عبرة الألباب من حياة توسان فتح الباب (٤) بقلم: أكمل صفوت
تنشر “تفكير” سلسلة د. أكمل صفوت عن ثورة العبيد في هايتي، في تسع حلقات، تُنشر حلقة جديدة أسبوعيًا.
السلسلة مستوحاة من بودكاست The Age of Napoleon، وتقدم قراءة مبسطة لأحداث الثورة وخلفياتها ودلالاتها التاريخية.
بقلم: أكمل صفوت
طبيب استشاري علاج الأورام بمستشفى جامعة أرهوس بالدانمرك، ومن المهتمين بالفكر الديني والإسلام السياسي وهموم المصريين في المهجر.

جيش الخلاص
المجموعات المختلفة المتفرقة من الثوار بدأت تتجمع وتتحد لحد ما شكلت حاجة تشبه الجيش، والحقيقة أن على نهاية ١٧٩١، يعنى بعد أقل من ٣ شهور من الثورة كان الجيش ده بقى له قيادة موحدة وبدأوا بالفعل يتقسموا لفرق ويعملوا رتب عسكرية ويدوا القيادة لأي حد منهم عنده خبرة عسكرية أو أظهر موهبة قيادية أو قتالية. اختلف التقدير لتعداد الجيش بحسب المصادر التاريخية ناس قالت ٢٠ ألف وناس وصلت بالرقم لحد ٨٠ ألف مقاتل.
الثورة بدأت في الشمال الخصب اللي فيه مزارع القصب وأكبر عدد للعبيد وبعدها بدأت قوات جيش الثورة تتحرك جنوبا. عرفت قوات الثورة تدخل أكتر من مدينة وتستولي على سلاح الميليشيات البيضاء المتخزنة فيها فبقت قوات الثورة متفوقة في العدد والسلاح.

بعد ما عنصر المفاجأة اختفى اتحصنت قوات المستعمرين في المدن الساحلية بعد ما أدرك الحاكم الفرنسي انه مش حيعرف ينتصر على قوات الثورة لو دخل معاها في معركة على أرض مكشوفة.
حصار واقتحام المدن الساحلية المتحصنة أمر صعب، محتاج مدفعية وتكتيكات عسكرية ماكانتش متوفرة لجيش الثوار فحصلت حالة سكون في القتال.
الهدنة غير المعلنة دي كانت مع الوقت في غير صالح الثوار، أثناء الهدنة أعلن البيض الكبار قبولهم لقرار باريس إن السمر يتسمح لهم يمثلوا هايتي في الجمعية الوطنية فحصل تحالف بين البيض والسمر ضد السود، وفي نفس الوقت وصل لشواطئ هايتي أسطول فرنسي فيه آلاف من الجنود الفرنسيين وبعثة من ٣ سياسيين كان الهدف منها التوسط لحل المشاكل بين البيض والسمر وماكانش عندهم أدنى فكرة عن اللي حصل في هايتي وهم في الطريق. طبعا الجنود دول انضموا لقوات الحاكم الفرنسي والمستعمرين. وزاد على كل ده ان قوات الحاكم العسكري زودت من تحصينات العاصمة والمدن اللي بتتحكم في الطريق اللي بيوصل شمال الجزيرة بجنوبها وحطت قوات الثورة في وضع صعب عسكريا.
الوضع بقى مقلق والشك في مستقبل الثورة بدأ يتسرب لنفوس الناس والصورة بدأت تبان مظلمة.
ب ألف … وب ألف.. تبقى إيه؟
في الوقت ده كان توسان عايش في معسكر المقر الرئيسي لواحد من قادة الثوار الرئيسيين، جورج بياسو. توسان كان الدكتور والمستشار السياسي والدبلوماسي الوحيد بالإضافة إلى كونه قائد عسكري. في الوقت ده، كان توسان تقريبا بطل يستخدم لقب “بريدا” اللي كان مشهور به وهو عبد.
الثوار كانوا بيسموه “بابا” توسان. وده كان دليل على الاحترام والمودة، وكمان بسبب عمره لأن دي كانت ثورة شباب وكتير من قادتها كانوا في أوائل العشرينات من عمرهم. بالنسبة لهم توسان (اللي كان فوق الخمسين)، كان كبير كفاية انه يكون والدهم حرفيًا.
في أواخر عام 1792. كان توسان وزير الخارجية الفعلي لحكومة الثوار ومع وصول الحرب إلى طريق مسدود، أصبح مستقبل الثورة معتمد بشكل متزايد على التفاوض والمناورة السياسية، ودول كانوا حاجتين توسان بيجيد استخدامهم.
قيادة الثورة عرضت صفقة على المستعمرين وكانت صفقة معتدلة ومصالحة بشكل مدهش. عرضوا إنهاء التمرد ورجوع رجالهم للمزارع والعمل في مقابل العفو العام عن المشاركين في الثورة، ونظام قانوني أفضل لمعاملة العبيد وفرصة لمغادرة هايتي إلى الأبد لخمسين من كبار قادة الثورة لتجنب الأعمال الانتقامية.
مؤرخين كتير ناقشوا الأساس المنطقي وراء العرض ده. وهل هو عرض جاد وسببه إن الوقت كان ضدهم، ولا دي كانت مناورة سياسية، لأنهم كانوا عارفين إن العرض ده مش حايتقبل أبدًا بغض النظر عن مدى سخاء الشروط.
ليه كانوا عارفين ان العرض حايترفض؟
لأن ديناميكية السيد والعبد اللي هي علاقة هيمنة كاملة، في عقل المستعمرين البيض مفيش فيها مجال للتفاوض. قبول شروط المتمردين مهما كانت معتدلة تتعارض مع مؤسسة العبودية والتسلسل الهرمي العنصري، لأنها حاتكون اعتراف ضمني بإنسانية الثوار السود ووكالتهم عن نفسهم. ولو المستعمرين قبلوا بده، فلا يمكن إن الأمور ترجع لما كانت عليه قبل الثورة.
عرض اقتراح براغماتي معتدل كان فخ سياسي، هدفه شق صف المستعمرين لأن “المعتدلين” من البيض والسمر واللي ماعندهمش مزارع وعبيد وفلوس، كانوا عايزين الصراع يخلص وخايفين من إهدار فرصة بشروط جيدة زي دي. كمان كان هدف عرض زي ده المساعدة في تحويل السردية السائدة حوالين الثورة من حركة عنف وانتقام من متوحشين سود إلى حركة سياسية جادة لها رؤية إيجابية. وده شيء كان الثوار محتاجينه في محاولتهم التفاوض للحصول على دعم مع قوى سياسية عالمية ثانية.
والحقيقة ان الطريقة دي في التفكير والمناورة السياسية بتنطبق بشكل كبير على أسلوب توسان.
بالفعل رفض المستعمرون الصفقة فورا ورجعت الحرب تشتعل من جديد. الثوار كانوا مسيطرين على معظم المناطق الداخلية الوعرة من البلاد بما في ذلك الحدود الشرقية لهايتي اللي هي مستعمرة سانت دومينغو الإسبانية (جمهورية الدومينيكان الحالية). سانت دومينغو كانت أكبر فى المساحة من هايتي، لكنها كانت أفقر بكثير وأقل خصوبة، وكانت حكومة إسبانيا عينها دائما على هايتي. ونفسها تحل محل الفرنسيين كموردين رئيسيين للسكر إلى أوروبا.
العبيد الثوار بدأوا تفاوض مع الإسبان علشان ياخدوا منهم دعم. طبعا الإسبان استعبدوا الناس برضه، لكن إضعاف فرنسا كان من مصلحتهم فقبلوا -بشكل غير رسمي- يدوا الثوار الهايتيين أكل وبنادق وذخيرة، وممر آمن للتجارة مع البريطانيين والهولنديين والأمريكيين.
لكن ثوار هايتي كانوا محتاجين أكتر من كده علشان يقلبوا ميزان القوة لصالحهم، بس علشان يعرفوا يحصلوا على اللي محتاجينه كان لازم يقوم زلزال سياسي، وده بالظبط اللي حصل يوم ٢١ يناير سنة ١٧٩٢.
حصل إيه؟ حنشوف بكرة…
يتبع…
المصدر الرئيسي ومزيد من المعلومات موجودة فى بودكاست “عصر نابوليون” “The age of Napoleon”
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد