مفهوم الوحي عند علي مبروك… أ. محمد محق
بقلم: AI

الإطار العام والسياق المعرفي للندوة
تأتي هذه الندوة الفكرية، وهي السادسة والأخيرة في سلسلة الندوات المخصصة لقراءة منجز المفكر الراحل الدكتور علي مبروك، لتشكل وقفة نقدية رصينة أمام واحدة من أعقد القضايا في الفكر الديني: “مفهوم الوحي”. لم تكن الندوة مجرد فعل تأبيني، بل كانت ضرورة معرفية لتفكيك بنية اللاهوت الإسلامي ومراجعة ركائزه المركزية (الوحي والنبوة) بمنظور حداثي يتجاوز السرديات التقليدية.
أدار الندوة الدكتور محمد عيسى، واستضاف فيها الباحث الأكاديمي والدبلوماسي الأفغاني الأستاذ محمد محق، المقيم في كندا، وهو باحث اشتغل بعمق على إصلاح الفكر الديني ودراسة الجذور التاريخية للتطرف، بحكم تجربته العريضة كأستاذ سابق في جامعة هرات، وسفير سابق في القاهرة. وقد تجلت أهمية الندوة في سعيها للإجابة على سؤال “ماذا بعد؟”، محاولةً تحويل أفكار مبروك من نصوص نخبوية إلى أدوات نقدية قادرة على تحريك المياه الراكدة في المؤسسات التقليدية، وهو ما اتضح من خلال العلاقة الفكرية والمنهجية الوثيقة التي ربطت بين المتحدث والراحل.
البعد الإنساني والمسار الفكري لعلي مبروك
إن العلاقة الإنسانية بين المفكرين هي الحاضنة التي تنمو فيها الرؤى المشتركة وتنتقل عبرها الأفكار عابرةً الحدود. استعرض الأستاذ محمد محق محطات تعارفه بعلي مبروك، والتي بدأت في مؤتمر مكتبة الإسكندرية عام 2008، بتزكية مباشرة من المفكر نصر حامد أبو زيد الذي رأى في مبروك امتداداً نضجياً لمشروعه.
توقف التقرير عند موقف مبروك الوجداني من قضية “الهجرة” والضغوط التي واجهها. وفي هذا السياق، كشف محق عن نصيحته لمبروك بتفضيل البقاء في الوطن لترك بصمة تاريخية حية؛ مستشهداً بتجربة المفكر الإيراني عبد الكريم سروش، الذي يرى محق أنه فقد الكثير من بريقه الاجتماعي وتأثيره الحيوي بعد هجرته، حيث يضعف أثر المثقف بمجرد انفصاله عن سياقه الثقافي والاجتماعي المباشر. إن رحيل مبروك المفاجئ لم يكن مجرد غياب شخصي، بل مثّل “انقطاعاً لمسار معرفي كان في طور النضج البنيوي”، حيث كان بصدد صياغة إجابات جذرية حول علاقة الإنسان بالمطلق.
تحليل كتاب “النبوة: من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ”
ركزت الندوة على كتاب مبروك المركزي “النبوة: من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ”، وهو العمل الذي كشف جمال عمر عن كواليسه الصعبة؛ إذ واجه مبروك عقبات مؤسسية شديدة أدت إلى تأخير تسجيل ومناقشة هذه الرسالة لمدة ثماني سنوات، مما يضفي صبغة نضالية على هذا المنجز الأكاديمي.
أهم الملامح التحليلية للكتاب:
- المستوى الأكاديمي: أكد محق أن الكتاب يتجاوز في عمقه ومنهجه أرقى رسائل الدكتوراه في الجامعات التقليدية كالأزهر أو الحوزات العلمية، داعياً لإدراجه في مناهج هذه المؤسسات لتجاوز الأطر القديمة.
- الجوهر المعرفي: ينتقل مبروك بالبحث في النبوة من الحقل الكلامي التقليدي (الذي ينحصر في إثبات المعجزات والرد على الشبهات) إلى حقل “فلسفة التاريخ”.
- النبؤة كحراك: يرى مبروك النبوة كفعل تاريخي وتطور عقلي بشري، وليست مجرد واقعة غيبية معزولة. هذا التحول ينقل النبوة من خانة “العقيدة الجامدة” إلى خانة “الصيرورة التاريخية” التي لا يمكن فهمها إلا من خلال أداة اللغة.
المنعطف اللغوي ودوره في فهم الوحي
اعتمد مبروك في تحليله على ما يعرف بـ “المنعطف الثالث” في الفلسفة؛ فبعد أن كان التركيز قديماً على “الكون”، ثم انتقل مع ديكارت وكانط إلى “المعرفة”، وصل في العصر الحديث إلى “اللغة”. وظف مبروك أطروحة لودفيج فيتجنشتاين (“حدود عالمي هي حدود لغتي”) لفهم الوحي، معتبراً أن اللغة ليست وعاءً سلبياً لنقل الرسالة، بل هي كائن حي وشريك أساسي في تشكيل الوعي. إن الوحي، في هذه الرؤية، هو علاقة جدلية بين “المطلق” و”النسبي” تتم عبر آليات اللغة، وبدون فهم دور اللغة في صياغة الوعي الإنساني، لا يمكن فهم كيف يتنزل “المطلق” في سياق “تاريخي نسبي”.
ثنائية الأشاعرة والمعتزلة: تحليل سوسيولوجي وسياسي
أعادت الندوة تفكيك الصراع الكلامي القديم، لا لاستنساخه، بل لفهم انحيازاته المعرفية والسياسية:
- الموقف الأشعري مقابل المعتزلي: بينما ركز الأشاعرة على الجانب الإلهي الصرف (الموهبة) جاعلين من الإنسان متلقياً سلبياً، انحاز مبروك ومحق للمنطق المعتزلي الذي يبرز الجدارة والاستحقاق الإنساني؛ فالله “أعلم حيث يجعل رسالته” بناءً على مؤهلات النبي كفاعل تاريخي ومصلح اجتماعي.
- السياسة الكلامية: قدمت الندوة تحليلاً سوسيولوجياً للدين، موضحاً أن الأشعرية لم تنتصر لقوتها المعرفية فحسب، بل لأنها تحولت إلى “أيديولوجية دولة” (منذ المتوكل وصولاً إلى السلاجقة والمدارس النظامية) لمواجهة الخصوم السياسيين وتهميش العقلانية لصالح السلطة، مما أدى إلى وأد الفكر الاعتزالي الذي كان يمنح الإنسان دوراً تشاركياً في صنع التاريخ.
آفاق تطوير دراسات الوحي: العلم والروحانية
طرحت الندوة رؤية استراتيجية لدمج منجزات العلم الحديث في فهم لحظة التواصل مع المطلق:
- علم الأعصاب (Neurology): ضرورة دراسة ما يحدث في الدماغ لحظة الوحي، وهل هي حالة من “الوعي المتجاوز”. واستخدم محق تشبيه “كمبيوتر الكوانتوم” مقابل “الكمبيوتر العادي” لوصف هذا الوعي الذي ينفذ إلى جوهر الحقائق (النومين الكانطي).
- التجربة الروحية: المقارنة بين تجربة الأنبياء وتجارب المتصوفة (كالغزالي والبوذيين)، حيث تعجز اللغة أحياناً عن التعبير عن لحظة الإشراق. إن مستقبل الفكر الديني يكمن في سد الفجوة بين اللاهوت والعلوم الطبيعية، وهو ما يمثل نقصاً معرفياً في المشاريع السابقة يجب استكماله.
ملخص المداخلات النقدية: السياسة، الختم، والمنهج
أثمرت النقاشات مع الحضور (إيمان، قاسم، زينب، أشرف، وليد، أمين) عن نقاط جوهرية:
- فيزيائية الوحي: طرح قاسم تساؤلاً مركزياً حول إمكانية إثبات اتصال كائن مفارق بالأرض من منظور علمي ومادي حداثي.
- قضية ختم النبوة: أشار محق إلى “تشكيك منهجي” في القطعية التقليدية، موضحاً أن مصطلح “خاتم النبيين” ورد مرة واحدة فقط في القرآن، مما يفتح باباً للتأويل (الخاتم كزينة وليس كنهاية)، مستحضراً رؤية محمد إقبال بأن الختم يعني وصول العقل البشري لمرحلة الرشد والاستغناء عن التدخل الغيبي.
- عربية الوحي والثورة اللاهوتية: نوقش موقف أبي حنيفة (المعنى من الله واللفظ من النبي/البشر)، وهو موقف كان بمثابة ثورة لاهوتية ضد “التعالي العربي” الأموي وتوظيف اللغة كأداة قهر سياسي ضد الأعاجم.
- منهج مبروك: أوضح محق أن مبروك لم يتقيد بمدرسة واحدة (تفكيكية أو بنيوية)، بل كان “يسأل السؤال ثم يبحث عن الأداة”، موظفاً آليات متنوعة لفهم النبوة كحراك اجتماعي.
الخلاصة والتوصيات الفكرية
إن الرسالة الجوهرية لهذه الندوة تكمن في ضرورة تحويل الوحي من “مفهوم لاهوتي جامد” إلى “حراك تاريخي لغوي” يتفاعل مع الواقع الإنساني. إن مشروع علي مبروك، الذي يمثل صرخة عقلانية عابرة للحدود (من أفغانستان إلى مصر وكندا)، يدعونا للتصالح مع منجزات العلم الحديث.
التوصيات الختامية:
- تبسيط الفكر النخبوي: نقل أفكار مبروك وأبو زيد إلى الأوساط الثقافية العامة.
- نشر الأعمال: إعادة نشر كتاب النبوة وتسهيل الوصول إليه لتجاوز العقبات التي واجهته قديماً.
- الحوار مع العلوم: فتح حوار جاد مع علم الأعصاب والفيزياء الكونية لفهم أعمق للظواهر الروحية.
ختاماً، وكما استشهد المتحدث بالفيلسوف برايان ماجي، فإننا لا نزال نعيش في “مقدمة” كتاب الحضارة الإنسانية؛ فالطريق أمام التطور المعرفي البشري لا يزال في بداياته، ومشروع علي مبروك هو إحدى تلك الخطوات الجسورة نحو المتن.
للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:
شارك المحتوى



اترك رد