حوار مع جمال عمر عن كتابه تاريخ المصحف الحالي… الحلقة الأولى

d8a5d98ad985d8a7d986-d8b1d981d8a7d8b9d98a حوار مع جمال عمر عن كتابه تاريخ المصحف الحالي... الحلقة الأولى

تبدأ سماء الحوار بسؤالها لجمال عن بداية المشروع، فتقول:

«أظن أن هذه المادة، من حيث المحتوى، يعمل عليها الأستاذ جمال منذ زمن، وظلت سنوات لتختمر. وكان ذلك واضحًا بالنسبة إليّ في الفيديوهات، كما كان واضحًا في المادة وفي الشرائح أيضًا؛ فكل شريحة تشير إلى نقطة مفصلية ومهمة جدًا، رغم أننا قد نتحدث عن شريحة لا تتجاوز أربع صفحات، مثلًا، لكنها تشير في كل مرة إلى مسألة مهمة. لذلك أريد أن أسمع من الأستاذ جمال عن اللحظة التي بدأ فيها يجمع المادة ويقول: سأكتب مقدمة في تاريخ المصحف الحالي.»

فيرد جمال قائلاً:

«هناك أكثر من نقطة قبل الإجابة عن السؤال. أولًا، أود أن أثني على كلام الدكتورة زينب التوجاني والدكتور وليد الخشاب والدكتور أكمل صفوت، الذين أشاروا إلى أن الجهد في كتاب “تاريخ المصحف الحالي” هو جهد سماء. 

نحن هنا أمام عملية انتقال من الخطاب إلى النص، ومن الشفاهي إلى المكتوب. إذًا أنتم تقرأون في كتاب تاريخ المصحف صوت جمال عمر برواية سماء وسندها. فنحن، بهذا المعنى، في قلب الممارسة التراثية للنقل بالسند، ولكن بأدوات حديثة.

غلاف-كتاب-تاريخ-المصحف-الحالي-تصميم-سماء-معاوية--724x1024 حوار مع جمال عمر عن كتابه تاريخ المصحف الحالي... الحلقة الأولى

فعلى الرغم من أن المادة الأصلية عبارة عن تسجيلات فيديو موجودة، فإن النص المكتوب يظل نتاج اختيارات قامت بها سماء. وهذا تحدٍّ كبير: عندما تكتبين نصًا عن هذه الفيديوهات، هل تكتبينه بالعامية أم بالفصحى؟ فأنا كنت أتحدث بالعامية في الفيديو لأحاول أقترب من الناس. إذًا سماء موجودة في كل كلمة تغيرها. 

النقطة الثانية: سماء تحاول أن تتوارى خلف العمل، وكان بيننا صراع طويل في هذا الشأن. وأنا أحب دائمًا أن أشدها من يدها، ولذلك قلت لها: لابد أن تكتبي “إعداد وتصميم”؛ لأن هذا جهدك، ليس فقط ردًّا للفضل إلى أهله، وإنما أيضًا لإثبات مسؤوليتك عن العمل. فهي التي تقوم بهذا الجهد، ولا ينبغي أن يُنسب العمل كله إلى جمال عمر.

أما إجابة سؤالك عن البداية، فقد حاولت أن أبدأ هذا المشروع في عام 2021. لأن عام 2024 كان سيوافق مئوية إصدار المصحف. فكنت أعمل عليه قبلها بثلاث سنوات. دعوة إلى الاهتمام بنسخة المصحف الحالية والدراسات المتعلقة بها. 

وقد حدث بالفعل أن أقام معهد الآباء الدومينيكان مؤتمرًا عن المصحف عام 2022. وكانت المحاضرات التي قدمت فيه قد جمعت لاحقًا في كتاب صدر عن المؤتمر. وقد حضرت المؤتمر بصفتي مشاهدًا، لا محاضرًا. وكان هذا جزءًا من الموضوع. وكنت أتمنى أن يهتم الأزهر بالموضوع، وكنت أتمنى أن تهتم جامعة القاهرة به، وكنت أتمنى أن توليه مؤسسات أخرى اهتمامًا أكبر. 

وها نحن، بفضل إصرار سماء، نحاول تحويل هذه المادة إلى نص مكتوب.

كتبت قبل ذلك نصًّا أو نصّين، نُشر أحدهما في مجلة ميرت مع الأستاذ سمير درويش، لأنني أرى أن الموضوع مهم. لكن الأهم هو المدخل؛ لأننا عندما نتحدث عادة عن تاريخ المصحف، نبدأ من القديم: من الوحي، ومن المدونين الذين كانوا يدونون وراء النبي عليه الصلاة والسلام، ثم جمع الخليفة أبي بكر الصديق، ثم نسخ المصاحف التي قام بها الخليفة عثمان بن عفان، وهكذا. 

أما نحن فنبدأ من المصحف الحالي المنتشر. وكما أشار الدكتور وليد، فإن مصحف مجمع الملك فهد الذي بدأ إصداره عام 1984، دخل الآن في قرابة أربعين سنة من الطباعة، وقد طبع منه ما يزيد على  ثلاثمئة وخمسين مليون نسخة، ووزعت مجانا على الحجيج في موسم الحج. فأصبح هذا هو المصحف الحالي المنتشر على مستوى العالم. 

ونحن نشهد في هذا العصر عملية التحجيم والاختيار التي تسود. فهذا المصحف هو الذي ينتشر الآن، لأن الأموال الموجودة في السعودية تؤثر في نوع المصحف الذي يطبع وينتشر. ولو كانت هذه الأموال موجودة في المغرب مثلًا، لربما كان المصحف الذي يطبع برواية ورش عن نافع أو قالون عن نافع. 

إذن، سيادة قراءة ما أو رواية معينة تقف وراءها خلفيات سياسية واجتماعية واقتصادية، وليست مجرد مسألة علمية محضة. والمصحف الموجود حاليًا بين أيدينا هو نتيجة اختيار من بين عوامل وسياقات تاريخية متعددة. وهذا الكتيب يحاول أن يشير إلى ذلك. 

أما عن مسألة جمع المادة، فلا أعرف يا سماء هل تريدين مني أن أواصل الحديث قليلًا عن الموضوع أم ستتداخلين بالأسئلة؟»

فتعود سماء للسؤال عن اللحظة التي بدأ فيها جمع المادة، فتقول: 

«في البداية أريد أن أعرف اللحظة نفسها. أظن أن المادة كانت تتجمع مع الوقت، وكأن هناك ملاحظات تتكون أثناء البحث. أنت، مثلا، أشرت في البداية إلى أنك ما زلت تتذكر نسخة المصحف التي كانت لديك عندما كنت طالبًا في المدرسة، وهي نسخة مصحف مجمع الملك فهد. وقلت إن هذه النسخة ما زالت موجودة لديك حتى الآن.

فمتى بدأت تحديدًا؟ هل كان ذلك قبل عام 2021 بخمس سنوات أو عشر سنوات؟ متى بدأت تجمع المادة العلمية الخاصة بهذا الموضوع؟ نحن هنا نتحدث عن فكرة إنتاج المعرفة: على ماذا كانت مبنية؟»

ويجيب جمال:

«البداية كانت عام 1987، عندما أعيدت العلاقات السياسية بين مصر والسعودية، وكانت السعودية تقيم معرضًا في القاهرة بعنوان “السعودية بين اليوم والأمس”. ووزعت علينا، نحن طلاب المدارس، هدية من السعودية عبارة عن نسخ من مصحف الطبعة الأولى التي صدرت عام 1984. ما زلت أحتفظ بهذه النسخة. وكنت مشغولًا بالموضوع منذ ذلك الوقت. أتذكر الأسماء التي كانت مكتوبة على النسخة، وكتابتي على النسخة منذ عام 1987. كنت أحاول أن أعرف: هذا الاسم يبدو مصريًا، وهذا يبدوا مصريًا، وهكذا. من هؤلاء؟

ثم درست بعد ذلك بسنوات، لأنني كنت مهتمًا بالمصحف، التقرير الموجود في نهاية المصحف. وكان اهتمامي بخطاب نصر أبو زيد حاضرًا أيضًا. فنصر لم يهتم  بالمصحف باعتباره مخطوطة، وإنما اهتم بعملية التأويل ودراسة المصحف. وأنا اهتممت بهذا المجال.

ثم حدثت واقعة مهمة في عام 2017. ذهبت أمي للحج، وعادت ومعها نسخة من المصحف الأزرق الكبير؛ فلم يعد اللون الأخضر القديم الذي كان في طبعة 1984. وكانت أمي، بطبيعة الحال، لا تعرف القراءة والكتابة، فأعطتني المصحف عندما كنت أزور مصر. نظرت في المصحف فلم أجد فيه التقرير الموجود في نهاية المصحف. أي أن المصحف الذي كان يطبع آنذاك في مجمع الملك فهد أصبح يُطبع من دون تقرير اللجنة التي قامت بالتصحيح والمراجعة وأقرت هذا المصحف. يطبع المصحف بمجرد الاسم والقواعد التي يسير عليها، ولكن من دون تقرير أو توقيع  اللجنة التي أقرت ذلك. 

وعندما اقتربت مناسبة 2024، كنا قد بدأنا في عام 2021 صالون تفكير. وكنا في شهر رمضان، وقلت: نريد أن نحتفل برمضان، بما أنه مناسبة دينية، بتاريخ المصحف. وكان في ذلك الوقت أيضًا القصف الإسرائيلي لقطاع غزة، وكان محمود في غزة يحتمي من القصف ويتابع المحاضرات والبث الذي كنا نقيمه. وفي أحد الأسابيع لم أكن أنوي إقامة البث لسبب ما، فكتب لي صديق غزاوي موجود في كندا يقول إن محمود، صديقه، يسأل عن موعد البث. ولأن محمود كان في غزة في ظل القصف الإسرائيلي، قررت أن أقيمه. 

إذن، الإجابة الطويلة عن سؤالك هي أن المادة تكونت عبر سنوات طويلة، وأنا أجيد هذا النوع من العمل الذي يشبه عمل النمل: أجمع شيئًا هنا، وشيئًا هناك، ثم أجمع هذه الأشياء كلها معًا.»

لتنزيل نسخة بي دي اف من الكتاب من مكتبة تفكير اضغط هنا

لمشاهدة سلسلة محاضرات تاريخ المصحف الحالي لجمال عمر، اضغط هنا.

للاستماع لتسجيل صوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل الحوار، اضغط الرابط التالي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات