د. وليد الخشاب ينزع قناع لطه حسين في صالون تفكير

قناع الشك: هل خدعنا طه حسين بعباءة ديكارت؟ تغطية خاصة للندوة الخامسة في موسم ندوات عن كتاب “في الشعر الجاهلي” للدكتور طه حسين، قدم  الدكتور وليد الخشاب هذه المحاضرة في صالون “تفكير”، في أجواء فكرية مُفعمة بالأسئلة. يوم الخميس 14 من شهر مايو. الندوة التي أدارها جمال عمر مؤسس صالون تفكير، وحضرها نخبة من المثقفين، شهدت طرحاً مغايراً قدمه الدكتور وليد الخشاب، أستاذ الدراسات العربية بجامعة يورك بكندا، تحت عنوان مثير: “الشك في المنهج: ديكارت أم دوركايم؟”.

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 د. وليد الخشاب ينزع قناع لطه حسين في صالون تفكير

طه حسين.. “المخادع” الذكي؟

استهل الدكتور وليد الخشاب حديثه بلهجة سجالية، معتبراً أن طه حسين “ضحك علينا” أو “خدعنا” حين زعم التزامه بمنهج ديكارت. ويرى الخشاب أن العميد تخفى وراء ديكارت واحتمى بسلطته وشرعيته، بينما كان في الواقع يطبق مناهج أخرى لم يجرؤ على التصريح بها بشكل كامل.

هذه “الحيلة البلاغية” كما وصفها الخشاب، كانت تهدف إلى تمرير أفكار الحداثة في بيئة محافظة. فالجدل حول كتاب “في الشعر الجاهلي” في جوهره هو جدل حول المنهج، وإن بدا للكثيرين أنه مرتبط بتفاصيل الشعر أو تاريخية الشخصيات المقدسة.

الأطروحات الأربع: تشريح “قناع” العميد

قدم الخشاب أربع أطروحات فرعية لتشريح علاقة طه حسين بالمؤثرات الفرنسية:

  • الاحتماء بعباءة الشيخ: يزعم الخشاب أن طه حسين أكد مراراً على تبعيته لديكارت ليضفي على نفسه سلطة معرفية، تماماً كما يحتمي “الشيخ الشاب بعباءة شيخه الكهل”.
  • الشك العربي مقابل المعرفة الغربية: في الثقافة العربية، ارتبط اسم ديكارت بالشك، بينما يركز الدارسون في الغرب على قضية “المعرفة” لديه. طه حسين استخدم “الشك” كإشارة خفية للأكاديميين بأنه ليس ملحداً، لأن شك ديكارت (كما شك الغزالي) هو “أول مراتب اليقين” المفضي إلى الإيمان.
  • المؤثرات المسكوت عنها: تعمد طه حسين الصمت عن مؤثرات فرنسية أخرى أكثر قرباً لمنهجه، مثل إميل دوركايم (الذي أشرف على رسالته عن ابن خلدون) ورينان ولوسيان ليفي برول. والسبب في رأي الخشاب هو أن هؤلاء الباحثين كانوا يتهمون بالإلحاد أو “الهرطقة” لتناولهم التاريخ المقدس بنظرة نقدية.
  • قلق الحداثة: الجدل حول الكتاب لم يكن بسبب الشعر وحده، بل كان تعبيراً عن القلق من دخول الحداثة ووسائطها (مثل الجامعة والمطبعة) إلى الفضاء العام، مما قد يهز القناعات المستقرة حول الموروث الشفهي.
d8b7d987-d8add8b3d98ad986 د. وليد الخشاب ينزع قناع لطه حسين في صالون تفكير

ديكارت أم دوركايم؟ البحث عن المنهج الحقيقي

يرى الدكتور الخشاب أن منهج طه حسين في نقد السيرة والشعر هو أقرب لأعمال رينان في “النقد التاريخي” وأطروحات ليفي برول حول القطيعة بين “العقلية البدائية الدينية” و”العقلية العلمية الحداثية”.

ويضيف الخشاب أن العميد حين دعا إلى “نسيان ديننا وقوميتنا” أثناء البحث العلمي، كان يطبق مفهوم التجرد الذي يدرسه أساتذة الاجتماع مثل دوركايم، وليس مجرد “الشك المنهجي” الديكارتي. طه حسين كان “ضحية التحديث والتجديد” أكثر من كونه ضحية للشك في حد ذاته.

مداخلات ساخنة: صراع “الأحرار” والوفد

لم تخلُ الندوة من نقاشات ثرية؛ حيث أشار الخشاب إلى بُعد سياسي في الهجوم على طه حسين، مرتبط بقربه من حزب الأحرار الدستوريين. ويرى أن خصوم الحزب (خاصة الوفد) استغلوا الكتاب لمهاجمة منافسيهم السياسيين، خاصة وأن طه حسين استخدم كلمة “أحرار” في كتابه كإشارة سياسية مبطنة.

من جانبه، طرح الأستاذ أحمد خفاجي تساؤلاً حول موقف المجتمع من الحداثة، مشيراً إلى رؤية الدكتور خالد فهمي التي ترى أن الناس لم يرفضوا الحداثة في جوانبها العملية (كالحنفية والطب الشرعي)، بل رفضوا طريقتها المفروضة من أعلى. وعقب الخشاب بأن الحساسية تظهر فقط عندما تلامس الحداثة المسائل العقائدية.

كما قدم الدكتور قاسم المحبشي قراءة في فلسفة التاريخ، مؤكداً أن طه حسين كان مخلصاً للمدرسة “الوضعية” الفرنسية التي عاصرها، والتي ترفع شعار “لا تاريخ بدون وثيقة”. واعتبر أن العميد طبق أدوات “النقد الخارجي والداخلي” للوثائق بصرامة علمية.

أزمة الوسيط المادي في لفتة ذكية، ربط الخشاب بين أزمة كتاب طه حسين وأزمة جمع أول مصحف مطبوع في مصر في نفس الفترة. ففي الحالتين، كان هناك خوف من “الوسيط المادي الحديث” (المطبعة والجامعة) وقدرته على تغيير نظرتنا للتراث وتحويل المادة الشفهية “المقدسة” إلى مادة مكتوبة ومثبتة خاضعة للنقد.

خاتمة: الحداثة كمعيار للحقيقة

أكدت الندوة أن طه حسين في مطلع القرن العشرين كان يستوعب منطقاً حديثاً يجعل من العلم المعيار الأول للحقيقة. واختياره لديكارت كمرجعية كان يهدف لضمان “شرعية فكرية” من الغرب، مع الحفاظ على صبغة “محافظة” نظراً لإيمان ديكارت الكاثوليكي المشهور.

انتهت الندوة بفتح آفاق جديدة لفهم “تراث الحداثة” العربية، وسط وعود باستكمال هذه السلسلة من النقاشات الجريئة التي تعيد قراءة رموزنا الفكرية بعيداً عن القوالب الجاهزة.

لمشاهدة فيديوهات د. وليد الخشاب على صالون تفكير اضغط هنا

للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة علي راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات