حُرُوفٌ تَلُوكُ بِلَا فَمٍ مَا بَصَقَهُ الصُّعْلُوكُ مِنَ دَمٍ… بقلم: أنطونيوس نبيل
أنطونيوس نبيل
طبيب وشاعر وملحن.

جَذْوَةٌ مِنْ هُذَاءِ السَّادِرِ فِي زَمْهَرِيرِ الأَرَقِ
“أَحُلْمًا أُعَانِقُ أَمْ جُثَّتِي؟
أَيَا جُثَثًا
تُكَابِدُ مَوْتًا مُعَاشًا
أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِخَبِيءِ النَّبَإِ؟
عَلَى أَنْهَارِ الظَّمَإِ
أُقَبِّلُ ظِلِّي فَمَا مِنْ إِلَهٍ
بِهِ أَسْتَعِيذُ مِنَ الوَحْشَةِ:
أَثْخَنَتْنِي الصَّلَاةُ ارْتِعَاشًا
فَصِرْتُ شِفَاهًا يَلِدْنَ فَرَاشًا
مُكَفَّنًا بالصَّدَإِ”
أبو ذَرّ النَّابلسيّ
شَطْحَةُ اللَّعْثَمَةِ
مَا حَيَوَاتُنَا إلَّا أَشْطَارٌ مُبْتَسَرَةٌ لِأَبْيَاتٍ مُسْتَأَصَلَةٍ مِنْ مَلْحَمَةٍ مَفْقُودَةٍ يُغَمْغِمُ بِهَا الإِلَهُ مُحَمْلِقًا إلى وَجْهِهِ فِي مِرْآةِ زَمَنٍ مُضَرَّجٍ بِدَمٍ غَضٍّ يَسْتَصْرِخُهُ عَبَثًا وقَدْ عَكَفَ عَلَى تِلَاوَتِهَا تَعَاوِيذَ يَتَوَسَّلُ بِهَا بُلُوغَ نَشْوَتِهِ المُسْتَحِيلَةِ: أَنْ تَسْتَشْرِيَ فِي وَجْهِهِ تَجَاعِيدُ غَائِرَةٌ تُبَشِّرُهُ بِأَنَّهَا سَتُصْبِحُ أَنْهَارًا تَفِيضُ بِخَمْرِ المَوْتِ الذي لَا يَشْتَهِي خَمْرًا سِوَاه. مَنْ مِنْكُمْ يُنْبِئُهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَجْهًا لِتَنْقَضَّ عَلَيْهِ كَوَاسِرُ التَّجَاعِيدِ التي سَئِمَتْ مِنْ مَذَاقِ وُجُوهِنَا؟ مَنْ مِنْكُمْ يُنْبِئُهُ أَنَّهُ لَا يَمْلُكُ لِسَانًا لِيُقَرْزِمَ بِهِ أَشْطَارَ حَيَواتِنَا المَوْبُوءَةَ بِعِلَلٍ لَا تِرْيَاقَ لَهَا، فَمَا هِيَ إلَّا أَنِينٌ تَتَكَتَّمُهُ مِرْآتُهُ التي أَثْكَلَتْهَا نِصَالُ أَنْفَاسِهِ العَابِقَةِ بِنَكْهَةِ وُجُوهٍ جَهِيضَةٍ لَمْ تَكَدْ تَرَى النُّورَ حَتَّى ازْدَرَدَهَا عَدَمٌ قَرِمٌ فِي أَحْشَائِهِ تَسْتَحِيلُ حَشْرَجَاتُ الأَبْيَاتِ المُحْتَضَرَةِ مَلَاحِمَ والمَلَاحِمُ وَحْيًا يَعْجَزُ عَنِ الإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ كُلُّ إِلَهٍ قُدَّتْ عَيْنَاهُ مِنْ أَرَقٍ أَصَمَّ تَسْتَحْلِبُهُ سُدًى كَوَابِيسُ خُلُودِهِ، وَحْيًا اِتَّخَذَ لَهُ مِنَ الصَّمْتِ لُغَةً وَمِنَ الدُّودِ الأَكْمَهِ مَلَائِكَةً وَمِنَ القُبُورِ رُسُلًا لَا تَنْطِقُ أَفْوَاهُهُمُ المُنَزَّهَةُ عَنْ زَنَخِ لُعَابِ السِّنِينِ إلَّا بِآيَاتٍ مِنْ شَذَا الخَرَسِ المُبِينِ؟
بَصْقَتَانِ مُدْهَامَّتَانِ
1.
ما الجُرْحُ النَّاجِمُ عَنْ فِرَاقِ مَنْ لَمْ يَعِشْ مُدَّةً كَافِيَةً ليَتَجَرَّعَ مَرَارَةَ الحَيَاةِ إلَّا عَيْنٌ بِلَا شَفَتَيْنِ تُمَزِّقُ جَسَدَ النُّورِ بِأَنْيَابِ أَرَقِهَا وتَلُوكُ كَبِدَهُ بِكآبةٍ يُذْكِيهَا تَلَكُّؤُهَا كَأَنَّهَا تَقْضِمُ فِيهِ أَصَابِعَ الإلهِ -الذي بَعَجَتْ بَرَاثِنُهُ بَطْنَ العَدَمِ وَبَرَأَهَا بِيَدَيْنِ عَابِسَتَيْنِ أَبْشَعُ مَا فِي بَلْقَعِ بَرَاعَتِهِمَا البَلِيدَةِ بَرَاءَتُهُمَا مِنْ رِعْدَةِ النَّدَمِ- كَي تَبْصُقَهَا فِي وَجْهِ العَالَمِ طُوفَانًا مِنَ المَرَارَةِ المُدْلَهِمَّةِ: طُوفَانًا لَوْ سَقَطَ ظِلُّ قُطَيْرَةٍ مِنْهُ عَلَى بَسْمَةِ الجَنَّةِ لشَاخَتْ سِدْرَةُ مُنْتَهَاهَا وَلَعَقُمَتْ أَنْهَارُهَا وَلَاسْتَحَالَ مَاؤهَا مِلْحًا وَعَسَلُهَا عَلْقَمًا وَخَمْرُهَا خَلًّا وَلَبَنُهَا لَظًى لَازِبًا.
2.
يَوْمًا مَا سَتَكْتَشفُ البَشَرِيَّةُ أَنَّ بَعْضًا مِنْ أَشْنَعِ الجَرَائِمِ -وَرُبَّمَا مُعْظَمهَا أَوْ كُلّهَا- هِي مَحْضُ عَرَضٍ مَرَضِيٍّ أَشْبَهُ بِمَغَصٍ خَفِيٍّ يَعْتَلِجُ فِي أَحْشَاءِ خَلَايَانَا العَصَبِيَّةِ: إنَّ سُخْرِيَّةَ أَخْلَافِنَا مِنْ زُحَارِ إِدَانَتِنَا لِمَنْ يَرْتَكِبُونَ هذه الجَرَائِمَ الجَاهِمَةَ -وَمِنْ العُقُوبَاتِ العَسُوفِ التي تَسْلَحُهَا مَسَالِخُ مَحَاكِمِنَا على رُءُوسِهِمْ المُدْنَفَةِ بِاسْمِ عَدَالَةٍ جَائِرَةٍ لَيْسَتْ فِي جَوْهَرُهَا إلَّا جَهْلٌ عُضَالٌ يُخْفِي بِخُيَلَائِهِ خَوَاءَهُ ويُغَطِّي بِغُرُورِهِ غَبَاءَهُ- سَتَتَجَاوَزُ حَتْمًا سُخْرِيَّتَنَا الرَّاهِنَةَ مِنْ حَمَاقَةِ إِدَانَةِ أَسْلَافِنَا لِمَنْ يُكَابِدُونَ غَشْيَةَ الصَّرَعِ وَمِنْ وَصْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَطَايَا ذَلُولٌ لَا يَتَسَنَّمُهَا إلَّا الشَّيَاطِينُ.
مُعْجِزَةُ الدَّال
دالٌ فَاءٌ يَا أَجَلُّ الأسْمَاءِ، عِشْتُ مَيْتًا وَمُتُّ أَكْمَهًا والآنَ أُبْصِرُكِ فَتُبْصِرُنِي الحَيَاةُ وتَفْقَأُ بَسْمَتِي عَيْنُ الشَّقَاءِ ومِنْ جِيفَةِ ظُلْمَةِ ذَاتِي الزُّعَاقِ يَنْبَثِقُ شَهْدُ الضِيَاءِ: عَلَى بَرْدِيَّةِ بَشْرَتِكِ النُّورَانِيَّةِ تَرْقُمُ أَنَامِلَى الذَّاهِلَةُ حُرُوفَ لُغَةٍ لَا يَفُضُّ بَكَارَةَ رُمُوزِهَا الخَجْلَى إلَّا وَجِيفُ شَفَتَيْكِ الشَبِيهَتَيْنِ بِجَنَاحَيْ فَرَاشَةٍ جَذْلَى أَسْكَرَهَا نَبِيذُ ظَمَإِهَا إِلَى رَحِيقِ حَرِيقٍ مَا هُوَ إلَّا صَدًى شَاحِبٌ لِأَجِيجِ أَنْفَاسِي المُضَمَّخَةِ بِأَرِيجِ اسْمِكِ القُدُّوسِ، لُغَةٍ لَا يُحْيِي رَمِيمَ خَرَسِهِا إلَّا أَنْفَاسُكِ اللَّاهِثَةُ التي تَنْفُخُ فِي جُثَثِ أَحْلَامِي نَسْمَةَ الحَيَاةِ وَتَكْسُو عِظَامَ أَيَامِي لَحْمًا مِنَ المُوسِيقَى: تُوقِظُ الجَسَارَةَ فِي شَفَتَيّ الرَّاجِفَتَيْنِ وتُحَرِّضُهُمَا عَلَى أَنْ يَحْبُوَا فَوْقَ بَرَاعِمِ فِرْدَوْسِكِ لِيَطْمِسَا مَا خَطَّتْهُ أَنَامِلِي وَيَرْسُمَا حُرُوفَ لُغَةٍ جَدِيدَةٍ: تَلْتَقِمُ فِيهَا شَفَتَانِ مِنْ زَهْرِ الرَّمَادِ نَهْدَيْنِ مِنْ نَهْرِ اللَّهِيبِ وَيَخُرُّ فِيهَا إبليسُ سَاجِدًا أَمَامَ جَلَالِ جَمَالِكِ وَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ مِنْ خِشْيَةِ حَنَانِكِ بِدُمُوعٍ تَتَهَيَّبُ أَنْ يَخْمِشَ رَذَاذُهَا المَحْمُومُ بَتَلَاتِ فَخْذَيْكِ الوَضَّاءَيْنِ.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد