الدِّمُ المَنْشُودُ .. فريدريك براون .. ترجمة: أنطونيوس نبيل
تأليف: فريدريك براون
ترجمة: أنطونيوس نبيل
أنطونيوس نبيل
طبيب وشاعر وملحن.

تَحَصَّنَ ڨرونُ ودرينا -النَّاجِيَانِ الأَخِيرَانِ مِنْ جِنْسِ مَصَّاصِي الدِّمَاءِ- بآلةِ الزَّمَنِ الخَاصَّةِ بِهِمَا، وَاتَّجَهَّا عَلَى عَجَلٍ نَحْوَ المُسْتَقْبَلِ هَرَبًا مِنَ الإِبَادَةِ. أَخَذَا يَتَشَاطَرَانِ المُوَاسَاةَ ويَتَوَاصَيَانِ بالصَّبْرِ، وأَيْدِيهِمَا الرَّاجِفَتَانِ تَتَعَانَقَانِ، وَقَدْ أَطْبَقَتْ عَلَيْهِمَا بَراثِنُ الجُوعِ ومَخَالِبُ الفَزَعِ.
لَقَدْ فَطِنَ الجِنْسُ البَشَرِيُّ إِلَى حَقِيقَةِ مَصَّاصِي الدِّمَاءِ فِي القَرْنِ الثَّانِي والعِشْرِينَ، مُدْرِكِينَ أَنَّ أُسْطُورَةَ وُجُودِ مَصَّاصِي دِمَاءٍ يَعِيشُونَ بَيْنَهُمْ خُلْسَةً لَمْ تَكُنْ مَحْضَ خَيَالٍ جَامِحٍ، بَلْ حَقِيقَةً صَادِقَةً لَا إِفْكَ فِيهَا؛ فَأَبْدَتِ البَشَرِيَّةُ نَوَاجِذَهَا لِغَيْرِ تَبَسُّمٍ، وأَثْخَنَتْ فِي مَصَّاصِي الدِّمَاءِ ذَبْحًا. لَمْ يَنْجُ مِنَ تِلْكَ المَجْزَرَةِ التي اسْتَأْصَلَتْ شَأْفةَ مَصَّاصِي الدِّمَاءِ إلَّا هَذَانِ الاثْنَانِ: اللَّذانِ كَانَا قَبْلَ المَجْزَرَةِ الدَّامِيَةِ يَعْكُفَانِ عَلَى صُنْعِ آلةِ زَمَنٍ، وَقَدْ أَتَمَّاهَا فِي الوَقْتِ المُنَاسِبِ؛ لِيَتَّخِذَاهَا مَطِيَّةً لَهُمَا فِي فِرَارِهِمَا إِلَى المُسْتَقْبَلِ.
كَانَا فِي فِرَارِهِمَا يَلْتَمِسَانِ مُسْتَقْبَلًا قصِيًّا، يَبْلُغُ مِنَ إِيغَالِهِ فِي البُعْدِ حَدًّا تَصِيرُ فِيهِ كَلِمَةُ “مَصَّاصِ دِمَاءٍ” ذَاتُهَا نَسْيًا مَنْسِيًّا وَرَمِيمَ حُرُوفٍ عَارِيَةٍ مِنْ لَحْمِ النُّطْقِ وَخَاوِيَةٍ مِنْ عِظَامِ المَعْنَى؛ كَيْ يَتَمَكَّنَا مِنَ العَيْشِ مُجَدَّدًا آمِنَينِ لَا يَظُنُّ أَحَدٌ بِهِمَا سُوءًا، وتَكُونَ لَهُمَا ذُرِّيَّةٌ يُعِيدَانِ بِهَا إِحْيَاءَ جِنْسِهِمَا المُوشِكِ أَنْ يَنْقَرِضَ.
“إِنِّي أَتَضَوَّرُ جُوعًا، يَا ڨرون، ولَا أُطِيقُ الاحْتِمَالَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.”
“وَإنِّي مِثْلُكِ سَاغِبٌ لَاغِبٌ، يَكَادُ الجُوعُ الوَبِيلُ يُهْلِكُنِي. اِطْمَئِنِّي يَا حَبِيبَتِي درينا، لَسُوفَ نَتَوَقَّفُ مَرَّةً أُخْرَى عَمَّا قَلِيلٍ.”
كَانَا قَدْ تَوَقَّفَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلُ، وَمَا كَانَا لِيَتَمَلَّصَا مِنْ أَنْيَابِ المَوْتِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ. لَقَدْ ذَاقَا مِنَ العَذَابِ الوَبِيلِ مَا لَا يُمْكِنُ لَهُمَا أَنْ يَنْسَيَاهُ أَبَدَ الدَّهْرِ؛ إِذْ وَجَدَا أَنَّ كَلِمَةَ “مَصَّاصِ دِمَاءٍ” لَمْ تَزَلْ حَيَّةً فِي الأَذْهَانِ تُوقِظُ غَضَبًا مُتَّقِدًا فِي النُّفُوسِ.
كَانَتْ مَحَطَّتُهُمَا الزَّمَنِيَّةُ الأَخِيرَةُ -قَبْلَ خَمْسِمَائةِ سَنَّةٍ خَلَتْ- قَدْ أَسْفَرَتْ لَهُمَا عَنْ عَالمٍ رَدِيءٍ قَمِيءٍ، بَلَغَ مِنَ الانْحِطَاطِ مَبْلَغًا لَا يُطِيقُهُ إلَّا الكِلَابُ: عَالمٍ لَا يَلِيقُ إلَّا بالكِلَابِ حَرْفِيًّا؛ فَقَدِ كَانَ الجِنْسُ البَشَرِيُّ قَدِ انْقَرَضَ، وَأَصْبَحَتِ الكِلَابُ جِنْسًا مُتَحَضِّرًا وَمُشَابِهًا لِلْبَشَرِ، وعَلَى الرُّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّ التَّعَرُّفُ عَلَيْهِمَا وَإدْرَاكُ حَقِيقَتِهِمَا كَمَصَّاصَيّ دِمَاءٍ.
لَقَدْ تَمَكَّنَا فِي مَحَطَّتِهِمَا الأَخِيرَةِ مِنَ أَنْ يَتَغَذَّيَا مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى دَمِ جِروٍ وَدِيعٍ لَا يَمْلُكُ لَهُمَا ضَرًّا، لَكِنَّهُمَا صَارَا بَعْدَ ذَلِكَ هَدَفًا لمُطَارَدَةٍ مَسْعُورَةٍ أَكْرَهَتْهُمَا عَلَى العَوْدَةِ إِلَى آلَةِ الزَّمَنِ الخَاصَّةِ بِهِمَا والفِرَارَ إِلَى المُسْتَقْبَلِ مُجَدَّدًا.
قَالَتْ درينَا: “شُكْرًا لِتَوَقُّفِكَ.” ثُمَّ تَنَفَّسَتِ الصُّعَدَاءَ.
قَالَ ڨرونُ وَقَدْ تَجَهَّمَ وَجْهُهُ: “لَا تَشْكُرِينِي؛ فَهَذِهِ هِيَ خَاتِمَةُ رِحْلَتِنَا، لَقَدْ نَفَذَ وَقُودُنَا ولَنْ نَعْثُرَ عَلَى أَدْنَى قَدْرٍ مِنْهُ هُنَا؛ فَفَي هذه اللَّحْظَةِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ سَتَكُونُ النَّظَائِرُ المُشِعَّةُ كُلُّهَا قَدِ اضْمَحَلَّتْ. لَا مَفَرَّ لَنَا مِنْ البَقَاءِ هُنَا؛ فَإمَّا أَنْ نَعِيشَ وَإمَّا أَنْ نَمُوتَ.”
خَرَجَا مِنْ آلةِ الزَّمَنِ الخَالِيَةِ مِنَ الوَقُودِ؛ لِيَسْتَطْلِعَا المَكَانَ الذي صَارَ مُسْتَقَرًّا إِجْبَارِيًّا لَهُمَا. صَاحَتْ درينَا بِحَمَاسٍ وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى شَيءٍ يَسِيرُ نَحْوَهُمَا: ” ڨرونُ، اُنْظُرْ! كَائِنٌ جَدِيدٌ، لَقَدِ انْقَرَضَتِ الكِلَابُ وحَلَّ مَحَلَّهَا شَيءٌ آخَرُ. لَا شَكَّ أَنَّ كَلِمَةَ مَصَّاصِي الدِّمَاءِ قَدْ صَارَتْ مَطْمُورَةً فِي جَوْفِ النِّسْيَانِ لَا ذِكْرَ لَهَا أَلْبَتَّةَ.”
كَانَ الكَائِنُ الذي يَتَقَدَّمُ نَحْوَهُمَا يَتَمَتَّعُ بِقُدْرَةٍ عَلَى التَّخَاطُرِ عَنْ بُعْدٍ. اِنْبَثَقَ صَوْتٌ دَاخِلَ أَدْمِغَتِهِمَا قَائِلًا: “لَقَدْ سَمِعْتُ مَا يَشْغَلُ أَذْهَانَكُمَا، إنَّكُمَا تَتَسَاءَلَانِ عَمَّا إِذَا كُنَّا نَعْرِفُ مَصَّاصِي الدِّمَاءِ. أَيًّا كَانَ مَدْلُولُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، فَنَحْنُ لَا عِلْمَ لَنَا بِهَا مُطْلَقًا.”
تَشَبَّثَتْ درينَا بِذِرَاعِ ڨرون وَقَدْ اسْتَبَدَّتْ بِهَا النَّشْوَةُ، وَهَمَسَتْ بِنَبْرةٍ تَقْطُرُ اشْتِهَاءً: “الحُرِّيَّةُ، والطَّعَامُ!”
قَالَ الصَّوْتُ: “إنَّكُمَا تَتَسَاءَلَانِ أَيْضًا عَنْ أَصْلِي ومِنْ أَيِّ الأَجْنَاسِ تَطَوَّرْتُ. إنَّ كُلَّ أَشْكَالِ الحَيَاةِ الآنَ نَبَاتِيَّةٌ.” ثُمَّ انْحَنَى لَهُمَا انْحِنَاءَةً شَدِيدَةً قَائلًا: “أَمَّا أَنَا -كَفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الأَجْنَاسِ النَّبَاتِيَّةِ المُهَيْمِنَةِ عَلَى الأَرْضِ- فَسَلِيلُ سَلَفٍ عَظِيمٍ كَانَ يُسَمَّى فِي زَمَنِكُمَا القَدِيمِ لِفْتًا.”
1955
(تَعْلِيقٌ مُجْتَثٌّ مِنْ أَحْشَاءِ الضَّجَرِ،
يَنْبَجِسُ قَيْحًا مِنْ هُذَاءِ المُتَرْجِمِ الجَهُولِ،
ذِي الابْتِسَامَةِ الحُبْلَى بِأَنِينِ الدُّودِ:
كَجَهِيضٍ أَخْرَسَ يَلْتَقِمُ ثَدْيًا قُدَّ مِنَ الحَجَرِ
مُقَمَّطًا بِأَكْفَانِ الأَرَقِ يَسْتَهْزِئُ بِوَحْيِ الْعُقُولِ؛
لِيَسْتَدِرَّ تَهْوِيدَتَهُ مِنْ هَزِيمِ الرُّعُودِ.)
قَالَ الشَّاعِرُ العَيِيُّ والقِرْزَامُ الخَصِيُّ -زِفْتُ الطِّينِ، مُبْغِضُ العَسْكَرِ والسَّلَاطِينِ- أَبُو ذَرِّ النَّابُلُسِيُّ مَادِحًا اللِّفْتَ الدَّفِينَ فِي أَرْضَ فِلَسْطِينَ:
“مَا مِنْ نَجِيعٍ فِي عُرُوقِ السَّلْجَمِ.. قَبْرًا رَأَوْكَ الظَّامِئُونَ إِلَى الدَّمِ
ثَدْيًا مِنَ الْبَرْقِ الخَثِيرِ تَكَوَّرَ.. فِي كَفِّ لَيْلٍ مِنْ ثَرًى لَمْ يُفْطَمِ
يَا لِفْتُ قَدْ كُنْتُ الْفَصِيحَ المُفْلِقَ.. أَعْجَزْتَنِي عَنْ مَدْحِكَ كَالْأَعْجَمِ
شَاكَلْتَ قَلْبًا مِنْ عَقِيقٍ أَمْهَقَ.. بَدْرًا تَوَارَى فِي ضَرِيحٍ قَاتِمِ
نَصْلًا مِنَ النُّورِ المُطَهَّرِ يَنْعَظُ.. وَالأرْضُ مِنْ شَبَقٍ تَئِنُّ بِلَا فَمِ”
فانْظُرْ مَعِي بِعَيْنٍ بَرِيئَةٍ مِنْ أَقْذَاءِ الإِغْفَالِ، إِلَى نُبُوءَةٍ قَدْ تَسَنَّمَتْ ظَهْرَ المُحَالِ، واجْتَازَتْ فَيَافِيَ القُرُونِ الخَوَالِي، فَلَا هِيَ كَلَّتْ مِنْ وَطْأَةِ التَّرْحَالِ أَوْ مَلَّتْ، وَلَا هِيَ زَلَّتْ فِي حَمْأَةِ الزَّوَالِ أَوْ ضَلَّتْ؛ حَتَّى احْزَأَلَّتْ فِي بَيْضَةِ الوُقُوبِ السَّحِيقَةِ وَنَقَفَتْهَا، واسْتَحَلَّتْ هَتْكَ حُجُبِ الغُيُوبِ الصَّفِيقَةِ وَخَرَقَتْهَا، وَتَجَلَّتْ بَعْدَمَا ظَلَّتْ مَغْمُورَةً بِمَاءِ النِّسْيَانِ الآجِنِ، ومَقْبُورَةً فِي غَيْهَبِ جَدَثٍ غَائِرٍ فِي أَحْشَاءِ هَذَا النَّظْمِ المَاجِنِ، الذي لَا يُجْزَى عَلَيْهِ صَاحِبُهُ إلَّا صَفْعًا بالنِّعَالِ وقَرْعًا بِالْمَحَاجِنِ.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد