ثورة 36 ونقد كنفاني الذي لا يموت.. “حوارات تفكير” تفتح ملفات التاريخ والسياسة مع حازم جمجوم
بقلم: نور البطاوي

في انطلاقة جديدة لموسم خريف 2026 من ندوات “صالون تفكير”، شَهدت الأمسية الأولى من برنامج “حوارات تفكير مع نهلة هنّو” نقاشًا فكريًا وسياسيًا رفيع المستوى، دار حول قراءة استثنائية لإرث الشهيد والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني، استنادًا إلى كتاباته التاريخية والنقدية.
افتُتحت الندوة بكلمة ترحيبية من جمال عمر مؤسس صالون تفكير، أعلن فيها عن حزمة من الأنشطة الجديدة للصالون، من بينها إطلاق “نادي أدب تفكير” ودورة أكاديمية جديدة عن تاريخ القرآن، مشيدًا بجهود فريق العمل ومصممة البوستر إيمان رفاعي. لتنتقل الكلمة بعدها إلى الإعلامية نهلة هنّو، التي أدارت الحوار مع الضيف الاستثنائي: الباحث والأكاديمي الفلسطيني حازم جمجوم، مؤسس “دار السفرجل للنشر” ومترجم دراسة كنفاني الشهيرة عن ثورة 1936 إلى اللغة الإنجليزية.
غسان كنفاني.. ما بعد الأدب والرواية
استهلت نهلة هنّو الجلسة بالإشارة إلى أن وعي معظم القراء بغسان كنفاني ينحصر غالبًا في منتجه الروائي والأدبي الفذ مثل “رجال في الشمس” و*”عائد إلى حيفا”*. إلا أن ضيف الندوة، حازم جمجوم، أخذ الحضور إلى مساحات أعمق وأكثر ثراءً في سيرة كنفاني؛ مساحات المحرر الصحفي الشرس، والمحلل السياسي الطبقي، والناقد الثقافي اللامع.
أوضح جمجوم أن كنفاني، الذي نجا وعيه الطفولي من أهوال نكبة 1948 وانتقل لاجئًا بين لبنان وسوريا، استطاع بجهد شخصي أن يصقل لغته العربية ويتحول إلى أحد أهم المحررين الصحفيين في تاريخ الصحافة العربية. فقد أدار مجلات مفصلية مثل “الرأي” و*”الهدف”*، وكتب تحت أكثر من 12 اسمًا مستعارًا – كان أشهرها “فارس فارس” للشرط والنقد الأدبي اللاذع.
ولم يقف إرث كنفاني عند الصحافة، بل امتد ليتوج بمؤلفات تأسيسية في دراسات الثقافة (Cultural Studies) وأدب المقاومة؛ حيث كان له الفضل الأول في تعريف العالم العربي بشعراء الداخل الفلسطيني كـ محمود درويش وسميح القاسم. كما قدم تحليلًا بليغًا للثقافة الصهيونية ونقدًا تفكيكيًا لمنظومة الجوائز والأفلام العالمية (مثل فيلم Exodus) التي سعت لشرعنة المقولات الصهيونية على حساب الحق الفلسطيني.
تفكيك ثورة 1936-1939 و”المثلث المعادي”
توقف الحوار مطولًا عند كتاب كنفاني التاريخي والتحليلي “ثورة 1936 – 1939 في فلسطين”، والذي صَدَرت ترجمته الإنجليزية لجمجوم في يوليو 2023. كشف جمجوم أن كنفاني كتب هذه الدراسة عام 1971 في أعقاب أيلول الأسود وهزيمة الفصائل المسلحة في الأردن، لم تكن بغرض التوثيق الأكاديمي المجرد، بل كأنها محاولة لتفسير هزيمة الحاضر عبر العودة إلى جذور المعضلة في الثلاثينيات.
صدم كنفاني قارئه منذ الجملة الأولى في الكتاب بتحديد ما أسماه “المثلث المعادي” الذي ضرب الحركة الثورية الفلسطينية:
- القيادات الرجعية المحلية (الإقطاع الديني والسياسي).
- الأنظمة العربية الرجعية المحيطة.
- الحلف الامبريالي الصهيوني.
وقدّم جمجوم تشريحًا لمنهجية كنفاني الطبقية؛ حيث درس واقع الفلاحين الذين تعرضوا لاعتداءات الإنتداب البريطاني ومصادرة الأراضي عبر ثغرات القوانين العثمانية والتواطؤ مع كبار الملاكين في بيروت ودمشق (مثل عائلة سرصق). كما استعرض وضع الطبقة العاملة الفلسطينية المعزولة بفعل سياسات الانتداب ونقابة “الهستدروت” الصهيونية.
وفي عقد مقارنة بين الرموز، أشار جمجوم إلى كيف وضع كنفاني عز الدين القسام كرمز للحراك الشعبي والثورية الشعبية الأممية، في مقابل الحاج أمين الحسيني الذي جسد الإقطاع الديني الرجعي والقيادة التقليدية التي هادنت المستعمر.
ثقافة النقد ومداخلات الحضور
أكد جمجوم أن أهم ما نفقده اليوم هو “ثقافة النقد والمراجعة السياسية” التي كان يمارسها كنفاني؛ إذ كان يرى أن التحرير الحقيقي ليس مجرد تحرير للتراب أو صخرة الأرض، بل هو تحرير للإنسان والمجتمع وتصفية لكافة أشكال الاستبداد والتميز الطبقي.
وقد شهدت الندوة مداخلات ثرية من الحضور تناولت عدة محاور:
- د. محمد عيسى: تساءل عن طبيعة العلاقة بين اليسار الفلسطيني والشيوعيين الإسرائيليين ورؤية الجبهة الشعبية للحل الديمقراطي والدولة الواحدة.
- أشرف: استفسر عن تقييم كنفاني للـ “الكتاب الأبيض” لعام 1939 وموقفه من القيادات التقليدية.
- د. قاسم المحبشي: تطرق إلى طبيعة العنف في ثورة 36، ومدى إمكانية تطبيق التحليل الطبقي الماركسي على المجتمعات العربية ذات التركيب العشائري.
- الكاتب السفير محمد توفيق: استعاد زخم الحركة الطلابية المصرية في السبعينيات بجامعة القاهرة، متسائلًا عن مآلات اليسار الفلسطيني وكيفية صياغة سردية فلسطينية جامعة في مواجهة الفاشية العالمية واليمين الصهيوني.
- إيهاب لطيف: طرح سؤالًا محوريًا حول كيفية كسر تابوهات “التخوين” عند ممارسة النقد السياسي الموضوعي في الفكر العربي المعاصر.
وعقّب جمجوم مؤكدًا أن اليسار الفلسطيني بحاجة ماسة اليوم لإعادة بناء طروحاته الفكرية بعيدًا عن الشعارات المفرغة، وفهم آليات الرأسمالية والنيوليبرالية والفاشيات الحديثة من منظور أممي تتجاوز أدواته جغرافية المكان.
ختام الأمسية
اختتمت نهلة هنّو وجمال عمر الندوة بتوجيه الشكر لضيف الأمسية وللحضور، مع الإعلان عن الندوات القادمة للصالون، والتي تشمل مناقشة رواية “موعد مع كلوني” للأديب محمد توفيق، وندوة حول اليمن والحوثيين يقدمها أمين اليافعي.
لقد أثبتت هذه الندوة أن إعادة قراءة كنفاني اليوم ليست مجرد حنين للماضي، بل هي ضرورة فكرية لمفكري الحاضر وباني سردية مستقبلية أكثر صلابة ونقدًا.
للاستماع لتسجيل صوتي للحوار على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للحوار اضغط على اللينك التالي
لمشاهدة حلقات برنامج “حوارات تفكير مع نهلة هنّو” اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد