«إمارة باري الإسلامية» في ندوة صالون تفكير: تاريخ منسي يخرج من الظل بترجمة عربية
بقلم: نور البطاوي

القاهرة – نور البطاوي
نظّم صالون تفكير ندوة جديدة ضمن برنامج «حوارات تفكير مع محمد التداوي»، خُصّصت لمناقشة الترجمة العربية لكتاب «إمارة باري الإسلامية» للمؤرخ الإيطالي جوزيه موسكا، والصادر عن دار إيقاظ دراسات تاريخية بترجمة الدكتور إسلام فوزي. أدار الندوة محمد التداوي، بمشاركة مترجم الكتاب وعدد من المهتمين بالتاريخ والدراسات الإيطالية، عبر منصات الصالون على يوتيوب وفيسبوك.
افتُتحت الندوة بتقديم لمحمد التداوي عن أهمية الكتاب ومترجمه، مشيرًا إلى أن الدكتور إسلام فوزي من أبرز وجوه الترجمة عن الإيطالية، وتخرج في قسم اللغة الإيطالية، ثم واصل دراساته العليا في الأدب المقارن، وله إسهامات ترجمية عدة. وأوضح فوزي أن ارتباطه بموضوع إمارة باري بدأ أثناء مساعدته باحثًا ليبيًا في رسالة ماجستير عن الوجود الإسلامي في جنوب إيطاليا، ثم اكتشف أن المكتبة العربية تفتقد ترجمة متكاملة عن هذه الإمارة، رغم وجود كتاب «تاريخ مسلمي صقلية» لميكيلي عماري. وأشار إلى محاولة ترجمة قديمة قام بها طه فوزي في الستينيات، لكنها لم تُنشر ولم يُعثر على أثرها، ما زاد من أهمية تقديم هذا الكتاب للقارئ العربي.

وقال فوزي إن الكتاب يقع في نحو 300 صفحة بالعربية مقابل نحو 200 صفحة في الأصل الإيطالي، ويضم مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، إضافة إلى ثلاثة ملاحق مهمة: تاريخ احتلال السراسنة لباري، والأخبار التاريخية الزائفة للقس غريغوري، والتسلسل الزمني للأحداث. وأكد أن ترجمة الهوامش كانت ضرورة علمية، لأن بعض الهوامش تتجاوز حجم المتن نفسه، ولأن المؤلف يعتمد على نصوص لاتينية قديمة ولغات محلية متعددة. وأضاف أنه اختار مع دار النشر وضع الهوامش في نهاية كل فصل لتسهيل القراءة، مع الحفاظ على دقة التوثيق.
من المرتزقة إلى الفاتحين
عرضت الندوة الخط العام للكتاب، الذي يبدأ من دخول المسلمين إلى جنوب إيطاليا كمرتزقة في صراعات الأمراء المحليين، ثم تحولهم إلى قوة فاتحة ومستقرة. وتناول الفصل الأول «المسلمون من مرتزقة إلى فاتحين» استدعاء نابولي للمسلمين في صراعها مع إمارة بنيفينتو، ثم بروز إمارة باري ككيان سياسي مستقل. وشرح فوزي أن خلفون كان أول أمراء باري، لكنه فرض سلطته بالقوة ولم يحظ باعتراف واضح من الجانبين الإسلامي والغربي، ثم جاء مفرج لفترة قصيرة، قبل أن تنتقل الإمارة إلى مرحلة سودان، وهي المرحلة الأهم والأطول نسبيًا، والتي شهدت توسعًا واستقرارًا واعترافًا من الخلافة العباسية.
وتطرقت الندوة إلى علاقة إمارة باري بالخلافة العباسية، فرأى فوزي أن الاعتراف العباسي بسودان كان معنويًا وسياسيًا أكثر منه ماديًا أو عسكريًا، وأن الخلافة كانت ترحب بمن يدخل تحت مظلتها اسميًا دون أن تقدم دعمًا فعليًا. وأشار إلى أن الأغالبة في صقلية لم يقدموا عونًا حقيقيًا لإمارة باري، وأن محاولة «سمسم/جين شيمو» لفك الحصار عنها فشلت. كما توقف عند حصار باري وسقوطها بعد نحو خمس سنوات، حيث تحالفت القوى البيزنطية والغربية والكنيسة لإنهاء الوجود الإسلامي في الجنوب الإيطالي.
وفي مداخلات الجمهور، سأل الحضور عن أثر الاعتراف العباسي في التوازنات الإقليمية، وعن علاقة الإمارة بالبابا والكنيسة، ووضع المسيحيين واليهود داخل باري. وأوضح فوزي أن موسكا خصص فصلًا لعلاقة الإمارة باليهود، مشيرًا إلى أن اليهود كانوا من أكثر الجماعات تأقلمًا مع التحولات السياسية، وأن علاقتهم بالمسلمين عرفت تقاربًا في بعض التشريعات والمعاملات التجارية. أما عن الكنيسة، فبيّن أن سودان في المناطق التي سيطر عليها كان يفرض رسومًا ويأخذ السلطة المالية، بدلًا من أن يدفع للكنيسة، ما يعكس موازين القوة الجديدة.
باري ليست بولونيا… وإيطاليا لم تكن موحدة
ومن الأسئلة التي أثارها الحضور، سؤال عن موقع باري، فأوضح فوزي أنها تقع في إقليم بوليا جنوب شرق إيطاليا، وهي ليست بولونيا، وأن موقعها كميناء ومدخل لجنوب أوروبا منحها أهمية استراتيجية. كما شدد على أن إيطاليا في القرن التاسع الميلادي لم تكن دولة موحدة، بل كانت دويلات وإمارات متنازعة، ولم تتوحد إلا عام 1861. وبخصوص دوافع المسلمين، أكد أن البداية كانت عسكرية واقتصادية وتجارية، ولم تكن بدافع ديني بحت أو نشر للدين، وأن الاستعانة بهم جاءت في سياق صراعات الأمراء الإيطاليين.
وفيما يتعلق بالأثر الثقافي، رأى فوزي أن إمارة باري تركت أثرًا عسكريًا واقتصاديًا واضحًا، لكن أثرها الفكري والأدبي كان محدودًا مقارنة بصقلية، التي شهدت حضورًا عربيًا إسلاميًا أطول وأعمق، وارتبطت بشعراء ومفكرين وعلماء مثل ابن حمديس والإدريسي. وأشار إلى بقايا لغوية عربية في لهجات جنوب إيطاليا، وإلى أن بعض الألقاب والكلمات المحلية ما زالت تحمل أثرًا عربيًا.
الاستشراق الإيطالي… ملف لم يأخذ حقه
في المحور الأخير، طُرح سؤال عن الاستشراق الإيطالي وعلاقته بالاستعمار، فأجاب فوزي بأن الاستشراق الإيطالي لم يأخذ حقه في الدراسة العربية، وأن له خصوصيات تستدعي حلقات منفصلة، خاصة مع أسماء مثل فرانشيسكو غابرييلي ونالينو وليوني كايتاني، صاحب «تاريخ الإسلام» في ستة مجلدات وأكثر من 21 ألف صفحة، والذي لم يُترجم ولم يلقَ دراسة نقدية عربية كافية. كما تطرقت المداخلات إلى علاقة مصر بالثقافة الإيطالية، وإلى تأثير الاستشراق الإيطالي في تكوين طه حسين وأمين الخولي، وإلى الصلات الثقافية والتجارية بين مصر وإيطاليا.
واختُتمت الندوة بدعوة الجمهور إلى قراءة الكتاب وشرائه، لما يقدمه من مادة موثقة تعالج تاريخًا مهمًا ظل مجهولًا في المكتبة العربية. كما أعلن المنظمون عن الجلسة التالية من «حوارات تفكير» مع إبراهيم عادل، لمناقشة رواية «مدينة الذباب» للأديب أحمد عبد المنعم، في الثامنة مساء بتوقيت القاهرة.
للاستماع لتسجيل صوتي للحوار على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة تسجيل فيديو للحوار اضغط على اللينك التالي:
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد