبر بدقة عن مضمون الرواية.

مي عطاف: الكاتب عموماً له نمطان من الكتابة: تراكم طويل في اللاوعي، ثم شرارة توقظه. وهذا ما حدث معي، تراكم من خمسين سنة من الأوضاع السورية الاقتصادية والسياسية، ثم شرارة بسيطة، جملة قالتها إحدى الصديقات شبيهة بقصة رحاب، جعلت المخزون ينزل على الورق. الرواية كتبت نفسها، أنا فقط أطلقت الشرارة.

مي عطاف: هي ضمن العمل، لكنها كانت شرارة اتخاذ القرار بكتابة الرواية.

مي عطاف: الفترة الزمنية من قبل السقوط بفترة طويلة وما بعده، وتتكثف فيما بعد السقوط. للرواية ثلاثة محاور: المرأة السورية وما حملته من ثقل، والمجتمع السوري ممثلاً في مجموعة أصدقاء من الجامعة تفرقت بهم السبل بعد السقوط، اختاروا خيارات مختلفة، اختلفت آراؤهم ومواقفهم. رحاب تكاد تشبه أغلب النساء اللواتي عشن الفقدان والخسارات بعد الحرب، وما فعله الوضع الاقتصادي بكرامتهن. كنا نتعرض لأسئلة مثل “هل تأكلون الموز في سوريا؟” بسبب ما وصل إليه الوضع الاقتصادي، وهذه الدلالات كانت موجعة ومؤثرة.

مي عطاف: “في السهرة بدأت كبركان قيد الثوران. تجلس في مكانها، لكن دخان آلام بدأ يتصاعد من ابتسامتها المرتجفة، وعلواً مخنوقاً في صوتها ممهوراً بالصراخ حينا، الصراخ هو الميزان الصريح للألم. لم يعد جسدها قادراً على السكون وضبط انفجاره. قامت رحاب للرقص، تحمل كأس العرق بيدها، ترفعه حينا وهي تدور، تقود يداها للأعلى كمن يود الطيران بعيداً جداً، هارباً من ملاحقة مشاعر لم تعد قادرة على إحكام قيدها. تميل رحاب قبال سعيد كشجرة تريد الريح اقتلاعها، مالت بعنف على نفسها، حركاتها لم تعد بالليونة التي يطاوعها جسدها حين ترقص، بل، صار التواؤها شبه تكسر، دارت ككلب يعض على ذيل كرامته المجروحة، تقدمت وتراجعت، تواجه أحداً لا تدرك عدواً هو أم صاحباً. بين الدوران والتأرجح والتراجع وضده والعلو وعكسه والوقوف ونفيه والهروب والعودة والغناء والاختناق، بين النقائض، سقطت رحاب على وجهها أرضاً.”

مي عطاف: أميل للجملة الإيقاعية حتى في الرواية، أحب أن يكون هناك موسيقى. لكن في الرواية راويان: راوٍ لا يحب القراءة ولا الكتابة، وهو سعيد، فكانت لغته جافة. والراوي الآخر يعبر بشاعرية مختلفة. عندما يتحدث الرواية عن السياسة والاقتصاد، تضطر اللغة لأن تكون تقريرية وجاسية أحياناً. لا أستطيع الخروج عن القصة، أحياناً يكون هناك شيء من المقال في بعض المواقف.

مي عطاف: “تحضر صورة مالك المقطع المرمي على باب بيته، بما يوازي صورة رحاب وهي تبدو مترامية متباعدة عن نفسها. كنت أشعر أن أطرافًا لا تمت بصلة بجسدها، ولا رأسها الذي ضربته مراراً، ولا صدرها الذي نال من أطرافها ما يكفي من اللكمات. اقتربت منها لأحضنها، عساها تهدأ، لكنها ابتعدت عني وهي تتحرك بلا هدف. قلت لأسندها: يبدو شخصاً عديم الإنسانية. نظرت لي بقساوة، مما اضطرني لتذييل جملتي ببعض طراوة، فأكملت: اللي عايش معنا ما رح يقدر يحس فينا. رحاب، والله ما حدا مستحيل. وكأني نطقت جملة قذيفة، سقطت قرب جسدها، ارتفعت عن الأرض، هوت وصرخت: أنا كنت بستاهل… نحن السوريين بنستاهل غير اللي عم يصير فينا.”

مي عطاف: الكتابة لا تطهرني تماماً، لا أقول إني أنجزت وخلصت. رغم الألم الذي كتبت به، ما زلت أبكي على بعض المقاطع، لأنني لم أشفى بعد، ولم نشفَ كسوريون. في الكتابة تعيش طقوساً مختلفة، أحياناً تغضب، أحياناً تفرح. لم يكن همي من يقرأ، كان لدي فيض وألم يجب أن أكتب عنه، مسؤولية شعرت بها.

مي عطاف: في هذه الرواية تحديداً، الشخصيات كانت جاهزة. لم أحتج لجدولة أو رسم تفصيلي، لأنها مرسومة في مخزوني. المرأة السورية التي رأيتها كيف تحركت موجودة، والمجتمع السوري المنفتح الذي تصفه الرواية شبيه بما أحاط بي. فالرواية كتبت نفسها، أنا فقط أنزلتها على الورق.

مي عطاف: أين السوري؟ أين السوري الحقيقي الجميل؟


مي عطاف: لا، ليست هي. هي غائبة في الغلاف، حاضرة في النص. الغلاف يمثل السوري عموماً، وما حدث للإنسان السوري.

مي عطاف: رواية عاطفية، فيها حب ورومانسية، وفيها حرب وألم، لكنها ليست رواية حروب. أما الشعرية، فهي للراوي الآخر، بينما لغة سعيد جافة لأنه لا يحب القراءة. أصعب ما واجهته هو الكتابة بلغة شخص لا يحب القراءة، كنت أراجع وأعدل حتى تحمل الجملة طابعه.

مي عطاف: أعدك أن تقرأ الواقع السوري كما هو، دون تزييف. هناك سرديتان وكلاهما صادق. كل السرديات السورية تحمل جزءاً من الصدق وجزءاً من التحايل. سترى رصداً للواقع، وللمجتمع السوري كيف كان يعيش بأريحية اجتماعية، وإن لم تكن اقتصادية.

للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.

لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات