القرآن في الأدب العربي ما قبل العصر الحديث 2.. دانيلو مارينو… ترجمة: عماد السعيد

2

ما نوع العلاقة إذن بين القرآن وغيره من الأشكال الأدبية التي تُروى شفهيًا أيضًا، وبالأخص الشعر؟ إن موقف القرآن تجاه الشعراء بشكل عام نقدي إلى حد كبير، ويعكس ما وصفه بونيباكر بمصطلح «التحيّز الديني» تجاه النشاط الشعري. يمكن تمييز اتجاهين مختلفين بوضوح، وكلاهما يعكس موقف المجتمع في ذلك الوقت من دور الشاعر، في سياق قبلي لجزيرة العرب ما قبل الإسلام، كان الشاعر راوٍ ومدافعًا عن أمجاد وقيم قبيلته. ومن جهة أخرى، من خلال السخرية والهجاء، حيث كان يُعتبر سلاحًا حادًا لتشويه خصوم القبيلة، وبالتالي مصدرًا محتملاً للفتنة والخصومة .ومع ذلك، يولي القرآن أيضًا اهتمامًا بالطبيعة الخارقة والسحرية للإلهام الشعري. لدرجة أنه، وبفضل قدرته على إثارة العواطف لدى المستمعين، كان الشاعر يُعتبر ممسوسًا بالأرواح (مجنون)، (القرآن: 15:6؛ 26:27؛ 37:36؛ 44:14؛ 51:39، 52؛ 52:29؛ 54:9؛ 68:2، 51؛ 81:22)، أو حتى يُوصف بـ (ساحر مجنون، القرآن: 37:36).

يمكننا بسهولة تخيّل مخاوف وتحفّظ محمد تجاه أولئك الذين اتهموه بأنه شاعر أو مجنون أو كاهن. لذلك، يعرّف القرآن نفسه على أنه مختلف وبديل عن الأدب والشعر، وذلك بسبب أن الرسالة الإلهية التي نزلت على محمد لا تنتمي بأي حال من الأحوال إلى الشعر (القرآن: “وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ”). يس : 69_70، كما أن الآيات {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (227) الشعراء} توضح بشكل أفضل هذه التهمة بعدم الملاءمة أو عدم القدرة على التعبير الشعري.

في هذه الآيات، يحدد القرآن من جهة ثنائية الخطاب بين الحق والباطل، ومن جهة أخرى يبيّن على المستوى الأخلاقي تناقض الشعراء الذين “يقولون ما لا يفعلون”. ومع ذلك، تحمل الآية 26:227 تحذيرًا إلهيًا يتيح لمن يعتنقون الإسلام، حتى من الشعراء، استعادة الطريق المستقيم. وبهذه الطريقة، يعترف القرآن بأنه من ضمن حدود الوحي، يمكن أن يوجد أدب، وفي بعض النواحي يكون مفيدًا أيضًا، إذ إنه كما في جزيرة العرب الوثنية، يمكن أن يكون سلاحًا للدفاع. فكما كان الشاعر في الجاهلية هو صوت القبيلة، يصبح المسلمين الجدد هم رواة الدين الجديد ومنظومة القيم الجديدة.

إذن، إذا كان القرآن من جهة يسعى إلى الابتعاد عن خطاب جمالي بلا قيمة لاهوتية، ويقدّم نفسه ككلمة “مختلفة” وأعلى منزلة مقارنة بالإنتاج الأدبي السابق بفضل وظيفته كوحي إلهي، فإنه من جهة أخرى لا يتردد في التحدي العلني، من خلال ما يُعرف بـ “آيات التحدي”، لأي شخص يحاول معارضة سور قد تُضاهي فصاحة ما أُوحي به إلى محمد (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)؛ سورة هود، {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}؛ سورة الإسراء، {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}؛ سورة الطور، (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (34) سورة البقرة، إنها حيلة بلاغية فعّالة للغاية تهدف إلى تثبيط كل محاولة لمضاهاة القرآن، بناءً على الافتراض بأن كلمة الله في كتابه المقدس مُعِجزة. وهذا لأن القرآن ليس عملًا بشريًا (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا}، سورة ص، {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ}؛ سورة المدثر، {فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} سورة الفرقان. ولا هي أضغاث أحلام أو افتراءات {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} الأنبياء: 5، ولا هي أساطير الأولين، {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِين} الأنفال:31، بل القرآن يعرف نفسه بوصفه وحيا أصيلا غير زائف، {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} سورة الحاقة.

علاوةً على ذلك، وبما أنّه لم يتأت لأحد، لا في حياة النبي ولا بعدها، من أن يضاهي أسلوب القرآن ومن ثمّ أن يُنتج معارضة له، أي إنّه لم يكن أحدٌ قادرًا على قبول التحدّي “الأدبي” الذي ألقاه القرآن على معارضيه، فابتداءً من النصف الثاني من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، قام بعض علماء المسلمين بصياغة مفهوم إعجاز القرآن ثمّ تطويره لاحقًا. ويقوم هذا المفهوم على افتراض عجز الإنسان عن الإتيان ولو بآية واحدة سواء من حيث الشكل أو المضمون، لأسلوب القرآن السامي والرفيع. وبناءً على ذلك، يأخذ القرآن طابع معجز، فأي آية أُرسلت إلى الأرض تُعد برهانًا على نبوّة محمد، الذي لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة؛ تمامًا كما كانت معجزة موسى عصاه التي تحوّلت إلى حيّة، أو معجزة إحياء الموتى التي أُوتيها عيسى.

في الواقع، ورغم القيود التي فرضها المفسرين القدامى، فلدينا بعض الأدلة على أنّه في زمن النبي حاول بعض الأفراد مضاهاة القرآن. فقد كان هناك شخص يُدعى مُسيلمة (توفي عام 633)، وبعد أن ادعى النبوة لنفسه، جادت قريحته بنصوص مسجوعة، وهو كلام مقفى وموزون والذي يميّز المقاطع القرآنية الأولى، وذهب حتى إلى اقتراح تقسيم السيطرة على الجزيرة العربية مع محمد.

وابتداءً من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، انخرط عدد من المتكلمين في دراسة عقيدة إعجاز القرآن. ومناط القضية يتمحور حول أي شيء تحديدا يظهر أن القرآن لا يُضاهى. وهنا ملاحظة أولية تجدر الإشارة إليها: التأكيد على أن القرآن لا يُضاهى من الناحية الأسلوبية يعني على نحو مفارق أنه، للوصول إلى هذا الاستنتاج، يُعتبر القرآن نصًا أدبيًا بالفعل، إذ أن صياغة مثل هذا الحكم الجمالي تتطلب استخدام نفس أدوات النقد الأدبي.

على أي حال، فوفقًا لأبي إسحاق إبراهيم بن سيّار النَّظَّام (حوالي 230هـ/845م)، وهو أحد ممثلي مدرسة المعتزلة الكلامية، وهي تيار فكري اتُّهم بتقديم العقل على النقل في الفكر الإسلامي، فالقرآن عنده ليس معجزًا من الناحية الشكلية، إذ إن أي شخص ملما بفنون البلاغة العربية قد يتمكن من مضاهاة اسلوب القرآن. وعلى العكس، فما يشكّل مفهوم الإعجاز عنده بالتالي البرهان على أن محمدًا كان نبيًا حقًا، هو المحتوى، وبشكل خاص الإخبار بالغيب وقصص الماضي، وورود الأخبار المستقبلية. والآن، بالرغم من أن قريحة العرب قبل بعثة النبي كانت قادرة على إنتاج نصوص ربما تفوق القرآن من حيث نقاء اللغة وفصاحتها وبلاغتها، يضيف النَّظَّام، بعد الوحي أصبحت هذه القدرات اللغوية مقيدة بفعل التدخل الإلهي.

في الواقع، كان على هذا المبدأ المعروف باسم الصرفة أن يقدّم نوعًا من الإجابة على المأزق الكلامي لفكرة التحدّي “الأدبي” الموجّه للبشر: فإذا كان العلم الإلهي مطلق ولا نهائي، والعلم البشري محدود، فمن المحال أن يتحدّى الله، الذي عدله مطلق ولا نهائي أيضًا، البشر في شيء يعرف هو نفسه أنّه يتجاوز قدراتهم البشرية الفانية. ورغم ذلك، فإن عقيدة الصرفة سيرفضها غالبية المتكلمين الذين، على العكس، انحازوا إلى تفردية القرآن من الناحية الأسلوبية والبلاغية.

فالقرآن إذن لا يُضاهى من حيث تركيبه ونظمه، أي بطريقة محددة تُرتّب بها الكلمات والجمل داخل كل آية بحيث تولّد المعنى من خلال الصور البلاغية، والتي تجعل الفاعلية الجمالية للخطاب القرآني لا مثيل لها. وهذه الفكرة قال بها بشكل خاص بعض مفكري المعتزلة كالجاحظ (ت. 255هـ/865م)، والرمّاني (ت. 384هـ/994م)، والقاضي عبد الجبّار (ت. 415هـ/1025م)، والذي بالنسبة له، على وجه الخصوص، فإن معجزة الوحي تكمن حصريًا في البلاغة القرآنية.

أما الباقلاني وهو متكلم أشعري (ت. 403هـ/1013م)، فعلى الرغم من انتصاره لفكرة المحتوى والإخبار عن الغيب وقصص الأنبياء الواردة في القرآن تكفي لتعريف طابعه المعجز، إلا أنه يعترف كذلك بـالسمو الأسلوبي واللغوي للقرآن كما قدمته عقيدة المعتزلة حول الإعجاز. ولإثبات هذه الفكرة، قام الباقلاني بعقد مقارنة بين النص القرآني واثنين من الأعمال الأدبية الشهيرة: قصيدة للشاعر الجاهلي امرؤ القيس (ت. حوالي 550م)، واللّامية (نص مقفى بحرف اللام) للبحتري، ت. 284هـ/897م، إضافة إلى عدة خطب ورسائل كتبها النبي محمد وصحابته. وقد أسفر هذا البحث عن أن الباقلاني يؤكد التفرّد الأسلوبي للقرآن ضمن الإنتاج الأدبي العربي، وذلك حتى وإن لم يكن الحجة البلاغية تمثل، عند الأشعري، جوهر عقيدة الإعجاز، بل على الأكثر تعزّز من هذا المفهوم. وأخيرًا، يرى الباقلاني أن القرآن لا يمكن اعتباره شعراً ولا نثراً، بل نوعًا مخالفا مستقلا بذاته.

مع ذلك، ستكون تأملات فقيه الأدب واللغة، الأشعري عبد القاهر الجرجاني (ت. 470هـ/1078م)، الواردة في كتابيه {دلائل إعجاز القرآن}  و{أسرار البلاغة}، هي التي تقدّم معالجة أكثر منهجية لنظرية النظم، أي الترتيب، التكوين، نظم الخطاب، وبشكل أعم، البناء النحوي (السِّياق العام للجملة والنص)، كما تضع أساسًا لنظرية أكثر اكتمالًا للعمل الفني. وعلى عكس الفكر الكلامي المعتزلي، يرى الجرجاني أن معجزة القرآن تكمن في الوقت نفسه في التعبير والمعاني التي يحملها الخطاب. فإذا كان القرآن معجز فقط بناءً على الإخبار بعالم الغيب وورود الأخبار المستقبلية، فإن الإعجاز سيقتصر فقط على بعض آي القرآن. بل على العكس، يرى المؤلف أن تفوق القرآن يكمن في كل جزء من النصّ المقدّس، لأن التوليفة بين الشكل اللغوي (اللفظ) والمضمون (المعنى) هي ما يجعل الكلمة الإلهية لا تُضاهى. بعبارة أخرى، إذا كانت الكلمات لا معنى لها بحد ذاتها، والأفكار، رغم كونها موجودة قبل الشكل اللغوي، لا وجود لها ببساطة دون التعبير عنها، فإن العنصرين لا يمكن دراستهما بشكل منفصل. والمقارنة بين الخطاب والحرفة اليدوية التي اقترحها الجرجاني توضح فكرته بشكل أفضل: فصانع الخطاب يشبه الحرفي الذي يختار أولًا الأدوات وعناصر البناء النحوي، ثم يشكّل المادة الخام للخطاب، أي الكلمات (ألفاظ)، ليعبر عن المعاني (معانٍ)، ويمنحها شكلاً محددًا (تصوير) يعكس الفكرة المسبقة في ذهن الصانع.

هكذا، يتيح النقاش حول إعجاز القرآن عند الجرجاني أيضًا أن يُحدّد لنا نوعين مختلفين من النظم، يتوافق مع كل منهما نوع من الخطاب: التواصل المباشر، الذي لا يتطلب أي مهارة خاصة. وخطاب أكثر تعقيدًا، وهو خطاب القرآن والشعر، وهو نتاج عملية انتقاء دقيقة لأغراض أسلوبية محددة. في الحالة الأولى، يتكوّن النظم من مجرد تتابع الكلمات دون أي اهتمام بالشكل، بينما في الحالة الثانية، ليست الصياغة النحوية الصحيحة هي الأهم، بل المهارة الفنية الفردية، التي تعكس نموذجًا ذهنيًا مسبقًا، وهي ما تمنح العمل الفني قيمته. وتحديدا عند هذه النقطة، يختلف النهج الكلامي-العقلي لمدرسة المعتزلة بشكل جذري عن النهج البلاغي-الأسلوبي للجرجاني فيما يتعلّق بالإعجاز القرآني: بالنسبة للمعتزلة، يكمن إعجاز القرآن فقط في الدرجة العالية من الفصاحة التي وصل إليها، وهو ما يبرهن على براعة خالقها التي لا تُضاهى. أما الجرجاني، فيرى أن أسلوب القرآن هو تجسيد لنموذج ذهني، رؤية داخلية لا يمكن الولوج إليها (كلام نفسي)، تقترح شكلها اللغوي الخارجي (كلام لفظي). وإذن، في منظور نظرية أوسع للخطاب والأدب، يردّ الجرجاني على أولئك الذين يحكمون على العمل الفني فقط من خلال التعبير، متجاهلين الفكرة أو التصور الكامن وراء الشكل اللغوي.

وأخيرًا، من فقيه في البلاغة والأدب مثل الجرجاني نستخلص أقوى وأصلب موقف حول العلاقة بين القرآن والشعر. فوفقًا لمؤلف كتاب دلائل إعجاز القرآن، لتقدير تفردية النصّ المقدّس للإسلام، يجب معرفة الشعر العربي الجاهلي بعمق، ليس للحط من قدره مقارنة بالكتب السماوية، بل لأن هذا الفنّ يُعد أرقى صور الفصاحة والبلاغة. وهكذا، الشعر ليس بأي حال من الأحوال علمًا ثانويًا بالنسبة للكلام الديني؛ بل على العكس، هو معرفة أساسية لفهم القرآن بشكل أفضل. بعبارة أخرى، يضع الجرجاني مبدأ الوظائفية المتبادلة بين الأدب والدين، لكن المؤلف يذهب أيضًا أبعد من ذلك، مؤكدًا على تطبيق مفهوم قانوني أساسي: كل ما يحتاجه المسلم للوفاء بواجب ديني، مثل معرفة القرآن، فهي معرفة واجبة على المؤمن نفسه: وذاك أنا كنا نعلم الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت، وبانت وبهرت، هي أن كانت على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر، ومنتهيا إلى غاية لا يطمح إليها بالفكر، وكان محالا أن يعرف كونه كذلك، إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب، وعنوان الأدب.
{….}
لا غنى بالعاقل عن معرفة مثل هذه (البلاغة) والوقوف عليها والإحاطة بها، وأن الجهة التي منها يقف، والسبب الذي به يعرف، استقراء كلام العرب وتتبع أشعارهم والنظر فيه.

وهكذا يُقرِّر الجرجاني أن بين الخطاب الأدبي البشري وكلام الله القواعدَ نفسها في النحو والتركيب أو (النظم )، والبلاغة هي القواعد التي يمكن لدراسة الشعر أن تكشف عنها. وبذلك يعترف المؤلف ضمنًا بأولية الناقد الأدبي في تحليل التفوق الأسلوبي للقرآن. أَلَم تكن العصورُ الوسطى المسيحية قد أزالت هي الأخرى كلَّ حاجزٍ بين الشعر ومعرفة المطلق، حين منحت الشعر قيمةً إدراكيةً عليا، كما أكّد بوكاتشيو؟ : {أقول إن اللاهوت والشعر يمكن أن يُقال إنهما شيءٌ واحد تقريبًا، إذ إن موضوعهما واحد؛ بل أقول أكثر من ذلك: إن اللاهوت ليس شيئًا آخر سوى شعر عن الله}. وهو ما يبدو أنه يستدعي ما كان الجرجاني قد قاله في زمانه عن لا اختزالية اللغة.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات