أحمد عبد المنعم رمضان: الكتابة أقرب إلى الحلم من الواقع… والجوائز تفسد بعض الكتابات «حوارات تفكير» مع إبراهيم عادل
بقلم: نور البطاوي

القاهرة – نور البطاوي
استضاف برنامج «حوارات تفكير مع إبراهيم عادل» تحت مظلة صالون تفكير وأكاديمية تفكير، الأديب والطبيب أحمد عبد المنعم رمضان، في حلقة مطولة بثت مساء الإثنين 19 أكتوبر، وتناولت مسيرته الإبداعية من القصة القصيرة إلى الرواية، وعلاقة الأدب بالسياسة والمجتمع والسينما، ورؤيته للمشهد الأدبي العربي والجوائز الأدبية.
بقلم: نور البطاوي

وأدار اللقاء الناقد إبراهيم عادل، الذي افتتحه بالقول إنه سعيد بهذه الفرصة التي أتاحها له أصدقاء صالون تفكير لمحاورة عدد من الكتاب والمبدعين الشباب، مضيفاً: «سعيد أنني معي اليوم الصديق والكاتب والطبيب دكتور أحمد عبد المنعم رمضان». من جانبه، أعرب ضيف الحلقة عن سعادته بالوجود في الصالون، موجهاً الشكر للقائمين عليه.
من «حجرتي» إلى «رائحة مولانا»
بدأ الحوار من البدايات، حيث كشف أحمد عبد المنعم رمضان، ابن الشاعر عبد المنعم رمضان، أنه بدأ الكتابة في أواخر سنوات الجامعة، معتبراً أن البداية كانت «متأخرة نسبياً» قياساً إلى خلفيته العائلية. وقال إنه كطفل كان يبحث عن نموذج مختلف ومغاير، وإن «الموضوع كان بيتسرب إليه تدريجياً» في بيت كل جدرانه كتب.
وأضاف: «ما أقدرش أقول سبب واضح، وأنا عندي تصور إن ما حدش بيبقى عارف لما بيبتدي يكتب هو بيكتب ليه، الموضوع بيمشي بشكل تلقائي». وأشار إلى أنه كتب في البداية لنفسه، معتبراً محاولاته الأولى «طفولية»، قبل أن يتجرأ على عرض نصوصه على الآخرين ويلقى ردود فعل مشجعة.
وذكر أن أول أعماله كانت قصة قصيرة بعنوان «حجرتي»، تحدث فيها بشكل ذاتي وشخصي عن عالمه الضيق، مع قدر من الفنتازيا والخيال. وعن روافد تكوينه، أشار إلى تأثره بساراماجو وألبير كامو، مؤكداً أن الروافد كانت متعددة: قصص الطفولة، والدين، والسينما، والقراءات، إضافة إلى عادة طفولية في سحب كتب من مكتبة المنزل أثناء المذاكرة وقراءة صفحات عشوائية منها «من باب الزهق».
القاص والروائي… أدوات مختلفة
توقف اللقاء عند الانتقال من القصة القصيرة إلى الرواية، حيث أكد ضيف الحلقة أنه «ليس من الناس الذين عندما يكتب قصة يقول أنا أكتب قصة لذلك أكتب رواية»، بل يرى القصة «مشروعاً فنياً متكاملاً». وشرح أن هناك فرقاً في الأدوات بين القاص والروائي: «الروائي شخص أكثر انتظاماً ودؤوباً، وعنده خطة بيمشي عليها بمواعيد، لكن القص أقرب شوية ما بين الشعر والرواية، بينتظر الإلهام أو الفكرة اللي حتجيله بشكل مفاجئ».
وأشار إلى أن «رائحة مولانا» كانت مكتوبة قبل الثورة ونشرت بعدها مباشرة، وأنها تعد أكثر أعماله اقتراباً من السياسة، كونها كتبت في فترة «فيها حراك جامد وأفكار كتير وآمال وطموحات ضخمة». أما «رسائل سبتمبر»، فقال إنها «ليست رواية سياسية خالص»، وإن كان فيها هامش فنتازي، وموضوعها مختلف عن الموت والحياة.

وكشف عن تعليق تلقاه من الدكتور شاكر عبد الحميد، رحمه الله، على «رائحة مولانا»، إذ رأى أنها لجأت إلى التجريد الكامل «بلا زمن وبلا مكان» عشان تقول الفكرة، وأن هذا ليس أفضل شيء في الكتاب. وقال إنه أدرك لاحقاً أن في هذا الرأي «قدراً من الصواب»، وأن البنى الروائية والشخصيات قد تكون الأهم، والأفكار «بشكل تلقائي طريقها من خلال الحكاية».
الفن والمجتمع… جدال لا توجيه
وفي محور علاقة الفن بالمجتمع، رفض أحمد عبد المنعم فكرة أن يوجه الفن المجتمع، معتبراً أن ذلك «حتماً سيضر الفن»، لأن الفنان سيضطر إلى النزول بلغته الفنية لمخاطبة أكبر قدر من الناس. وقال: «الرواية مش مهمتها إن هي تقول إجابات ولا إن هي توجه، على قد ما هي الأفضل إن هي تطرح أسئلة وتترك القارئ في الآخر وهو بيفكر في الفكرة اللي أنت طرحتها عليه، ويوصل هو للإجابة».
وأضاف أن وظيفة الأدب «أكتر إن هو يفتح أسئلة ويخلي الناس تفكر أكتر وتنظر أكثر للأمور»، مؤكداً أنه لا يقدم إجابات، وأن هدفه أن يشاركه القارئ التفكير في الأسئلة والتصورات والهموم التي تشغله.
طفل وحيد… وسينما في الخامسة
تطرق الحوار إلى علاقة ضيف الحلقة بالسينما، حيث قال إنه كان طفلاً وحيداً، وكان التلفزيون والأفلام «تسليته الأساسية» في فترات الإجازة، وإنه دخل السينما «كمبنى» وهو في الخامسة أو السادسة من عمره. وأضاف أنه في سنوات الثانوي، دفعته «غيرة» من زملائه الذين يعرفون ممثلين أجانب إلى التوسع في المشاهدة، وأنه ظل يحمل أمل أن يعمل مخرجاً بعد التخرج، قبل أن «يأخذه الأدب» من هذا الطريق.
ورأى أن تحويل الأعمال الأدبية إلى أفلام لم يعد كما كان في زمن إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ونجيب محفوظ، لأن السينما الآن «صناعة مكلفة جداً»، والمنتج الخاص «بيبحث عن المكسب»، فلا يخوض مغامرة رواية تجريبية. وأشاد بتجربة «عمارة يعقوبيان» كآخر ما استحسنه في هذا السياق.
الديستوبيا… والواقع الأكثر خيالاً
وحول سر «غرامه بالديستوبيا» في «رسائل سبتمبر» و«مدينة الذباب»، أوضح أحمد عبد المنعم أن ما يكتبه «مفردات من الواقع»، مع بعض المبالغة، مستشهداً بـ«مقلب زبالة في الزمالك» وصفه في أول الرواية، مؤكداً أنه «مش شايف إن هي ديستوبيا بالمعنى الحرفي، هو الواقع». وأضاف: «أنا مش بحاول أقول إن الواقع أسود، لكن في حاجات في الواقع فعلاً سوداوية، وأنا بحاول أكشفها».
وذهب إلى أن «الخيال والفنتازيا وسيلة إزاي أناقش الواقع بدون ما كون مباشر وصريح»، مشيراً إلى أن الخيال «مش غاية في حد ذاته، هو جزء من تكوين كبير يضم برضه جزء من الواقع». ولفت إلى مفارقة أن الواقع أحياناً «بيبقى أكثر خيالاً من اللي احنا بنكتبه»، وأن كتاباتنا كعرب لو ترجمت للغرب «حتبقى مدهشة لأن واقعنا نفسه مدهش».
إعادة نشر «أحلام الدوبلير»
كشف ضيف الحلقة عن نيته إعادة نشر مجموعته «أحلام الدوبلير» بصور جديدة، مع تعديل بعض القصص وإضافة أخرى، مؤكداً أنه يرى فيها «أجواء حلم فعلاً أو كابوس»، وأنها «جزء أساسي في كتابته الأقرب إلى الحلم أو الكابوس». وقال: «الحلم هو أشياء حقيقية تتصرف بغرابة»، مضيفاً أنه يحب هذه المجموعة لأنها «بتبروز الفكرة دي».
وخلال اللقاء، قرأ إبراهيم عادل مقطعاً من قصة «مواجهة شون كونري» في المجموعة، تضمن صوراً متتالية لشخصيات مثل عادل أدهم وتشارلي شابلن وشون كونري، وعلق ضيف الحلقة قائلاً إنه «بس حبيت أعمل سبوت على فكرة الحلم».
المشهد الأدبي والجوائز
وفي رؤيته للمشهد الأدبي العربي، تحدث أحمد عبد المنعم عن «حالة السيولة» التي تجعل القارئ «يتوه ما بين الأعمال»، وإن كانت لها ميزة هي كثرة الكتب والروايات. أما عن الجوائز، فاعتبر أنها قد «تفسد بعض الكتابات»، لأن بعض الكتاب يضعون الجائزة نصب أعينهم، خصوصاً أن الكتابة في مصر «مش مجزية مادياً» لمن يتفرغ لها. واستدرك: «مش كل الناس تعمل كده، لكن في ناس بتروح في هذا الطريق».
وشدد على أنه لا يقبل أن يكسب جائزة باسم شخص «مخالف لأفكاري تماماً»، معتبراً أن الفوز بجائزة إدوارد الخراط أو جائزة أخبار الأدب «حاجة تشرفني». ورداً على سؤال عن إمكان كتابة «رواية بكعب ضخم»، قال إنه لا يخطط لذلك، وإنه «بياخد وقت طويل في انتقاء الألفاظ والجمل»، وإن النوفيلا الصغيرة تستغرق منه سنين.
مداخلات الحضور
شهد اللقاء مداخلات من عدد من الحضور، بينهم عمرو السيد، كاتب القصة القصيرة ومقدم بودكاست «مدهش»، الذي سأل عن علاقة الفرد بالسلطة كمشروع أدبي، وعن رأي ضيف الحلقة في الناشرين بعد عشر سنوات من تصريح سابق بأنهم «ما بيحبوش التجريب»، وعن كونه قاصاً يكتب رواية أم روائياً يكتب قصة. فرد أحمد عبد المنعم بأن الناشرين «بقوا كتير» ما أتاح «مساحة للتنوع»، لكنهم «لسه بترفض القصة القصيرة ودواوين الشعر»، وأنه لا يحب أن يصنف نفسه، و«يسيب للقارئ» الحكم.
كما تحدث جمال عمر، مؤسس صالون تفكير، عن جهود إبراهيم عادل في تغطية الواقع الثقافي وتقديم أصوات جديدة، وسأل عن «تشكيل العالم» في الكتابة، وعن أثر النشأة في ظل الإنترنت والعوالم الافتراضية على الخيال. وأجاب ضيف الحلقة بأن الخيال وسيلته لقول الواقع «بشكل غير مباشر».
وسأل أحمد خفاجي عن «طقوس الكتابة» واختيار العناوين والغلاف والقراءات التراثية، فرد أحمد عبد المنعم بأنه لا يملك «طقساً واضحاً»، وأنه «قارئ جيد للأدب العربي أكثر من التراث»، وأنه يحب محمد المخزنجي وإبراهيم عبد المجيد وأحمد عبد اللطيف ومحمد الفخراني. كما تحدث عن كتابه عن أنور وجدي، موضحاً أنه بدأ كمقال ثم تضخم لغياب المصادر، وأنه أراد أن يعرض «وجهة نظر مختلفة» عن شخصية رأى أنها «مظلومة» في علاقتها بليلى مراد.
كلمة وكلمتان
واختتم إبراهيم عادل الحلقة بفقرة سريعة طلب فيها من ضيفه أن يقول كلمة أو كلمتين عن شخصيات أدبية وسياسية. فقال أحمد عبد المنعم إن صلاح عبد الصبور «قامة أدبية كبيرة» نشأ في بيت يوقرها، وإن أحمد الخميسي «كاتب كبير ومهم»، وإن سيد مكاوي «فنان جميل»، وإنه سمع عن ميرنا الهلباوي لكنه لم يقرأ لها. وعن حمدين صباحي، أشار إلى أنه كان قد شارك منشوراً له، وأجاب عن أحمد فؤاد نجم بأنه «بيحبه جداً» وحضر ندواته في الجامعة. وعن إبراهيم نصرالله، قال إن الأدب الفلسطيني «بيتماس معايا أكتر من غيره نتيجة القضية»، وإنه يقدم «لغة أدبية مميزة». وعن ثورة يناير، قال إنها «اللحظة المفصلية والأهم في حياتي وفي حياة أغلب جيلي، واللحظة الأنقى والأفضل».
وذكر أن آخر ما قرأه كان مجموعة «طيور مارك» لأحمد عبد اللطيف، وأن قراءته القادمة هي «الموت يضحك» لمحمد المخزنجي. وعن خططه المقبلة، أشار إلى إعادة نشر «أحلام الدوبلير» بشكل مختلف، وإلى عمل جديد يصفه بأنه «رواية بتتكون من أربع قصص طوال»، وإن كان يفضل وصفها بـ«متتالية قصصية».
وفي ختام اللقاء، وجه أحمد عبد المنعم الشكر لإبراهيم عادل وجمال عمر والحضور، وقال: «سعيد جداً بتواجدي معاكم النهارده». وأعلن جمال عمر عن استمرار «ندوات الخريف»، مشيراً إلى لقاء حول «الأهرام: دفتر أحوال العالم العربي» بمناسبة مرور قرن ونصف على صدور الجريدة، يقدمه شهدي عطية ويديره أحمد خفاجي، وإلى لقاء مع الدكتور وليد الخشاب حول مسرحية «الكرمة الزابلة» للكاتبة مي طرطوسي.
للاستماع إلى تسجيل صوتي للحوار على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للحوار اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد