السينما والجسد والمعرفة: بين الحجب والكشف… د. وليد الخشاب مع أسماء زكي
كتب: نور البطاوي لمجلة تفكير
شهد مقر الجمعية المصرية للتنوير بالقاهرة، مساء الأحد الحادي والعشرين من يونيو، ندوة فكرية رائعة نظمها “صالون تفكير”، استضافت فيها الدكتور وليد الخشاب، أستاذ الدراسات العربية بجامعة يورك بكندا والمتخصص في مجالات التصوف والسينما والاقتباس. الندوة التي أدارتها الأستاذة أسماء زكي، منسقة أكاديمية تفكير، والأستاذة إيمان إسماعيل، حملت عنواناً مثيراً للجدل وهو “السينما بين الحجب والكشف”، وهو العنوان الذي استدعى للوهلة الأولى لدى الكثيرين قضية “حجاب الفنانات”، لكن المحاضرة سرعان ما حلقت بالجمهور إلى آفاق فلسفية ومعرفية أعمق بكثير.
بقلم: نور البطاوي

من “الحجاب” إلى “الحجب”: تصحيح المفاهيم
في مستهل اللقاء، أشارت أسماء زكي إلى اللبس الذي قد يحدثه العنوان، موضحة أن الندوة لا تتناول الحجاب كزي ديني، بل “الحجب” كرمز ومجاز سينمائي ومعرفي، وكيفية استخدام السينما لجسد المرأة في هذا السياق. ومن جانبه، أكد الدكتور وليد الخشاب أن مصطلح “الحجاب” في التراث، كما في القرآن، يشير إلى “الستار” أو الحاجز النسيجي بين فضائين أو بين جسد وفضاء، وليس بالضرورة الزي الذي ظهر في ستينات وسبعينات القرن العشرين.
وأوضح الخشاب أن “الحجب” الذي يقصده هو “الغلالة شبه الشفافة” التي تغطي وتكشف في آن واحد، معتبراً أن وظيفة النسيج في المجتمعات العربية والسينما هي خلق حوار مستمر بين هذين القطبين. فالحقيقة والجمال، من وجهة نظره، لا يكمنان في التعرية الكاملة ولا في التغطية الشاملة، بل في “الجدلية” والتوتر القائم بينهما.

قدم الخشاب رؤية فنية وفلسفية مبتكرة للسينما، حيث ربط بين “قماش” الشاشة وبين “النسيج” الذي يغطي الجسد. ففي السينما، يسقط الضوء على قماش الشاشة، وهذا التفاعل بين الضوء والظلمة، وبين ما تظهره الكاميرا وما تخفيه، هو جوهر العمل السينمائي.
واستحضر المحاضر مثالاً من التراث الشعبي المصري وهو “الملاية اللف”، واصفاً إياها بأنها لم تكن مجرد أداة للحشمة، بل كانت وسيلة لإدارة حوار بين الكشف والحجب؛ حيث يمكن للمرأة أن تشدها لتبرز تفاصيل جسدها أو ترخيها لتخفيه، مما يخلق حيوية في المجال العام. هذا “التوتر” هو ما تفتقده الدعوات المعاصرة للحجب التام (النقاب) أو الكشف التام، فكلاهما في رأيه يمثل “نهاية” لهذا الحوار الجمالي.
نظرية المعرفة: بين “التنوير الساطع” و”الحجاب الإلهي”
لم تقتصر الندوة على الفن، بل امتدت لتشمل “نظرية المعرفة” (الإبستمولوجيا). ميز الخشاب بين تصورين للمعرفة:
- التصور الغربي (التنوير): الذي يفترض أن الحقيقة ساطعة كالشمس، وأن العقل قادر على إضاءة كل شيء وكشفه بالكامل، وهو تصور يراه الخشاب “سلطوياً” في بعض جوانبه.
- التصور الموروث (الحجاب): الذي يرى أن المعرفة تتطلب إزاحة حجاب (كالظلمة أو الجهل) للوصول إلى النور، وهو ما يظهر في الأدبيات الصوفية والروحية.
واقترح الخشاب موقفاً أكثر تواضعاً يرى المعرفة كحوار مستمر بين ما هو محجوب وما هو معرض للنور، مؤكداً أنه “ليس كل شيء قابلاً للمعرفة التامة”، وأن الجمال يكمن في هذا التراوح.
شمس البارودي: من “نجمة الإغراء” إلى “النقاب”
كانت حالة الفنانة شمس البارودي محوراً دالاً في المحاضرة. اعتبر الخشاب أن اسمها “شمس” يستدعي رمزية النور، وأن مسيرتها تمثل الانتقال بين “أقصى درجات الكشف” كجميلة للسينما في الستينات، إلى “أقصى درجات الحجب” بالنقاب.


ويرى الخشاب أن “النقاب” في المجال العام هو ظاهرة حديثة ومزلزلة؛ لأنه ينقل خصوصية “الفضاء المنزلي” إلى “الفضاء العام”، ويقطع الحوار بين الكشف والحجب. فالمنقبة في الشارع تقول للآخر “لا تراني”، وهذا في جوهره “نفي للسينما” القائمة على فعل النظر والضوء.
السينما الإيرانية: جمالية “السجادة” والقيود
في مداخلة لافتة رداً على أسئلة الجمهور، دافع الخشاب عن السينما الإيرانية، معتبراً إياها نموذجاً للمقاومة الجمالية. فرغم القيود الصارمة والحجاب الإلزامي، استطاع المخرجون الإيرانيون تقديم أفلام عميقة تستلهم “جماليات السجادة”؛ حيث الصورة مسطحة وبسيطة لكنها تفتح آفاقاً لما وراء الواقع. وأكد أن هذه السينما تنجح في الحفاظ على “حوار الكشف والحجب” من خلال الانفتاح على عوالم روحية خلف الصورة المرئية.
نقاشات حاشدة: السياسة، الدين، والجسد
شهدت الندوة مداخلات ثرية من الحضور عبر “زوم” وفي القاعة. تحدث الدكتور عماد ثابت عن البعد اللاهوتي للمقدس كـ “ظاهر وباطن” في آن واحد، مثنياً على الربط بين الفلسفة وصناعة السينما. كما تساءلت الدكتورة زينب التوجاني عن مدى قدرتنا على الهروب من “تسييس جسد المرأة” في ظل الصراعات الاجتماعية المعاصرة، مشيرة إلى أن الجسد يظل خطاباً سياسياً بامتياز.
من جهتها، طرحت الأستاذة أمل مداخلة حول “الزي كهوية”، متسائلة عما إذا كان غياب المحجبات عن الشاشة المصرية في الثمانينات قراراً واعياً من الدولة لمقاومة “الصحوة الإسلامية”. وعقب الخشاب بأن الدولة غالباً ما تسعى للسيطرة على الأجساد (Biopolitics) سواء بالتشجيع على العري في مرحلة ما بعد 1967 أو بفرض معايير معينة لاحقاً، مما يخلق أزمات اجتماعية عميقة.
خاتمة: السينما كممارسة روحية
اختتمت الندوة التي استمرت لقرابة الساعتين وسط انقطاع للتيار الكهربائي في القاعة، وهو ما علق عليه الحضور مازحين بأنه “جزء من عملية الحجب والكشف”. ووعد الدكتور وليد الخشاب بلقاءات قادمة تتناول “السينما كممارسة روحية”، مؤكداً أن الفن يظل هو المساحة الأرحب للتفاوض حول هوياتنا وتصوراتنا للعالم.
لقد نجحت ندوة “السينما بين الحجب والكشف” في تقديم قراءة مغايرة للواقع المصري والعربي، متجاوزة السطح الديني والسياسي لتصل إلى جوهر الفلسفة الجمالية، معيدة الاعتبار لـ “النسيج” و”الضوء” كأدوات لفهم أنفسنا ومجتمعاتنا.
لمشاهدة فيديوهات د. وليد الخشاب اضغط هنا
لمشاهدة كل فيديوهات كاتب وكتاب 2026 اضغط هنا
للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد