قناع بلون السماء – ندوة لمناقشة رواية الكاتب الفلسطيني والأسير المحرر باسم خندقجي… مع نهلة هنّو… بصالون تفكير
أدارت الندوة: نهلة هنو
الكتابة في زنازين الاستعمار
يتجاوز باسم خندقجي توصيف “الأسير المحرر” ليكون نموذجاً للمثقف العضوي الذي جعل من المعتقل مختبراً معرفياً لإنتاج السردية المضادة. خندقجي، ابن مدينة نابلس الحاصل على ماجستير في الدراسات الإسرائيلية من داخل المعتقل، خاض مساراً إبداعياً بدأ بالشعر والمقال وانتهى بالرواية كأعلى درجات الاشتباك الفكري.
“البحث عن قلم داخل الأسر أو تخبئة ورقة هو عمل بطولي يهدف لحماية الخطاب الأخلاقي الفلسطيني من محاولات المسخ الاستعماري.”
بقلم: AI

تتجلى “الكتابة كفعل حياة” عند خندقجي في أرقى صورها المأساوية؛ فقد تلقى خبر فوزه بجائزة “البوكر” العالمية ليس في قاعات الاحتفال، بل وسط جولة من التحقيق الوحشي والاعتداء الجسدي من قبل قوات القمع الصهيونية التي حطمت نظارته الطبية وكسرت أضلاعه في محاولة لقتل الفرح بالإنجاز.
يرى خندقجي أن السجان يطارد الكلمات لأنها تهدد بنيته اللاأخلاقية، ومن هنا تصبح الكتابة بالنسبة له خلاصاً مجازياً وفعل تحرر يسبق كسر القيود الفعلية، لمواجهة سياسات “قتل إنسانية الأسير” وتحويله إلى كائن مجرد من الوعي.
——————————————————————————–
“قناع بلون السماء”: حفر جينالوجي في الهوية والاستعمار
تمثل رواية “قناع بلون السماء” عملية “تفكيك ديسكولونيالي” (Decolonial Excavation) لآليات الهيمنة الصهيونية، حيث يستخدم خندقجي تقنية “القناع” كأداة لاختراق وعي المحتل. يتقاطع النص فلسفياً مع أطروحات “دبليو إي دي بويز” (W.E.B. Du Bois) حول “الوعي المزدوج”، ورؤى “فرانز فانون” في “بشرة سوداء.. أقنعة بيضاء”، حيث يجد الفلسطيني نفسه مضطراً لارتداء قناع المحتل كحيلة سردية وسلاح معرفي لاستعادة تاريخه المسلوب.
الوظيفة الرمزية والسيميوطيقية للشخصيات:
| الشخصية | الوظيفة الرمزية والاشتباك المعرفي |
| نور المهدي | الفلسطيني الذي يمتلك “سلطة العبور” بملامحه الأشكنازية (القناع البيولوجي)، مستخدماً إياها كتقنية لاختراق البنية الاستعمارية. |
| أور شبيرا | يمثل “الآخر” الصهيوني الأشكنازي المهيمن، والمركز الذي تدور حوله بنية الامتيازات الاستعمارية. |
| سماء إسماعيل | البوصلة الهوياتية؛ تمثل وجه مريم المجدلية المعاصر، والوجدان الفلسطيني الصامد في أراضي 48 الذي يعيد “نور” إلى أصالته. |
| أيالة شرعابي | تمثل اليهودية “المزراحية” (الشرقية) التي تعاني من دونية داخل الهرم الصهيوني، فتتبنى تطرفاً عنصرياً لمحاكاة المنتصر (الأشكنازي) وتثبيت صهيونيتها. |
يقوم خندقجي في الرواية باستعادة شخصية مريم المجدلية من “الاختطاف المركز-أوروبي”، معيداً توطينها في سياقها الكنعاني الفلسطيني، ليؤكد أن الهوية الفلسطينية هي هوية “أمومية” وإنسانية في جوهرها، في مواجهة ذكورية وعنف المنظومة الاستعمارية.
——————————————————————————–
“سادر المحرقة”: الأنسنة كاستراتيجية للهزيمة
في الجزء الثاني من الثلاثية، والذي يحمل عنوان “سادر المحرقة”، يرفع خندقجي سقف التحدي الأخلاقي. هنا، لا يكتفي الكاتب بمراقبة المحتل من الخارج، بل يتوغل في وعي “أور شبيرا” (ضابط المظليين المصاب بصدمة الحرب).
لقد اتبع خندقجي فلسفة “الأنسنة من أجل الهزيمة لا من أجل التطبيع”؛ فمن خلال التفكير بالعبرية والكتابة بالعربية، استطاع إنزال المحتل من برجه العاجي ككائن “أسطوري خارق” وتحويله إلى كائن هش، مأزوم، ومهزوم أخلاقياً أمام السردية الفلسطينية. إنها عملية تفكيك للبنية الصهيونية من الداخل، لإثبات أن هذا “الآخر” قابل للانكسار متى ما جُرد من سلاحه المادي وواجه حقيقته المتورطة في دماء الأبرياء. وتستمر هذه الملحمة في الجزء الثالث المرتقب بعنوان “فراشات مريم الجليلية”، والتي تركز على الهوية الفلسطينية في الداخل المحتل عام 1948.
——————————————————————————–
مدرسة السجن: حلقة التحرر وإنتاج المعرفة “الضد كولونيالية”
يسلط خندقجي الضوء على تجربة فريدة حولت غرف “هداريم” إلى قاعات محاضرات أكاديمية تحت إشراف القائد مروان البرغوثي بالتعاون مع جامعة القدس. هذه التجربة التي أطلق عليها “حلقة التحرر المعرفي” لم تكن مجرد تعليم تقليدي، بل كانت عملية “تسلح معرفي”.
إن إتقان اللغة العبرية ودراسة المجتمع الصهيوني من الداخل لم يكن ترفاً، بل كان تطبيقاً لمبدأ “استقاء المعرفة من فم الذئب”. لقد مكنت هذه البيئة الأكاديمية الصارمة الأسير الفلسطيني من بناء خطاب معرفي متفوق، قادر على مخاطبة العالم بلغة نقدية تفكك المركزية الغربية وتكشف زيف الادعاءات الصهيونية، محولة “السجن” من مكان للاحتجاز إلى منارة لإنتاج الفكر التحرري.
ما بعد السابع من أكتوبر: جدلية الدم والوعي الاستراتيجي
يختتم باسم خندقجي رؤيته النقدية بوعي يمزج بين ألم الفقد وصلابة الموقف. فهو يرى أن ما حدث في السابع من أكتوبر، برغم الكلفة البشرية الهائلة ووجع غزة الذي يصفه بأنه “يفوق وجع 21 عاماً من الأسر”، يمثل زلزالاً استراتيجياً في العقيدة الأمنية الصهيونية.
“لو كنت أعلم أن ثمن حريتي سيكون بهذا الحجم من دم شعبنا في غزة، لما تمنيت الحرية؛ فنحن ناضلنا من أجل حياة هذا الشعب لا موته.”
يؤكد خندقجي أن المعركة الحالية هي معركة “وعي وسردية” بامتياز، ويخلص إلى التوصيات والرسائل الجوهرية التالية:
- المقاومة الثقافية: تفعيل الثقافة كجبهة اشتباك موازية للميدان، لمنع الاحتلال من “إبادة الوعي” بعد فشله في إبادة الإرادة.
- الوحدة الوطنية: ضرورة إعادة بناء الخطاب السياسي الفلسطيني ليمثل الكل الفلسطيني (الداخل، الشتات، والمنفى).
- أدب الاشتباك: تحويل المنجز الأدبي إلى رافعة نضالية تعيد صياغة السردية الوطنية ببعد كوني إنساني.
- الأمل الاستراتيجي: الإيمان بأن الدمار الآني هو ضريبة الانتقال من نفق الصراع المظلم إلى أفق التحرر الشامل، شريطة التمسك بالثوابت المعرفية والوطنية.
للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:
لمشاهدة مزيد من ندوات كاتب وكتاب 2026 اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد