الحلقة الثانية: لجنة 1914 واختيار قراءة حفص عن عاصم

d8a5d98ad985d8a7d986-d8b1d981d8a7d8b9d98a الحلقة الثانية: لجنة 1914 واختيار قراءة حفص عن عاصم

تبدأ سماء هذه الحلقة بالحديث عن زيارتها لمجمع الملك فهد في المدينة المنورة، فتقول: 

«جميل جدًا. أريد أن أشارككم شيئًا حدث أثناء عملي على الكتاب. في فبراير ذهبت إلى مجمع الملك فهد في المدينة المنورة، بدافع الفضول. وإذا كنت تتذكر يا جمال، فقد حدثتك عن هذه الزيارة. 

رأيت الطباعة والماكينات، ثم تحدثت مع الشخص المسؤول هناك. فسألته عن اللجنة التي عملت على أول نسخة من المصحف عام 1984. وكنت أعرض عليه أسماء بعض أعضاء اللجنة، ومنهم مصريون، وكان منهم الخطاط الذي خط هذه النسخة عثمان طه. 

كنت أقول له بمنتهى البساطة، إن فلانًا مصري وفلانًا سوري، فأجابني بمنتهى الوضوح والمباشرة: “صار سعوديًا” أي إن فلانًا، إذا كان سوريًا في لحظة أو مصريًا في لحظة، فقد أصبح سعوديًا. 

عندها تجلت في ذهني الفكرة التي يتحدث عنها جمال، فكرة التسييس.»

ثم يتناول جمال الإشكاليات الأساسية في دراسة المصحف، فيقول: 

«إذا سمحتِ لي، أريد أن أقول فقرة عن الكتاب والمصحف وتاريخ المصحف. ما عرضناه هنا لا يغني بالطبع عن قراءة الكتاب. لكن هناك أكثر من إشكالية في دراسة المصحف وتاريخ القرآن. 

الإشكالية التي تتكرر كل فترة هي أنه عندما تظهر مخطوطة أو وثيقة معينة، نبدأ الحديث عن التشكيك في المصحف. لكن القرآن عبر التاريخ نُقل شفهيا بالسند، وما زال هذا قائمًا حتى الآن. 

والنسخ عند العلماء المتخصصين في القراءات والروايات وضبطها، لا يعتمدون على المكتوب وحده. وهناك مقولة تراثية تقول: “لا تأخذوا العلم عن صحفي”. والمقصود بالعلم هنا علم الرواية؛ أي لا تأخذ المرويات عن شخص يقرأها من صحيفة، بل لا بد أن يقولها لك من ذاكرته وحفظه. 

وهذا المنهج ما زال موجودًا حتى الآن. ولذلك يتصور الناس أن مصحف سنة 1924 صُنِع بطريقة تقوم على أن اللجنة أحضرت مخطوطات وقارنت بينها وأجرت عمليات مختلفة لتحدد النص. 

لكن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك.

لنتحدث قليلًا عن لجنة 1914. كانت نظارة المعارف، التي لم تكن قد أصبحت وزارة بعد، تعمل في ظل الاحتلال، وتضع الكتب للمدارس الأميرية. وكانت هناك لجان تضع كتب التاريخ والأدب والمقررات الدراسية. ومن هنا ظهرت في إعداد “مصحف أميري”، أي مصحف رسمي يوزع على طلاب المدارس. 

كانت المطابع موجودة، وكانت هناك مطابع أهلية، مثل المطبعة البهية التي طبعت مصحف المخللاتي سنة 1890 بالطباعة الحجرية. وكانت هناك مصاحف أهلية أخرى كثيرة، لكن نظارة المعارف أرادت أن تنتج مصحفًا رسميًا. 

فاختارت حفني ناصف بك، كبير مفتشي اللغة العربية. وهذه نقطة لا يحبها بعض الأزهريين. كان رئيس اللجنة حفني ناصف بك، كبير مفتشي اللغة العربية في النظارة. وكان قد خرج إلى المعاش. حتى إن ابنه اشتكى من أن الرجل لم يحصل إلا على مائة جنيه مقابل عمله في كتابة المصحف. 

وكان حفني ناصف أكبر أعضاء اللجنة سنًا، وهو من الذين أثروا في اللغة العربية كما نعرفها. وستجد، مثلًا، ابن عثيمين يشرح كتاب النحو الذي كتبه حفني ناصف.

وفي كتابه حياة اللغة العربية، ستجد حفني ناصف يذكر سلسلة السند لمحمد جعفر في الخط العربي، ويصل بها إلى النبي. 

المهم أن حفني ناصف استعان بالشيخ محمد خلف الحسيني الحداد، شيخ مشايخ المقارئ المصرية في ذلك الوقت، وباثنين من خريجي مدرسة المعلمين العليا، من المدرسين الذين كانوا يعملون في وضع المقررات، وهما الشيخ السكندري والشيخ العناني، وكان معهم شخص من المطابع الأميرية.

اجتمعت اللجنة عام 1914، أي عشية الحرب العالمية الأولى.

ثم جاء السؤال: بأي قراءة سنطبع المصحف؟

لدينا القراءات المعتمدة عند المسلمين: القراءات السبع، ثم أضاف إليها ابن الجزري ثلاث قراءات فأصبحت عشر قراءات. وابن الجزري يفصل بينه وبين النبي ثمانية قرون تقريبًا. فبأي قراءة سنختار؟

اختاروا قراءة عاصم. وعاصم له روايتان معتمدتان، فاختاروا رواية حفص عن عاصم.

لماذا حفص عن عاصم؟

مع أن مصر كانت لها قراءات أخرى، وكانت ورش عن نافع منتشرة فيها (ورش مصري)، وكانت الدوري عن أبي عمرو منتشرة في بعض الأحيان. لكن الدولة العثمانية كانت حنفية المذهب، وعاصم كان شيخًا لأبي حنيفة في القراءة، فأصبحت قراءة عاصم ورواية حفص هي المنتشرة في الدولة العثمانية. فأصبحت الأوقاف التي توقف على المقارئ، مثل مقرأة جامع الأزهر أو السيدة نفيسة أو الإمام الشافعي، مرتبطة برواية حفص عن عاصم. ومن هنا اختارت اللجنة رواية حفص عن قراءة عاصم بوصفها القراءة المعتمدة.

ولو اختاروا قراءة أخرى لكان الأمر مختلفًا.

وهنا ملاحظة جانبية: عندما نقول “مصحف مجمع الملك فهد” أو “مصحف المدينة”، فإن قراءة المدينة تاريخيًا هي قراءة نافع، ونافع كان شيخ الإمام مالك، ولذلك كان المغرب العربي، الذي يقرأ بقراءة نافع والمتأثر بالمذهب المالكي، مرتبطًا بهذه القراءة. إذن مصحف المدينة يُقرأ قراءة كوفية (حفص عن عاصم، عاصم أحد القراء الكوفيين السبعة).»

ثم يستكمل جمال تفاصيل اختيارات اللجنة:

«بعد اختيار قراءة حفص عن عاصم، جاء السؤال عن عدد آيات المصحف. فتقسيم عدد آيات المصحف في المصحف الشامي يختلف عن المصحف الكوفي، ويختلف عن مصحف مكة أو المدينة. فماذا اختاروا؟ اختاروا العد الكوفي؛ لأنه يتناسب مع قراءة عاصم، وهي قراءة كوفية.

ثم تأتي علامات الوقف والوصل وغيرها من التفاصيل. فإذا قارنت مثلًا مصحف المخللاتي، الذي عمله الشيخ رضوان المخللاتي سنة 1890، بمصحف القاهرة سنة 1914 الذي طبع سنة 1924 (كان حفني ناصف توفي سنة 1919) ستجد اختلافات.

وكانت مصر قد أعلنت استقلالها وألغيت الخلافة العثمانية، وظهرت فكرة أن يصبح الملك فؤاد خليفة، فكانت هناك رغبة في إظهار المظهر الديني، وجاءت فكرة طباعة المصحف.

كل سؤال من هذه الأسئلة كانت اللجنة تجيب عنه باختيار من متعدد، وهذه الاختيارات تشكل في صورة المصحف. فعندما تقرر مثلًا أن يكون الفصل هنا أو الوصل هناك، فأنت تحدد في المعنى، وهكذا.

اشتغلت اللجنة من عام 1914 إلى عام 1918، كان الشيخ محمد خلف الحسيني الحداد يقول القراءة الشفوية بسنده، ودور اللجنة هو كيفية تحويل هذا المنطوق إلى مكتوب، وعلى أي قاعدة. مثلًا، في قواعد النحو والكتابة، هل نأخذ بمدرسة الكوفة أم البصرة؟ فالاختيارات تختلف.

لذلك أقول إن المصحف الحالي المنتشر هو نتيجة اختيار من متعدد: تأخذ اختيارًا وتلغي اختيارات أخرى. وهذه العملية تتم عبر التاريخ، منذ القراءات السبع وصولًا إلى القراءات العشر مع ابن الجزري. كانت هناك آلاف القراءات، لكنها أصبحت محددة في القراءات العشر بالروايات العشرين.»

ثم ينتقل جمال إلى تطور لجان المصاحف: 

«نقطة أخيرة: اللجنة أنجزت المصحف، وطبع عام 1924، وأصبح هو المعيار. وأصبحت علامات الوقف والوصل التي إعتمدتها اللجنة هي المعتمدة في معظم المصاحف بعد ذلك. 

لكن لم تكن هناك قبل ذلك لجنة للمصاحف؛ كانت عملية كتابة المصحف عملية أهلية. فقد كان الملك فؤاد، مثلًا، يأتي بخطاط تركي ليخط له مصحفًا. وكان أول مصحف تُشكّل له لجنة هو مصحف 1924.

وعندما تأسست الكليات الأزهرية، مثل كلية اللغة العربية وكلية الشريعة والقانون وكلية أصول الدين، أنشئ قسم للقراءات في كلية اللغة العربية، ثم أصبح معهد القراءات مستقلًا عام 1943.

وفي عام 1950 تشكلت لجنة رسمية للمصاحف، فأصبح طبع المصحف عملًا رسميًا له قواعد ومعايير. وكانت المبادرة من دار الكتب المصرية، لإعادة النظر في المصحف وعمل طبعة جديدة عام 1952، وأصبح الأزهريون جزءًا أساسيًا من العمل، وكان من بينهم الشيخ الضباع، وكان نائب اللجنة الشيخ عبد الفتاح القاضي.

وأصبح أي مصحف يتداول لابد أن يمر على هذه اللجنة. وأعيد النظر في نسخة 1924، وغيرت اللجنة نحو ثمانمائة موضع من قواعد الفصل والوصل، كما غيرت بعض الكلمات (حوالي 3 كلمات).»

ثم يوضح فلسفة لجنة 1924: 

«كيف كانت لجنة 1924 تفكر؟ أقول ذلك من خلال دراستي، وليس لأنهم قالوا لي ذلك حرفيًا.

أعتقد أنهم أرادوا إنتاج مصحف يجمع المسلمين. فالقراءة والرواية التي اختاروها لها سند يرجع إلى علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، وبالتالي فهي تجمع، في سلسلة السند، بين السنة والشيعة.

والأمر الثاني أنهم اعتمدوا الرسم العثماني. كانوا يريدون الاقتراب من الأصل والعودة إليه، مع أنه كان من الممكن أن يقولوا: لماذا لا نكتب المصحف بقواعد الإملاء المعاصرة حتى يكون أسهل للناس في القراءة والكتابة؟ لكنهم اختاروا العودة للأصل.

لجنة 1952 رأت أن لجنة 1924 لم تعد إلى الأصل بما يكفي، وأنها كانت متساهلة في بعض الأمور، فغيرت بعض مواضع الوقف والوصل وكتابة بعض الكلمات.

ومجمع الملك فهد بعد ذلك ازداد محافظة. ففي طبعة 1924، كان لابد من صنع ورسم الحروف بطريقة خاصة وفق الرسم العثماني، لأن المصحف سيُطبع بالطريقة التقليدية. أما في مجمع الملك فهد، فقد كان الخطاط عثمان طه يكتب المصحف بخط يده، ثم تُصَّور الصفحة كما هي، فلم تعد هناك حاجة إلى إعادة رسم الحروف بالطريقة نفسها.

وهذه كلها تغيرات أسهمت في تشكيل المصحف كما نعرفه الآن.»

ثم يتحدث جمال عن الشيخ عبد الفتاح القاضي: 

«نقطة أخيرة، وقد أطلت في الكلام. كان الشيخ عبد الفتاح القاضي أحد أساطين القراءات، ومدير معهد القراءات ورئيس لجنة مراجعة المصاحف. ومع تطور الأمر في الإذاعة، أصبحت هناك أيضًا لجنة تجيز المذيعين والقراء الذين ستُسجل تلاواتهم.

وعندما تغير شيخ الأزهر في الخمسينات والستينات، ذهب عبد الفتاح القاضي إلى شيخ الأزهر، وكان قد حاول ذلك مع الشيخ الذي سبق الشيخ شلتوت، ثم مع الشيخ شلتوت نفسه، وهو شيخ مجدد. وقال له إن تقسيم المصحف إلى الأرباع والأجزاء يتوقف أحيانًا عند مواضع ينكسر فيها المعنى ولا يستقيم، وإنه يحتاج إلى إعادة النظر في مواضع علامات الجزء والحزب وربع الحزب، وكذلك علامات الوقف والوصل.

وهذه رواية أنقلها كما سمعتها، لأن عبد الفتاح القاضي لم يقلها لي شخصيًا، وإنما وردت في ندوة تحدث فيها الشيخ رافع. فقال له شيخ الأزهر، بحسب الرواية: “أنا استلمته هكذا، وأسلمه هكذا”.

وهناك نقطة أخيرة تتعلق بلجنة 1952. أضافوا إليها الشيخ اطفيش من الجزائر، كان يعمل في دار الكتب المصرية، وكان مذهبه إباضيًا. فإذا كان في اللجنة شخص إباضي، فهذا يعني أن اللجنة ضمت، بهذا المعنى، السنة والشيعة والإباضية؛ أي أنها كانت، في تصورها، تسعى إلى إنتاج مصحف يجمع المسلمين ولا يفرقهم.

وكان من الممكن أن يُكتب المصحف بقواعد الإملاء المعاصرة. وقد ظهرت بالفعل مصاحف بهذه القواعد في تركيا، وليست بدعة؛ فمصحف ابن البواب، مثلًا، كُتب قبل نحو ألف عام وفق قواعد الإملاء المعاصرة.

وهنا يطرح سؤال آخر: عندما اعتمدنا الرسم العثماني، هل نحن ملتزمين به بصورة حرفية؟

إذا أخذت مصحفًا من المصاحف التي اتبعت نسق مصحف عثمان، مثل مصحف المسجد الحسيني، ونظرت إلى المصحف الحالي، ستجد أن الحروف أخذت أشكالًا حديثة.

إذن نحن نشكل المصحف من خلال اختياراتنا.»


مداخلة أشرف قنديل: النص الشفاهي وسلطة النص المكتوب

ثم يطرح أشرف قنديل سؤاله:

«مساء الخير للجميع، وشكرًا للأستاذة سماء والأستاذ جمال على هذه المحاضرة الرائعة. 

كان لدي سؤال كتبته من قبل، وأريد أن أطرحه شفهيًا. وهو يتعلق، في جانب منه، بموضوع آخر خارج الموضوع المباشر، لكنه مرتبط به.

عندما انتقل النص القرآني من النص الشفاهي، الذي كان قائمًا في حياة الرسول، إلى نص مكتوب بين دفتين، هل أثرت هذه النقلة في ما يسمى “سلطة النص”؟

عندما توفي الرسول، لم يكن هناك مصحف بالمعنى الذي نعرفه الآن، ولم يكن جمع القرآن قد اكتمل بالشكل الذي حدث في الجمع الأول أيام أبي بكر ثم الجمع في عهد عثمان. كان القرآن لدى المسلمين نصًا محفوظًا في القلوب، ثم انتقل إلى نص مكتوب بين دفتين.

فهل أثرت هذه النقلة في سلطة النص القرآني؟ وهل قوّتها أم أضعفتها؟

وهناك مسألة أخرى مرتبطة بالنص المكتوب والنص الشفاهي. وفقًا لعلوم القرآن، فإن القرآن ما زال يُجاز حفظه بالسند، كما قال الأستاذ جمال، وكل من يحفظ القرآن يجب أن يكون له سند يصل إلى رسول الله، مثل سند الحديث.

وهناك مفارقة غريبة: إذا اعتبرنا القرآن حديثًا طويلًا، فإن الروايات القرآنية الموجودة بين أيدينا اليوم، إذا طبقنا عليها قواعد علم الحديث، ستكون روايات ضعيفة. فحتى ورش عن نافع وحفص عن عاصم، لو رووا حديثًا، فلن نجد لهم روايات في البخاري أو مسلم؛ لأنهم، من حيث علم الرجال والجرح والتعديل، لا يُعدون ثقات بالمعايير نفسها.

إذن المفارقة أن روايات القرآن الموجودة الآن، إذا حكمنا عليها وفق علم الحديث، ستكون روايات ضعيفة. فهل النص المكتوب يعضد الروايات المنقولة شفهيًا، التي يفترض أنها الأصل في الرواية؟

وشكرًا، وأعتذر عن الإطالة.»

فيجيب جمال: 

«تحديد ما هو قرآن مما هو ليس بقرآن طبقا لقواعد وضعها بشر. بمعنى: القراءات القرآنية كانت كثيرة جدًا، ثم جرى تحديد سبع قراءات معتمدة، ثم عشر قراءات. وهذا تحديد اختياري قام به بشر وفق قواعد معينة، ثم ساد هذا الاختيار.

وضع ابن الجزري، وهو من أهم من ارتبطت الروايات اللاحقة، ثلاثة شروط لتحديد القراءة المقبولة.

أولًا: أن توافق الرسم العثماني، أو المصاحف التي نشأت على نسقه؛ إذ لا توجد بين أيدينا نسخة أصلية من مصحف عثمان. وكل المصاحف الموجودة حاليًا مصاحف على نسق مصحف عثمان، وأقدمها يعود إلى القرون الثانية والثالثة للهجرة، ومنها المصحف الموجود في المشهد الحسيني والمصحف الموجود في تركيا الذي أهداه محمد علي للخليفة عام 1811، ومصحف طشقند وهو من أقدمهم وليس كاملًا.

إذن الشرط الأول هو ألا يكون في القراءة نص أو كلمة تخالف الرسم العثماني. فإذا وجدت قراءة تتضمن كلمة أو حرفًا زائدًا على الرسم، اعتُبرت من القراءات الشاذة.

والشرط الثاني أن تكون سلسلة السند متواترة أو صحيحة. وهنا أيضًا تدخل مسائل أخرى، مثل الحكم على الأشخاص الموجودين في سلسلة السند وانتماءاتهم (معتزلي أو شيعي أو إباضي ..إلخ)، وهو ما يؤثر في الحكم على صحة السند وفق المعايير المستخدمة.

والشرط الثالث أن توافق اللغة العربية. مثلًا هناك اختلاف بين “جبريل” و”جبرائيل”، هذه الاختلافات يمكن أن تدخل في نطاق ما توافقه اللغة العربية، بينما تُرفض صيغ أخرى مثل “جبرائيلا” وتُعتبر قراءة شاذة وفقًا للقواعد الموضوعة.

إذن، القواعد الثلاثة التي حددت القراءة المقبولة وضعها بشر. وبالتالي فإن تحديد ما هو القرآن الحالي المعتمد، هو عملية اختيار من متعدد.

ما حاولت إيضاحه، أن هذه العملية لم تتوقف وإنما استمرت حتى عام 1924، بل وحتى طبعة 1984، المصحف المنتشر اليوم، الذي طُبع منه ثلاثمئة وخمسين مليون نسخة ووزع على مستوى العالم. فحتى في البلاد التي كانت تنتشر فيها قراءة ورش عن نافع، أصبح مصحف المدينة ينتشر على نطاق واسع. وبعد خمسين عامًا من الآن، قد تصبح بعض هذه القراءات والروايات موضوعًا تاريخيًا يُدرس. لكن يظل المصحف الموجود بين يديك رواية من عشرين رواية.»

ثم يجيب عن مسألة سلطة النص: 

«أما بالنسبة إلى سلطة النص، فإن المصحف المكتوب لم يكن مؤثرًا في حياة المسلمين بالصورة التي نتخيلها اليوم مع الطباعة.

عندما كنت أعد المحاضرات في عام 2021، قلت: تخيل أنك تريد أن تصنع مصحف المشهد الحسيني، الذي كان مكتوبًا على الرق. نحن نتحدث عن نحو سبعمائة رق؛ أي إنك تحتاج إلى نحو سبعمائة رأس من الماعز أو الضأن لصناعة نسخة واحدة.

النقطة الثانية هي عدد الأشخاص الذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة عبر التاريخ.

لذلك كانت سلطة المصحف تنتقل عبر الشفاهة أكثر مما تنتقل عبر المكتوب. والمصحف المكتوب ظاهرة ارتبطت بالمطبعة. أما سلطة النص فهي موضوع واسع لا نستطيع مناقشته الآن.»

لتنزيل نسخة بي دي اف من الكتاب من مكتبة تفكير اضغط هنا

لمشاهدة سلسلة محاضرات تاريخ المصحف الحالي لجمال عمر، اضغط هنا.

للاستماع لتسجيل صوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل الحوار، اضغط الرابط التالي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات