الهوية والشعر والمقاومة الثقافية… حوار إيهاب لُطيف مع نهلة هنّو… الجزء الثالث

بقلم: نهلة هنو

nah-21-1-3 الهوية والشعر والمقاومة الثقافية... حوار إيهاب لُطيف مع نهلة هنّو... الجزء الثالث

سلمى: أنا فلسطينية، وكلنا مررنا بمراحل تطور الوعي. كيف تطور وعيك بالقضية الفلسطينية، وما المحطات الرئيسية في رحلتك حتى أصبحت ناشطاً في الفلوتيلا؟ وهل تغيرت نظرتك للحلول؟

إيهاب: أنا طفل ستينات في مصر، من عائلة غير منخرطة سياسياً. تكويني كان من الإعلام الرسمي للدولة، قناتان وثلاث جرائد، وكانت القضية واضحة أبيض وأسود. لكن تكويني تطور مع الخبرات، ومع رغبتي في أن أكون مواطناً عالمياً. تطورت القضية من عاطفية قومية إلى قضية حقوقية إنسانية. يهمني أكثر قول نيلسون مانديلا: “لا أحد سيكون حراً ما دام الفلسطينيون ليسوا أحراراً”، أكثر من مقولة جمال عبد الناصر. وجود التعاطف مع الصهيونية في كندا زاد من إحساسي بالمسؤولية.

أيضاً، زوجتي الأولى أم أولادي فلسطينية من أبوين فلسطينيين، وعائلتها هاجرت إلى كندا، مما جعل القضية موجودة في البيت.

أما بالنسبة للحل، فأنا من أنصار أن حل القضية الفلسطينية هو خيار للشعب الفلسطيني وحده. اليوم، أرى أن حل الدولتين مستحيل، وأي حل مستحيل للأسف، ما لم تتغير جيوبوليتيكس العالم. يسيئني أننا كعرب، بما فيهم الفلسطينيون، لا نعرف تحديد الأولويات: هل الأولوية الصراع بين فتح وحماس، أم التحرر من الاحتلال؟ هذا العجز يقودنا من سيء إلى أسوأ.

سلمى: هل لمست في البيئة الغربية اختراقاً فعلياً للوعي بعد الإبادة الجماعية؟

إيهاب: الاختراق تم فعلاً. الشعوب في كندا وأوروبا أصبحت أكثر تعاطفاً مع الحق الفلسطيني مقارنة بما قبل أربع سنوات. لكن النتيجة العملية لم تظهر، بسبب تغلغل الحركة الصهيونية في الحكومات الغربية إلى درجة عميقة. هذا سبب لي إحباطاً، فالسؤال الذي تردد في ذهني: إذا كان هذا يحدث ونحن ننزل بالملايين، فمتى نرى تغييراً؟ لكنني تعافيت وجمعت قواي لأعمل ما أقدر عليه.


الدكتور محمد عيسى: كيف ترى مقارنة بين نشاطك في كندا وتقاعس جيلك في مصر؟ وما أسباب هذا الفرق؟

إيهاب: لاحظت في الألفينات بداية خمول الشعور بالمسؤولية تجاه الفلسطينيين، وظهر خطاب بأن مشاكلنا الاقتصادية سببها الانخراط في القضية. وظهرت مقارنات غير عادلة بين أوضاع الفلسطينيين في الشتات والمصريين الذين يغرقون في البحر. سمعت الكثير من الإشاعات والعنصرية ضد الفلسطينيين خلال فتح معبر رفح. هذا التحليل يعكس وهناً في القدرة على الرؤية والتحليل السياسي السليم في فترة مبارك، التي أعتبرها فترة نوم. لكن ما حدث في غزة أعاد الناحية العاطفية، للأسف لمجتمعات لا قوة لها. حتى أغنية “أخي جاوز الظالمون المدى”، رد فعل الأجيال الحديثة عليها يختلف، لكنهم بدأوا يفهمونها الآن.


ريم: هل تؤثر تجربة الهجرة في نصوصك الشعرية؟ وهل الكتابة للجمهور العربي من المهجر تختلف عن الكتابة من داخل الوطن العربي؟

إيهاب: تجربة الهجرة فريدة وتغير أشياء كثيرة، رغم أن البعض يهاجر ولا يغادر بلده الأم، وهو أمر مؤسف. الهجرة تمزق الإنسان بين عالمين، ويحتاج وقتاً ليتعلم كيف يبحر بينهما. لولا الهجرة، ما كنت لأصر على تحسين قدراتي في اللغة العربية الفصحى. هذا جزء من إصراري على الاحتفاظ بالتراث.

تجارب المهاجرين من جيل جبران وصلت للعرب وأثرت فيهم، لكن اليوم قد ينظر إليهم البعض كخونة تركوا المعركة. كان حلمي أن أنشر كتاباتي بالعربي، وحاولت في مصر لكن لأسباب سياسية لم أنجح، فصدرت في بغداد، وأنا سعيد بذلك. كتابي الذي يجمع أشعاراً بالفصحى والعامية المصرية على مدى ثلاثين سنة، صدر في العالم العربي. ربما الصدى بطيء، لكنه سيؤثر. كتبت مسرحية “عبور جبل طارق” بالإنجليزية عام 2005، تتناول فكرة رجل في مطار القاهرة يتساءل: يهاجر أم يبقى؟ ينقسم إلى شخصين، أحدهما يهاجر والآخر يبقى، وتتم المقارنة بينهما على عشر سنوات. سؤال “ماذا كنت سأفعل لو لم أهاجر؟” لا جواب له، فقط تخمين.


إيهاب: هذه القصيدة مستوحاة من أغنية غير مشهورة لديميس روسوس، اسمها “On the East Side”.

على الشاطئ الشرقي من عقلي

في الليل دروب لا تنام، صخرة تعلمت الكلام.
هناك صرح وهناك قبر، على الشاطئ الشرقي من عقلي.

على الشاطئ الشرقي من عقلي، جنحت فكرة، ارتطمت بالصخور، غرفت.
على الشاطئ الشرقي من عقلي، اقتلعت العاصفة ذكرى، سقطت وسط الرمال لكنها لم تمت.

تعال معي، تعال معي بلا خوف، واستمع إلى الروايات.
ستحكي لك الريح عن طرق مشيناها، على الشاطئ الشرقي من عقلي.

على الشاطئ الشرقي من عقلي، صور آلهة رحلت إلى نجم بعيد ولم تعد.
اسمعني، اسمعني وسترى، سترى أجساداً بلا روح، عبيداً وإماءً، على الشاطئ الشرقي من عقلي.

على الشاطئ الشرقي من عقلي، نقوش على وجه الصحراء لا نفهمها.
في الوديان اختنق الضوء، لا أعرف كيف ولا متى.

ماذا بقي هناك؟ مدن تحت الحصار، أميرة وقعت في الأسر، أطفال حفاة في أزقة ضيقة.
جزء منك، شيء مني… هذا ما ستجده، على الشاطئ الشرقي من عقلي.

أكتوبر 2022.


رانيا فهمي: ثلاثة أسئلة: هل كان هناك زملاء انهزموا نفسياً في الرحلة، وهل ساعدتهم؟ هل تشعر أنكم زققتم الباب ولو قليلاً؟ وما طبيعة حواراتك مع الصهاينة؟

إيهاب: في تركيا، شعرت بانهيار نفسي لدى أقلية من المئات، لكن الكل تعافى بسرعة. بعض الناس فكروا في احتمال الموت أو الإعاقات الدائمة. أما أنا، فحافظت على صفاء ذهني وارتفاع روحي، ورفضت أن يهينوني، لأنني كنت أعرف أني أعرض جسدي للخطر، وهم لا يستحقون أن يكسبوا شيئاً من إهانتي. كما تدربنا على مواجهة العنف بالسلم، وكيفية التعامل معه لتقليل الضرر وإظهار الخضوع مع الحفاظ على الكرامة.

بالنسبة لفتح الباب، أرى أننا وغيرنا، من خلال مقاطعة BDS والمقاطعة الأكاديمية والرياضية والفنية، نزق الباب وإن كان لا يزال مقفولاً. البديل الوحيد هو ألا نفعل شيئاً، وهذا غير مقبول.

أما حواراتي مع الصهاينة، فكثير منهم يحملون ندوباً عاطفية من الهولوكوست، موروثة أو معاشة. من الأفضل فهمهم بدلاً من اعتبار ذلك خطأً مطلقاً. في السجن، بينما كنت واقفاً عرياناً بعد نزع ملابسي، قال لي جندي: “البس هذه”، بينما كان الآخر يريد استمرار التعذيب. هذا الجندي الصهيوني، رغم جرائمه، ظهرت إنسانيته في لحظة معينة. هذا لا يقلل من إجرامه، لكنه يظهر تعقيد البشر.

واحدة ممن قطعتني بعد 7 أكتوبر عادت بعد سنة وقالت: “كنت مخطئة”، وعادت لنشاطها المؤيد لفلسطين، وهي تخدمت في الجيش الإسرائيلي. الحوار مع الصهاينة، بدون عار أو خجل، لا يضرنا بل يفيدنا، ويمكن أن يغير فيهم. في دوائر النشاط، مشكلة كبيرة هي محاولة إحراج الآخرين إذا لم يفعلوا ما تعتبره أنت الأفضل. هذه المشكلة موجودة في العالم العربي أيضاً.


إيهاب: أسرع مدخل لتغيير رأي الناس هو الفن. أعمال مثل فيلم “صوت هند رجب” التونسي بيقطع القلب، وهناك أعمال فلسطينية كثيرة تؤثر بعمق. مريم تولر في تورونتو، مغنية وعازفة، تغني كلماتي وتؤثر في المجتمع. كل أداة نافعة يجب استخدامها. العمل الفني مدخل رهيب للمجتمعات.

إيهاب: نعم، غباء إسرائيل جعلها تمضي في وجهها، والناس كلها ترى. بعض النواب العرب ككريم برديسي في تورونتو أو فيصل خوري في مونتريال، أصبحوا يهربون من اللقاءات. لكن هناك أيضاً سلمى زاهد في الحزب الليبرالي ترفع راية القضية الفلسطينية بشرف.


إيهاب: على الشط نسمة، في البحر نغمة، في الهوى غنوة والغنوة عيشانا. وإنت يا مارية، أنت اللي شغلانة، وبقولها من قلبي: ضحكتها أسرانا، شفايفها ندهانا. شفناها على الكورنيش، سحرتنا من جوا، وأدي إحنا ماشيينها، دنيا وعايشينها، سكة وراضينها. مهما الزمن عدى، مهما السفر أخذناه، دايمًا بتمنى نرجع لها ليلة، نرجع لها ثانية، أصل إحنا عاشقينها. بغني وأتمنى خليك فاكرنا، يا عايشة جوانا مهما الدروب طالت، مهما البلاد غارت، مهما الطريق ودى، في الآخر المكتوب نوصل لها هي، نحلف لها هي الحب هو أنت، يا إسكندرانية.

جمال: أشكر نهلة على جهودها وإدارة الجلسة، وإيهاب على إمتاعنا وإيلامنا أيضاً بالألم. نلتقي في لقاءات قادمة.

للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات