من فوكو وهابرماس إلى بورديو وألتوسير.. نحو بناء نموذج تفسيري يقوم على الشرعية.. بقلم: كريم المزكلدي
بقلم: كريم المزكلدي

ينطلق هذا البحث من إعادة النظر في الطريقة التي تُفهم بها العلاقة بين المعرفة والسلطة والمؤسسة. فالمشكلة لا تتمثل في تحديد ما إذا كانت معرفة معينة صحيحة أو خاطئة، ولا في الحكم على الفاعلين التاريخيين من حيث الصواب والخطأ، وإنما في الكشف عن المسار التاريخي الذي يجعل خطابًا معينًا قادرًا على اكتساب الاعتراف، والتحول إلى معرفة مشروعة، ثم التأسس في مؤسسات قادرة على إعادة إنتاج هذه الشرعية عبر الزمن. ومن أجل بناء هذا المنظور، يستفيد البحث من ثلاثة مداخل نظرية أساسية: حفريات المعرفة وجينيالوجيا السلطة عند ميشيل فوكو، ونظرية الواقع الاجتماعي والمؤسساتي عند جون سيرل، ونظرية الفعل التواصلي والشرعية عند يورغن هابرماس.
أولًا: فوكو وحفريات شروط إنتاج المعرفة
يقوم المشروع الحفري عند ميشيل فوكو على إعادة النظر في الطريقة التقليدية لكتابة تاريخ المعرفة؛ فبدل البحث عن الأفكار الكامنة وراء الخطابات أو ردّها إلى وعي المؤلفين ونواياهم، يجعل فوكو الخطاب نفسه موضوعًا للتحليل، باعتباره ممارسة تاريخية تنتظم وفق قواعد محددة. ولذلك لا ينظر إلى الخطاب بوصفه تعبيرًا حرًا عن أفكار فردية، وإنما باعتباره جزءًا من نظام تاريخي يحدد شروط إمكان ظهوره وانتظامه. ويؤكد فوكو أن الأفراد يتكلمون داخل منظومات خطابية سابقة تحدد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله، وما يمكن أن يظهر بوصفه معرفة في لحظة تاريخية معينة (ميشيل فوكو، حفريات المعرفة، ص 31–33، 42–46).
ومن هنا تنصرف الحفريات إلى البحث عن شروط إمكان المعرفة، أي الشروط التاريخية التي تجعل ظهور خطاب علمي معين ممكنًا، بما يتضمنه ذلك من تحديد لموضوعاته ومفاهيمه وقواعد تشكله. ولا يكون السؤال الحفري الأساسي هو ما إذا كانت المعرفة صحيحة أو خاطئة، وإنما كيف أمكن لخطاب معين أن يتشكل بوصفه خطابًا معرفيًا داخل نظام تاريخي محدد (فوكو، حفريات المعرفة، ص 47–50).
ويظهر مفهوم الإبيستيمية في هذا السياق باعتباره مستوى أعمق من التحليل؛ فهي نظام تاريخي من العلاقات يحدد إمكان ظهور بعض المعارف والخطابات بوصفها معرفة أو علمًا في عصر معين (فوكو، حفريات المعرفة، ص 168–173). ولذلك يرفض فوكو التصور الخطي لتاريخ المعرفة الذي يفسر تطورها بوصفه تراكمًا مستمرًا، ويعطي بدلًا منه أهمية للقطائع والتحولات التي تعيد تنظيم قواعد إنتاج الخطاب وتنتج أنظمة معرفية جديدة (ص 9–18؛ 170–174).

وعليه، لا تتمثل وظيفة الحفريات في رد الخطاب إلى سبب خارجي أو إلى وعي صاحبه، وإنما في وصف انتظامه والكشف عن القواعد التاريخية التي تجعل بعض الأقوال ممكنة ومقبولة داخل نظام معرفي معين (ص 171–176).
ثانيًا: من حفريات المعرفة إلى جينيالوجيا السلطة
إذا كانت الحفريات تنشغل بشروط تشكل الخطابات وأنظمة المعرفة، فإن الجينيالوجيا توسع مجال التحليل لتبحث في العلاقة بين المعرفة والسلطة، وفي الكيفية التي تتشكل بها الحقيقة داخل ممارسات ومؤسسات تاريخية محددة.
فالخطاب، عند فوكو، ليس مجرد وسيلة محايدة للتعبير عن الأفكار، بل يمثل مجالًا للصراع. ففي نظام الخطاب يقرر فوكو أن الخطاب يرتبط بالرغبة والسلطة، وأنه ليس فقط ما يترجم الصراعات أو أنظمة السيطرة، وإنما هو أيضًا ما «نصارع من أجله وما نصارع به» (ميشيل فوكو، نظام الخطاب، ص 4).
كما يربط فوكو إرادة الحقيقة بآليات تنظيم الخطاب واستبعاده، ويبين أن كل مجتمع يمتلك نظامًا للحقيقة يحدد الخطابات التي يقبلها بوصفها صحيحة، والآليات التي تميز بين القول الصحيح والخاطئ، والجهات والمؤسسات التي تضطلع بوظيفة تحديد ما يعتبر حقيقة (فوكو، نظام الخطاب، ص 10؛ السلطة والمعرفة، ص 70–72).
وبذلك تنتقل الجينيالوجيا من سؤال كيف تتشكل المعرفة؟ إلى سؤال كيف ترتبط المعرفة بشبكات السلطة والممارسات والمؤسسات التي تحدد شروط إنتاج الحقيقة وتداولها؟
وتتمثل أهمية هذا التحول في أنه يجعل المؤسسة جزءًا أساسيًا من تحليل المعرفة؛ فالمعرفة لا توجد فقط في النصوص والخطابات، وإنما ترتبط بمؤسسات وممارسات تصنف الأفراد، وتراقبهم، وتحدد مواقعهم، وتمنح بعض الأقوال سلطة أكبر من غيرها.
ثالثًا: حدود التفسير الفوكوي: من القوة إلى سؤال الشرعية
مع ذلك، يرى هذا البحث أن تفسير المعرفة والمؤسسات من خلال علاقات القوة وحدها لا يكفي لتفسير نشأة الحياة العلمية واستمرارها. فالقوة تستطيع تفسير الصراع بين الخطابات وآليات الهيمنة والاستبعاد، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال آخر: كيف يكتسب خطاب أو مؤسسة المكانة التي تجعل سلطتها مقبولة وقابلة لإعادة الإنتاج؟
وهنا ينتقل البحث من سؤال اشتغال السلطة إلى سؤال استحقاق السلطة للاعتراف.
فالمشكلة ليست في إنكار أهمية القوة، وإنما في رفض جعلها المبدأ التفسيري النهائي. إذ يمكن للقوة أن تفرض نظامًا أو خطابًا لفترة معينة، لكن استمرار هذا النظام عبر الزمن يتطلب أكثر من مجرد القدرة على الإكراه؛ فهو يحتاج إلى أشكال من القبول والاعتراف تسمح للمؤسسة بإعادة إنتاج مكانتها ووظيفتها.
وبذلك يقترح البحث أن دراسة تاريخ المعرفة ينبغي ألا تقتصر على تحليل الصراع بين القوى، وإنما يجب أن تبحث أيضًا في المسار الذي تتحول من خلاله بعض الخطابات إلى خطابات معترف بها، ثم إلى مؤسسات ذات سلطة مشروعة.
رابعًا: جون سيرل والقبول الاجتماعي للمؤسسة
يساعد تصور جون سيرل للواقع الاجتماعي والمؤسساتي على تفسير هذه الحلقة التي لا يقدم تحليل القوة وحده تفسيرًا كافيًا لها.
فوفقًا لسيرل، لا تقوم الوقائع المؤسسية على الخصائص المادية للأشياء والأشخاص في ذاتها، وإنما على إسناد وظائف ومكانات إليها من خلال القبول أو الاعتراف الجماعي. فالنقود، مثلًا، لا تصبح نقودًا بسبب خصائصها المادية وحدها، وإنما لأنها تحظى باعتراف اجتماعي بوصفها حاملة لوظيفة معينة.
وينطبق الأمر نفسه على المؤسسات؛ إذ لا يكفي وجودها المادي أو القانوني لكي تؤدي وظائفها، بل يتطلب استمرارها اعترافًا بالمكانة والوظيفة المسندتين إليها. ولذلك يتيح سيرل نقل التحليل من سؤال: كيف تعمل القوة داخل المؤسسة؟ إلى سؤال: كيف تكتسب المؤسسة المكانة التي تجعل سلطتها معترفًا بها وقابلة للاستمرار؟
وهنا تظهر أهمية التمييز بين القوة والقبول: فالقوة يمكن أن تفرض مؤسسة، لكن استمرار المؤسسة يتطلب أن تصبح وظيفتها ومكانتها جزءًا من واقع اجتماعي يعترف بها الفاعلون (جون سيرل، بناء الواقع الاجتماعي، ص 78–80؛ وانظر أيضًا ص 19–20).
خامسًا: هابرماس والتمييز بين القبول والشرعية
غير أن القبول الاجتماعي، بدوره، لا يكفي لتعريف الشرعية؛ فقد تقبل جماعة ما مؤسسة أو قاعدة بسبب العادة أو المصلحة أو الخوف، دون أن يعني ذلك أنها تستحق الاعتراف بها.
وهنا تأتي أهمية يورغن هابرماس، الذي يميز بين القبول الواقعي وبين استحقاق الاعتراف. فالقانون أو المؤسسة لا تكون شرعية لمجرد أنها قائمة أو مطاعة، وإنما ينبغي أن تكون قابلة للتبرير وأن تستحق الاعتراف بها.
وبذلك تصبح الشرعية مرتبطة بإمكان تقديم مبررات عقلانية للقواعد والمؤسسات أمام المعنيين بها، لا بمجرد نجاح السلطة في فرضها. ومن هذا المنظور يمكن تحويل السؤال من: «هل تُطاع السلطة؟» إلى: «هل تستحق السلطة الاعتراف بها؟» (يورغن هابرماس، الخطاب السياسي للحداثة، فصل «في إضفاء الشرعية بواسطة حقوق الإنسان»، ص 210–215).
وتتصل هذه المسألة بنظرية الفعل التواصلي عند هابرماس؛ إذ لا يقوم التفاعل الاجتماعي فقط على الفعل الاستراتيجي الذي يسعى فيه الفاعل إلى تحقيق أهدافه، وإنما يتضمن أيضًا إمكانًا تواصليًا يسعى فيه الفاعلون إلى التفاهم. ومن ثم تصبح الشرعية مرتبطة بإمكان تبرير القواعد والقرارات في فضاء تواصلي يسمح بالمشاركة الحرة واختبار المعايير على أساس الحجة لا القسر.
ويظهر ذلك في تحليل هابرماس لأزمة الشرعية في المجتمعات الحديثة؛ فعندما تعجز المؤسسات السياسية عن التوفيق بين المصالح المتعارضة، فإن مبرر وجودها ذاته يصبح موضع تساؤل، وتفقد قدرتها على الحصول على الاعتراف (إيان كريب، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، الفصل الثاني عشر: «يورغن هابرماس: عودة إلى خزانة الملفات»، ص 350–359).
سادسًا: الإشكال المعياري في نقد هابرماس لفوكو
يكشف اعتراض هابرماس على فوكو عن مستوى آخر من المشكلة. ففوكو يستطيع أن يبين كيف ترتبط المعرفة بالمؤسسات والممارسات وعلاقات السلطة، وكيف تشكل هذه العلاقات أنظمة للحقيقة، إلا أن السؤال يبقى: على أي أساس يمكن الحكم بأن علاقة معينة علاقة هيمنة أو قمع، وأن علاقة أخرى أكثر تحررًا؟
فالكشف عن الأصل السلطوي لممارسة أو معرفة لا يثبت، في حد ذاته، أنها غير مشروعة أو ينبغي رفضها. إذ إن الانتقال من بيان كيف نشأت ممارسة معينة إلى الحكم بأنها ينبغي ألا تكون يتطلب معيارًا معياريًا.
ويشير هابرماس إلى هذه المشكلة في قراءته لمشروع فوكو؛ إذ يبين ارتباط المعرفة بالممارسات والمؤسسات منذ تاريخ الجنون، حيث تدخل القرارات التشريعية والشرطة والاحتجاز والعقوبات وأشكال الضبط والترويض في تحليل تشكل المعرفة الحديثة (هابرماس، الخطاب الفلسفي للحداثة، ص 366–367، ترجمة فاطمة الجيوشي، منشورات وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية، 1995).
وبذلك لا يتمثل اعتراض هابرماس في إنكار القيمة التشخيصية لتحليل فوكو، وإنما في القول إن كشف علاقات القوة لا يكفي وحده لتأسيس نقد معياري للسلطة. فإذا كان فوكو يبين كيف تعمل السلطة داخل المؤسسات والخطابات، فإن هابرماس يبحث عن أساس يسمح بتمييز الهيمنة عن التحرر، ويربط هذا الأساس بإمكان التواصل والتبرير والاعتراف المتبادل (هابرماس، الخطاب الفلسفي للحداثة، ص 363).
ومن هنا يتحول الخلاف بينهما من سؤال كيف تعمل السلطة؟ إلى سؤال أعمق: كيف يكون النقد ممكنًا؟ ففوكو يجعل النقد عملية كشف للسلطة المختبئة داخل ما يبدو عقلانيًا ومحايدًا، بينما يرى هابرماس أن النقد يحتاج أيضًا إلى معيار يسمح بتقييم علاقات السلطة والتواصل.
سابعا: التعليم بوصفه آلية لإعادة الإنتاج
اعتادت النظريات الاجتماعية الحديثة النظر إلى التعليم بوصفه مؤسسة تؤدي وظيفة أساسية في إعادة إنتاج المجتمع. فقد رأى إميل دوركايم أن التربية تمثل آلية للتنشئة الاجتماعية ونقل القيم والمعايير التي تجعل الفرد قادرًا على الاندماج في الجماعة، بينما نظر لويس ألتوسير إلى المدرسة باعتبارها أحد أجهزة الدولة الأيديولوجية التي تساهم في إعادة إنتاج علاقات الإنتاج من خلال إعداد الأفراد للمواقع والأدوار التي يتطلبها النظام الاجتماعي. أما بيير بورديو فقد أبرز وظيفة التعليم في إعادة إنتاج الثقافة المهيمنة والرأسمال الثقافي والشرعية الرمزية، بحيث تتحول التفاوتات الثقافية والاجتماعية الموروثة إلى تفاوتات تبدو مشروعة ومستحقة.
ولا تُستعمل هذه التصورات هنا بوصفها نظريات متنافسة ينبغي اختيار إحداها، وإنما باعتبارها مداخل جزئية يمكن تركيبها داخل نموذج تفسيري أوسع يجعل الحضارة وحدة التحليل الأساسية. فالتعليم، وفق هذا المنظور، لا يؤدي وظيفة اجتماعية ثابتة ومستقلة عن السياق، وإنما تتحدد وظيفته بحسب البنية الحضارية التي يعمل داخلها، وبحسب نوع المعرفة والسلطة والمؤسسات والتراتبات التي تحتاج الحضارة إلى إعادة إنتاجها. ومن ثم يمكن النظر إلى التعليم باعتباره إحدى الآليات التي تنتقل من خلالها الحضارة من جيل إلى آخر، ليس عبر نقل المعارف فقط، وإنما عبر إعادة إنتاج الإنسان الملائم لها، والمعرفة التي تحتاجها، والقيم التي تمنحها التماسك، والمؤسسات التي تنظمها، والمرجعيات التي تمنح هذه المؤسسات شرعيتها.
1. دوركايم: التعليم بوصفه إعادة إنتاج المجتمع
يؤدي التعليم عند إميل دوركايم وظيفة اجتماعية تتجاوز نقل المعارف وتنمية القدرات الفردية؛ إذ يمثل الآلية التي يتولى المجتمع من خلالها تكوين الإنسان القادر على الاندماج في الحياة الجماعية. فالتربية هي الفعل الذي تمارسه الأجيال الراشدة على الأجيال التي لم تنضج بعد للحياة الاجتماعية، وغايتها تنمية الحالات الجسدية والعقلية والأخلاقية التي يتطلبها المجتمع والوسط الاجتماعي الذي سيعيش فيه الفرد. ولذلك يصف دوركايم التربية بأنها «تنشئة اجتماعية منهجية للجيل الناشئ»، لأنها تعمل على تكوين «الكائن الاجتماعي» داخل الفرد، أي ذلك النسق من الأفكار والمشاعر والعادات والمعتقدات والممارسات الأخلاقية الذي يعبر عن الجماعة التي ينتمي إليها.
وبذلك لا يقتصر التعليم على إعداد الفرد لحياته الخاصة، وإنما يربطه بالمجتمع ويجعله حاملًا لقيمه وقواعده وذاكرته الاجتماعية. كما يؤدي وظيفة المحافظة على التجانس الضروري للحياة الجماعية، من خلال غرس التشابهات الأساسية المشتركة بين أفراد المجتمع، مع المحافظة في الوقت نفسه على قدر من التنوع والتخصص الذي يجعل التعاون الاجتماعي ممكنًا. ولذلك لا تنقل التربية المجتمع من جيل إلى آخر بصورة آلية، وإنما تسهم في تجديد شروط وجوده باستمرار؛ إذ يؤكد دوركايم أن التربية «هي قبل كل شيء الوسيلة التي يجدد المجتمع من خلالها باستمرار شروط وجوده الخاص».
وعليه، تتمثل الوظيفة الأساسية للتعليم عند دوركايم في إنتاج الإنسان الاجتماعي، ونقل القيم والمعايير المشتركة، وتحقيق الاندماج والتجانس، وضمان استمرارية المجتمع عبر الأجيال.
المصدر: Émile Durkheim, Éducation et sociologie, Paris, Librairie Félix Alcan, 1922، ص. 49–50، 119.
2. بورديو: التعليم بوصفه إعادة إنتاج الثقافة الشرعية
ينقل بورديو تحليل التعليم من مجرد وظيفة التنشئة الاجتماعية إلى مسألة الشرعية الثقافية. فالتعليم، في منظوره، لا يقتصر على نقل الثقافة من جيل إلى آخر، وإنما يساهم في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي والثقافي القائم من خلال فرض نموذج ثقافي معين بوصفه الثقافة الشرعية. وبهذا الفرض يعاد إنتاج الاعتباط الثقافي المهيمن، وتُعاد في الوقت نفسه إنتاج علاقات القوة التي تمنح هذا النموذج سلطته.
وتكتسب هذه العملية فعاليتها من أن المدرسة لا تقدم الثقافة المهيمنة باعتبارها تعبيرًا عن مصالح فئة اجتماعية محددة، وإنما تمنحها مظهر الشرعية والاستحقاق؛ بحيث تبدو الامتيازات الثقافية والاجتماعية التي يحصل عليها أبناء الفئات المهيمنة وكأنها نتيجة طبيعية للكفاءة والجدارة. وهكذا تتحول المدرسة إلى آلية لإعادة إنتاج الرأسمال الثقافي والشرعية الرمزية، وإلى وسيلة لتحويل التفاوتات الاجتماعية الموروثة إلى تفاوتات تبدو مشروعة ومستحقة. ويؤدي الاعتراف بشرعية الهيمنة بدوره إلى إخفاء علاقات القوة التي تقف وراءها، وهو ما يجعل النظام التعليمي أحد شروط استمرارية النظام الاجتماعي والثقافي.
وفي العنف الرمزي يوضح بورديو أن النظام التعليمي يفرض الثقافة الغالبة بوصفها ثقافة شرعية، الأمر الذي يؤدي إلى الاعتراف بالنموذج الثقافي الذي تفرضه الجماعات والطبقات الغالبة، في مقابل تهميش المعارف والممارسات التي لا تدخل ضمن الثقافة المعترف بها، مثل العرف والطب الشعبي وتقنيات الحرف واللغات والفنون الشعبية، والتقليل من قيمتها مقارنة بالمعارف التي يمنحها النظام التعليمي الشرعية، ولا سيما المعارف المرتبطة بالتعليم العالي (ص. 58–59).
ويربط بورديو كذلك مأسسة التربية بظهور مختصين دائمين وهيئة منظمة لإعدادهم وتنظيم مهنتهم، وبقدرة المؤسسة على احتكار الترسيخ الشرعي للثقافة، بما يؤدي إلى تنميط الممارسة التربوية وانتظامها (ص. 77). كما يصبح النظام التعليمي أكثر انتظامًا بقدر ما يخضع لأداء وظيفة إعادة إنتاج الثقافة الشرعية، ويعمل على إعداد الفاعلين القادرين على استخدام هذه الثقافة ونقلها، كالمدرسين والأساتذة والإداريين وغيرهم (ص. 82). وفي سياق نشأة المؤسسة المدرسية، يناقش بورديو العلاقة بين الكنيسة والمدرسة، مبينًا أن المؤسسات المدرسية كانت، باستثناء مدارس العصور القديمة الكلاسيكية، وليدة علمنة المؤسسات الكنسية أو التقاليد المقدسة، وأن التشابه بين الكنيسة والمدرسة لا يرجع إلى الأصل التاريخي وحده، وإنما يرتبط أيضًا بتماثل بنيوي ووظيفي بينهما، ولا سيما بين وظيفة الكاهن ووظيفة الأستاذ (ص. 88).
المصدر: بيير بورديو وجان-كلود باسرون، إعادة الإنتاج: في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم، ترجمة ماهر تريمش، المنظمة العربية للترجمة، ص. 109–111، 115، 147؛ وبيير بورديو، العنف الرمزي: بحث في أصول علم الاجتماع التربوي، ترجمة نظير جاهل، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي، 1994، ص. 58–59، 77، 82، 88.
3. ألتوسير: التعليم بوصفه إعادة إنتاج علاقات الإنتاج
يمنح لويس ألتوسير التعليم وظيفة تتجاوز نقل المعارف والمهارات، إذ ينظر إلى المدرسة بوصفها أحد أهم أجهزة الدولة الأيديولوجية التي تضطلع بإعادة إنتاج علاقات الإنتاج داخل المجتمع الرأسمالي. فالمدرسة لا تكتفي بتعليم الأفراد المهارات والمعارف الضرورية للاندماج في الحياة الاجتماعية والمهنية، وإنما تقدم هذه المعارف داخل إطار أيديولوجي يضمن اكتساب الأفراد للقواعد والقيم التي تجعلهم قادرين على أداء أدوارهم داخل النظام القائم (ألتوسير، ص. 236).
ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة في المجتمعات الرأسمالية الحديثة، حيث أصبحت المدرسة، بعد تراجع الهيمنة الأيديولوجية للكنيسة، جهاز الدولة الأيديولوجي المهيمن. فقد انتقلت إلى المؤسسة التعليمية وظائف كانت تضطلع بها الكنيسة، ولا سيما الوظيفة التعليمية والتكوينية، فأصبحت المدرسة المجال الأساسي الذي تمر من خلاله المعارف والقيم والتصورات اللازمة لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي (ألتوسير، ص. 249). ومن ثم فإن هيمنة الجهاز التعليمي ليست نتيجة طبيعية لحياد المؤسسة المدرسية، وإنما حصيلة تحول تاريخي في موقع الجهاز المهيمن، انتقل فيه هذا الموقع من الجهاز الديني إلى الجهاز التعليمي.
وتعمل المدرسة على إعداد الأفراد لمواقع مختلفة داخل البنية الاجتماعية عبر مسار تعليمي طويل يتلقى خلاله الأطفال المعارف والمهارات، كاللغة والحساب والعلوم والتاريخ والأدب، إلى جانب الأخلاق والتربية الوطنية والفلسفة. غير أن هذه المعارف لا تقدم باعتبارها محايدة تمامًا، وإنما تكون، في تحليل ألتوسير، «مغلّفة بالأيديولوجيا السائدة»، بحيث تصبح المدرسة مؤسسة لتكوين الأفراد بما يتلاءم مع حاجات النظام الاجتماعي القائم (ألتوسير، ص. 251).
ومن هنا يرتبط التعليم مباشرة بإعادة إنتاج علاقات الإنتاج. فأجهزة الدولة الأيديولوجية، وفي مقدمتها المدرسة، تؤدي دورًا أساسيًا في إعادة إنتاج هذه العلاقات من خلال تعليم المهارات المختلفة مقرونة بالتنشئة الأيديولوجية، الأمر الذي يجعل المدرسة آلية لإعداد الأفراد للمواقع والأدوار المختلفة داخل النظام الاجتماعي، والمساهمة بالتالي في استمرار علاقات الإنتاج القائمة (ألتوسير، ص. 248، 252).
المصدر: Louis Althusser, On the Reproduction of Capitalism: Ideology and Ideological State Apparatuses, translated by G. M. Goshgarian.
ثامنا: نحو نموذج تفسيري يقوم على الشرعية
انطلاقًا من هذه المناقشة، يقترح البحث الانتقال من نموذج تفسيري يجعل القوة المبدأ الأساسي في تفسير إنتاج المعرفة والمؤسسات إلى نموذج يجعل الشرعية محورًا لتحليل تحول الخطابات إلى مؤسسات واستمرارها.
ولا يعني ذلك إلغاء القوة؛ فالقوة تظل عنصرًا حاضرًا في كل عملية تاريخية، وتؤثر في توزيع الموارد ومواقع الفاعلين وفرص انتشار الخطابات. لكنها لا تمثل، في النموذج المقترح، التفسير النهائي.
فالخطاب لا يصبح فاعلًا تاريخيًا لمجرد أن طرفًا قويًا يفرضه، والمؤسسة لا تستمر لمجرد امتلاكها أدوات الإكراه، وإنما تحتاج إلى قدر من الاعتراف يجعل وجودها ووظيفتها قابلين لإعادة الإنتاج.
وبناءً على ذلك، يفترض البحث مسارًا تاريخيًا مركبًا يبدأ بتحول بنيوي يفتح المجال أمام ظهور خطابات متعددة، ثم تدخل هذه الخطابات في منافسة على الاعتراف، ويؤدي نجاح أحدها في اكتساب قدر كاف من القبول إلى تحوله إلى ممارسة أو مؤسسة، فتعمل المؤسسة بدورها على تثبيت المكانة التي اكتسبها الخطاب وإعادة إنتاجها عبر الزمن.
ويمكن تمثيل هذا المسار على النحو التالي:
التحول البنيوي → ظهور خطابات متعددة → التنافس على الاعتراف → تشكل القبول الاجتماعي → اكتساب المكانة الشرعية → التحول إلى مؤسسة → إعادة إنتاج الشرعية → استقرار البنية الحضارية → ظهور تحول بنيوي جديد.
وهنا تصبح المؤسسة أكثر من مجرد موقع تمارس السلطة من خلاله؛ فهي تمثل تجسدًا تاريخيًا للشرعية ووسيطًا تنتقل عبره الأفكار والممارسات من مستوى الخطاب إلى مستوى التنظيم الاجتماعي.
فحين يكتسب خطاب معين الاعتراف ويتحول إلى مؤسسة، فإنه لا يعود مجرد خطاب متداول، وإنما يصبح جزءًا من البنية التي تنظم المجتمع، وتحدد الأدوار والمكانات، وتعيد إنتاج القواعد التي تمنح المؤسسة شرعيتها.
الخاتمة المنهجية
يخلص هذا البحث إلى أن دراسة تاريخ المعرفة لا ينبغي أن تنحصر في سؤال الحقيقة من حيث صدقها أو خطئها، ولا في تفسيرها بردها إلى وعي أصحابها أو نواياهم، كما لا يكفي تفسيرها من خلال القوة وحدها. فقد أظهر فوكو أن المعرفة تتشكل داخل أنظمة خطابية تاريخية، وأن الحقيقة ترتبط بمؤسسات وممارسات وعلاقات قوة تحدد ما يمكن قوله وما يمكن قبوله بوصفه معرفة (فوكو، حفريات المعرفة، ص 31–50، 168–176؛ نظام الخطاب، ص 4، 10؛ السلطة والمعرفة، ص 70–72). غير أن الكشف عن علاقات القوة لا يفسر وحده كيف يتحول خطاب معين إلى سلطة مستقرة، ولا كيف تكتسب المؤسسة القدرة على إعادة إنتاج مكانتها عبر الزمن.
لذلك يقترح البحث جعل الشرعية محورًا تفسيريًا يربط بين الخطاب والاعتراف والمؤسسة. ويُستفاد في ذلك من سيرل لتفسير البعد الاجتماعي والمؤسساتي للاعتراف، ومن هابرماس للتمييز بين مجرد القبول الواقعي وبين استحقاق الاعتراف والتبرير. وبهذا لا تصبح الشرعية مرادفًا للقوة، ولا للقبول وحده، ولا لصحة الأفكار المجردة، وإنما تصبح نتيجة لمسار تاريخي تتفاعل فيه التحولات البنيوية، وتعدد الخطابات، والتنافس على الاعتراف، والقبول الاجتماعي، والتأسيس المؤسسي، وإعادة إنتاج المكانة.
وعليه، فإن الوحدة الأساسية للتحليل في هذا البحث ليست الفكرة منفردة، ولا الفرد المفكر، ولا المؤسسة بوصفها جهازًا مستقلًا، وإنما المسار الذي تنتقل فيه سلطة إنتاج الحقيقة والمعرفة من مستوى الخطاب إلى مستوى الاعتراف، ومن الاعتراف إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى إعادة إنتاج الشرعية.
ومن ثم، عندما ينتقل البحث إلى دراسة الحالات التاريخية، فلن يكون السؤال: أي الخطابات كان أكثر صحة؟ أو أي المفكرين كان على صواب؟ وإنما ستكون الأسئلة المنهجية هي: ما التحول الذي فتح المجال أمام تعدد الخطابات؟ من هم الفاعلون الذين تنافسوا على إنتاج المعرفة؟ ما الموارد والمؤسسات التي امتلكها كل خطاب؟ كيف اكتسب أحد الخطابات الاعتراف؟ كيف تحول الاعتراف إلى مكانة اجتماعية أو معرفية؟ متى تأسست هذه المكانة في مؤسسة؟ وكيف أعادت المؤسسة إنتاج الشرعية؟ وما التحولات التي أدت لاحقًا إلى أزمة هذه الشرعية وفتح المجال أمام مصدر جديد لإنتاج الحقيقة والمعرفة؟
وبهذا يصبح تاريخ الحضارة، في المنظور المقترح، تاريخًا متحركًا لإنتاج الشرعية وإعادة توزيعها: تتحول البنية، فتتعدد الخطابات؛ تتنافس الخطابات على الاعتراف؛ يتحول الاعتراف إلى شرعية؛ تتجسد الشرعية في مؤسسة؛ وتعيد المؤسسة إنتاجها إلى أن تظهر تحولات جديدة تجعل مصادر الشرعية موضع تفاوض وصراع من جديد.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد