الكُومِيديَا السَّمَكِيَّة.. تأليف: فريدريك براون.. ترجمة: أنطونيوس نبيل

طبيب وشاعر وملحن.

d8a7d986d8b7d988d986d98ad988d8b3-d986d8a8d98ad984-d8b4d8a7d8b9d8b1-d988d985d984d8add986 الكُومِيديَا السَّمَكِيَّة.. تأليف: فريدريك براون.. ترجمة: أنطونيوس نبيل

فِي الهَزِيعِ الثَّانِي مِنْ إِحْدَى اللَّيَالِي، صَادَفَ روبرت پالمر حُورِيَّةَ البَحْرِ خَاصَّتَهُ، عَلَى شَاطِئِ المُحِيطِ فِي بُقْعةٍ مَا بَيْنَ كيب كود وميامي. كَانَ يُقِيمُ مَعَ أَصْدِقَائِهِ الَّذِينَ أَخْلَدُوا إِلَى النَّوْمِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ القَمْرَاءِ، لَكِنَّهُ وَقَدْ اكْتَحَلَتْ عَيْناهُ بِسُهَادٍ مُزْمِنٍ أَخَذَ يَتَجَوَّلُ عَلَى امْتِدَادِ الشَّاطِئِ المَغْمُورِ بِضَوْءِ البَدْرِ السَّاطِعِ. حَالَمَا اِجْتَازَ مُنْحًى فِي حَافَّةِ السَّاحِلِ، بَاغَتَتْ عَيْنَيْهِ الأَرِقَتَيْنِ حُوريَّةُ بَحْرٍ، كَانَتْ جَالِسَةً عَلَى جِذْعِ شَجَرَةٍ مَغْرُوسٍ فِي الرِّمَالِ تُمَشِّطُ شَعْرَهَا الأَثِيثِ الفَاحِمَ المُغْدَوْدِنَ.

كَانَ روبرتُ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ حُورِيَّاتَ البَحْرِ لَا وُجُودَ لَهُنَّ حَقًّا. لَكِنْ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا إِذَا كُنَّ مَوْجُودَاتٍ حَقًّا أَمْ لَا، هَا هِي ذِي حُورِيَّةُ بَحْرٍ تَتَجَلَّى لِعَيْنَيْهِ اليَقْظَاوَيْنِ، لَا مِرَاءَ فِي ذَلِكَ: دَنَا مِنْهَا، وَحِينَمَا لَمْ يَبْقَ بَينَهُمَا إلَّا خطواتٌ مَعْدُودَاتٌ طَفَقَ يَتَنَحْنَحُ بِصَوْتٍ عَالٍ كَي يُنْبِئَهَا بِوُجُودِهِ.

أَجْفَلَتِ رِعْدَةُ المُفَاجَأةِ بِشَعْرِهَا السَّبْطِ؛ فَانْحَسَرَ إِلَى الوَرَاءِ كَاشِفًا عَنْ وَجْهِهَا الوَضَّاءِ وَنَهْدَيْهَا الرَّيَّانَيْنِ، فَصُعِقَ وَقَدْ رَأَى فِيهَا مِنْ كَمَالِ الجَمَالِ مَا كَانَ يَظُنُّهُ طَوَالَ عُمْرِهِ ضَرْبًا مِنَ المُحَالِ.

تَفَرَّسَتْ فِيهِ بَدْءًا بِعَيْنَيْهَا الزَّرْقَاوَيْنِ المُتَّسَعَتَيْنِ ذُعْرًا، ثُمَّ سَأَلَتْهُ: “هَلْ أَنْتَ رَجُلٌ؟”

أَذْعَنَ روبرتُ لِإِشَارَتِهَا بِلَا لُحَيْظَةٍ مِنْ تَرَدُّدٍ. جَلَسَ بِجَانِبِهَا وظَلَّا يَتَجَاذَبَانِ أَطْرَافِ حَدِيثٍ يَكَادُ لَا يَنْقَطِعُ، فَمَا أَنِ انْقَضَتْ بُرْهَةٌ مِنَ الوَقْتِ حَتَّى طَوَّقَهَا بِذِرَاعُهُ، وَحِينَمَا أَنْبَأَتْهُ أَخِيرًا أَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ إِلَى العَوْدَةِ إِلَى البَحْرِ، قَبَّلَهَا مُتَمَنِّيًا لَهَا لَيْلَةً طَيِّبَةً، وَوَعَدَتْهُ باللِّقَاءِ مُجَدَّدًا فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ التَّالِي.

آبَ إلى بَيْتِ أَصْدِقَائِهِ ثَمِلًا بَخَمْرِ نَشْوَةٍ طَاغِيَةٍ؛ فَقَدْ أَتْرَعَ العِشْقُ كَأْسَ قَلْبِهِ فَرَحًا.

لَقَدِ الْتَقَى بِهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَتَالِياتٍ، وفِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ صَارَحَهَا بِمَا يُضْمِرُهُ فِي قَلْبِهِ مِنْ عِشْقٍ لَهَا، وكَاشَفَهَا بِرَغْبَتِهِ فِي الزَّوَاجِ مِنْهَا لَوْلَا أَنَّ عَقَبَةً كَأْدَاءَ حَائِلَةٌ بَيْنَهُمَا.

“روبرت، إنِّي أُحِبُّكَ أَيْضًا، ومَا يُؤَرِّقُ عَقْلَكَ مِنْ مُعْضِلَةٍ تَتَوَهَّمُهَا مُسْتَعْصِيَةً عَلَى الحَلِّ، لَهِيَ فِي وَاقِعِ الأَمْرِ قَابِلَةٌ للحَلِّ. سَأَسْتَدْعِي ترَيْتُونًا.”

“ترَيْتُون، أَظُنُّنِي عَارِفًا هَذِهِ الكَلِمَةَ، لَكِنِّي الآن لَا…”

“إنَّهُ عَفْرِيتُ بَحْرٍ، يَمْلُكُ قُوًى سِحْرِيَّةً سَتُمَكِّنُهُ مِنْ هَدْمِ الحَائِلِ الذي يَعُوقُ سَبِيلَ اقْتِرَانِنَا؛ حَتَّى يُتِمُّ بِنَفْسِهِ تَزْوِيجَنَا. هَل تُجِيدُ السِّبَاحَةَ؟ سَيَتَحَتَّمُ عَلَيْنَا السِّبَاحَةُ مَسَافَةً طَوِيلَةً حَتَّى نُقَابِلَهُ، فَالترَيْتُونَاتُ لَا تَدْنُو مِنَ الشَّاطِئِ أَبَدًا.”

طَمَأَنَهَا مُؤَكِّدًا لَهَا أَنَّهُ سَبَّاحٌ مَاهِرٌ، وَطَمَأَنَتْهُ بِوَعْدِهَا لَهُ بَأَنْ يَكُونَ الترَيْتُونُ حَاضِرًا فِي اللَّيْلةِ التَّالِيَةِ.

آبَ إلى بَيْتِ أَصْدِقَائِهِ وَنَفْسُهُ مُتْرَعَةٌ بِنَشْوَةٍ عَارِمَةٍ. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَا إِذَا كَانَ الترَيْتُونُ سَيُحَوِّلُ مَعْشُوقَتَهُ إِلَى امرَأَةٍ بَشَرِيَّةٍ أَمْ سَيُحَوِّلُهُ هُوَ إِلَى حُورِيّ بَحْرٍ، وَعَلَى الرُّغْمِ مِنْ هذا لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مُطْلَقًا، فَقَدْ كَانَ مُوَلَّهًا بِهَا حَدَّ الجُنُونِ: لَمْ يَكُنْ يَكْتَرِثُ للهَيْئَةِ التي سَيَصِيرَانِ عَلَيْهَا، مَا دَامَا سَيَصِيرَانِ نَظِيرَيْنِ وَقَادِرَيْنِ عَلَى الزَّوَاجِ.

كَانَتْ تَنْتَظِرُهُ فِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ، لَيْلَة زِفَافِهَا المَوْعُودِ. قَالَتْ لَهُ: “اِجْلِسْ بِجَانِبِي، فَحَالَمَا يَصِلُ الترَيْتُونُ سَيَنْفُخُ فِي بُوقِهِ المُكَوَّنِ مِنْ صَدَفَةِ مَحَارَةٍ.”

جَلَسَا مُلْتَصِقَيْنِ -ذِرَاعُهُ يُطَوِّقُهَا وَذِرَاعُهَا تُعَانِقُهُ- حَتَّى تَنَاهَى إِلَى مَسَامِعِهِمَا صَدًى خَافِتٌ لِنَفِيرِ بُوقٍ يَأْتِيهُمَا مِنْ غَوْرِ البَحْرِ. عَجَّلَ روبرتُ بِانْتِضَاءِ ثِيَابِهِ وَحَمَلَ حُورِيَّتَهُ إِلَى المَاءِ حَمْلًا لِشِدَّةِ مَا يَعْتَمِلُ فِي جَنَانِهِ مِنْ تَشَوُّفٍ وَتَشَوُّقٍ، وظَلَّا يَسْبَحَانِ حَتَّى وَصَلَا إِلَى الترَيْتُونِ أَخِيرًا. وَاصَلَ روبرتُ تَحْرِيكَ سَاقَيْهِ لِيَظَلَّ طَافِيًا عَلَى سَطْحِ المَاءِ، سَأَلَهُمَا الترَيْتُونُ قَائِلًا: “هَلْ تَرْغَبَانِ فِي الزَّوَاجِ؟” فَأَجَابَا مِنْ فَوْرِهِمَا بَحَمَاسٍ مَحْمُومٍ مَعًا: “نَعَمْ، نَرْغَبُ فِي هَذَا.”

قَالَ الترَيْتُونُ: “إِذًا، أُعْلِنُ أَنَّكُمَا زَوْجَانِ: حُورِيَّةُ بَحْرٍ وَحُورِيُّ بَحْرٍ قَدِ اقْتَرَنَا الآنَ بِعُرْوَةِ الزَّوَاجِ الْوُثْقَى التي لَا انْفِصَامَ لَهَا أَبَدَ الدَّهْرِ.”

لَمْ يَعُدْ روبرتُ يُكَابِدُ عَنَاءً مُنْهِكًا لِيَظَلَّ طَافِيًا عَلَى سَطْحِ المَاءِ؛ فَقَدْ تَسَنَّى لَهُ الطَّفْوُ بِيُسْرٍ وَسَلَاسَةٍ بِفَضْلِ حَرَكَاتٍ طَفِيفَاتٍ مِنْ ذَيْلِهِ المَتِينِ والرَّشِيقِ.

نَفَخَ الترَيْتُونُ فِي بُوقِهِ المُقْدُودِ مِنْ صَدَفَةِ مَحَارَةٍ نَفْخَةً صَاعِقَةً تَصُمُّ آذانَ كُلِّ مَنْ كَانَ مُتَاخِمًا لَهَا، ثُمَّ سَبَحَ مُبْتَعِدًا عَنْهُمَا.

سَبَحَ روبرتُ بِجِانِبِ زَوْجِهِ وعَانَقَهَا بِذِرَاعِيْهِ وَقَبَّلَهَا، لَكِنَّهُ أَحَسَّ بِشَيءٍ غَرِيبٍ يَشُوبُ قُبَلَتَهُ لَهَا وَيُنْذِرُهُ بِالبَلاءِ: كَانَتْ القُبَلةُ عَلَى عُذُوبَتِهَا تَفْتَقِرُ تَمَامًا إِلَى الإثَارَةِ الكَاسِحَةِ التي كَانَتْ تَسْرِي فِي جَسَدِهِ رَاجِفَةً مُوقِدَةً سَعِيرًا لَا يُخْمَدُ فِي أَيْرِهِ حِينَمَا كَانَ يُقَبِّلُهَا مِنْ قَبْلُ عَلَى الشَّاطِئِ. بَغْتَةً أَدْرَكَ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَمْلُكُ أَيْرًا. لَكِنْ كَيْفَ-؟

سَأَلَهَا: “لَكِنْ كَيْفَ-؟ أَقْصِدُ، يَا حَبِيبَتِي، كَيْفَ يُمْكِنُنَا أَنْ-؟”

قَاطَعَهَا رُوبرتُ بِنَبْرةٍ مُشَبَّعَةٍ بَقَلَقٍ وَاجِفٍ: “وَمَاذَا عَنْ دَوْرِي فِي التَّنَاسُلِ؟”

“إنَّ دَوْرَكُ يا حَبِيبِي -كَبَاقِي الأَسْمَاكِ- لَبَسِيطٌ غَايَةَ البَسَاطِةِ: يَقْتَصِرُ عَلَى أَنْ تَسْبَحَ فَوْقَ البَيْضَةَ وتَقُومَ بِإِخْصَابِهَا.”

طَفَقَ روبرتُ يَئِنُّ أَنِينًا أَلِيمًا، ثُمَّ قَرَّرَ بَغْتَةً أَنْ يُغْرِقَ نَفْسَهُ: انْتَزَعَ جَسَدَهُ مِنْ حِضْنِ عَرُوسِهِ وَظَلَّ يَغُوصُ نَحْوَ قَعْرِ البَحْرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الانْتِحَارِ غَرَقًا؛ فَقَدْ صَارَتْ لَدِيهِ خَيَاشِيمُ غَائِرَةٌ تَضِنُّ عَلَيْهِ بِرَحْمَةِ الغَرَقِ.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات