لجنة مصحف المدينة: من طباعة 1984 إلى المصحف الرقمي… من يملك سلطة النص؟

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 لجنة مصحف المدينة: من طباعة 1984 إلى المصحف الرقمي... من يملك سلطة النص؟

القاهرة – نور البطاوي

عقدت أكاديمية تفكير الجلسة الثانية من دورتها «تاريخ القرآن» لموسم 2026/2027، وتناولت بالتحليل والتوثيق قصة تشكّل «مصحف المدينة المنورة» الذي أصدره مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في منتصف الثمانينيات، في سياق سياسي إقليمي بالغ التعقيد، وبخلفية من الصراعات المعرفية والدينية التي أعقبت الثورة الإيرانية واحتلال الحرم المكي.

أدار الجلسة مؤسس الصالون جمال عمر، الذي استهلها بالكشف عن قائمة عناوين مقالات المشاركين في الدورة، موضحاً أن كل دارس ودارسة مطالب بمقال لا يقل عن ألف كلمة، وأن الجلسة ستبدأ بعرض فكرتي مقالين: الأول لأسماء زكي عن «تاريخ المصحف الديجيتال»، والثاني لأكمل صفوت عن «تبعات طباعة النص المقدس: دراسة مقارنة بين الإنجيل والقرآن».

المصحف الرقمي: إتاحة أم فقدان للسلطة؟

طرحت أسماء زكي فكرة مقالها الذي يستكمل خيطاً بدأته في دورات سابقة عن جمع القرآن في عهدي أبي بكر وعثمان، ثم عن انتشار القراءات بعد الجمع، لتنتهي هذه المرة إلى المصحف الرقمي. وقالت إن السؤال الذي يشغلها هو: كيف تحدد البرمجيات والتقنيات الرقمية شكل المصحف الذي يظهر للمستخدم؟ فالمسألة ليست مجرد مسح ضوئي للصفحات، بل تحويل النص إلى بنية رقمية تخضع لقيود تقنية ومحددات برمجية قد تفرض اختيارات معينة.

وأشار جمال عمر إلى أن هذا الموضوع يثير أسئلة عملية: هل ستتضمن الدراسة النسخ الصوتية للمصحف؟ وهل ستتناول المصاحف المكتوبة بالرسم الإملائي المعاصر التي تتيحها بعض المنصات الرقمية؟ ولفت إلى أنه اعتمد في تحقيق كتاب «الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن» على نسخة مصحف مكتوبة بالخط القياسي، لتسهيل القراءة على متعلمي العربية كلغة ثانية، دون الحاجة إلى تعلم قواعد التجويد.

وتدخل أكمل صفوت مشيراً إلى أن الطباعة نفسها كانت ثورة في «الإتاحة»، وأن الإنترنت أضاف طبقة جديدة ليس فقط للنص بل لأدوات البحث داخله، مثل إمكانية جمع الآيات التي تتضمن كلمة معينة. لكن أسماء ردّت بأن الإتاحة الرقمية ليست مطلقة: فهي مشروطة بالوصول إلى التكنولوجيا والقدرة المادية، خاصة في مناطق كثيرة من أفريقيا. وأضافت أن الإتاحة الرقمية أتاحت لأي شخص أن ينتج «مصحفاً» رقمياً، دون المرور بلجنة مراجعة أو تصريح رسمي، وهو ما يطرح سؤالاً حول المرجعية والتحقق.

وتساءل محمد عن مدى صحة هذا القلق، معتبراً أن التطبيقات الرقمية عادة ما تعتمد على نسخ ورقية معتمدة ومراجعة مسبقاً. لكن أسماء أوضحت أن المسألة ليست بهذه البساطة: فحتى النسخ الرقمية المأخوذة عن مصاحف ورقية تواجه مشكلات تقنية في محاكاة الرسم العثماني، مثل التنوين والعلامات الضبطية، وقد وثّق المطورون أنفسهم هذه المشكلات وطريقة حلها، دون أن يكون واضحاً دائمًا من راجع النص النهائي أو أقرّ مطابقته.

الطباعة تخلق نصاً جديداً

قدّم أكمل صفوت فكرة مقاله الذي ينطلق من تصور أن «الطباعة مش الكتابة»، وأنها «بتخلق حاجة جديدة»، لها تبعات بالذات عندما يتعلق الأمر بكتاب مقدس. وأشار إلى أن طباعة الإنجيل كانت لها تبعات دينية واجتماعية ونصية عميقة في تاريخ أوروبا، وأن كتاب «تاريخ المصحف» الذي تدرسه الدورة يصف بدقة كيف أثرت طباعة القرآن على النص الشفاهي، ونوع الاختيارات التي واجهتها اللجان.

وقال إن عنوان مقاله المبدئي هو «تبعات طباعة النص المقدس: دراسة مقارنة بين الإنجيل والقرآن»، وينقسم إلى جزئين: التبعات على النص، والتبعات على الدين والمجتمع والجماعة المتدينة. وأشار إلى تفصيلة «طريفة لكن مهمة»: أن تقسيم الفصول وترقيم الآيات وعلامات الفصل، كلها قد يكون لها تأثير على فهم الدين والجدل داخله، وعلى آثار اجتماعية بعد ذلك.

ورداً على سؤال لريم عن كيفية خلق الطباعة لنص جديد، أوضح أكمل أن الإنجيل مختلف عن القرآن في طبيعته، إذ كان مترجماً عن اليونانية عن لغات أخرى، ثم من اليوناني إلى اللاتيني ثم إلى اللغات الحديثة، وأن لجان ترجمة الأناجيل ما زالت ترجع إلى النصوص الأصلية العبرية واليونانية. أما القرآن ففيه اختيارات، كاختيار قراءة معينة تثبت كلمة قد ترد في قراءة أخرى بصيغة مختلفة، وكذلك مواضع الفصل والوقف التي قد تغير المعنى.

وشدد على أنه لا يقصد أن الطباعة «تطلع كتاب مختلف تماماً بالكلية»، بل إن «النسخة المكتوبة غير النسخة المطبوعة خالص في كل حاجة، حتى من ناحية فهمها». فالنسخة المكتوبة كانت «حرزاً» يحتفظ به، بينما أصبحت المطبوعة «حاجة الواحد بيحطها في جيبه وهو قاعد في المترو». وأضاف: «ده كائن مختلف، ده كيان مختلف»، فليس الأمر مجرد اختلاف في المحتوى، بل في «المنتج نفسه».

إنجيل محفوظ في الكنائس… وقرآن في الكتاتيب

لفتت نهلة إلى أن حركة الإصلاح البروتستانتي جاءت بعد الطباعة، عندما بدأ الإنجيل ينتشر ويقرأه عدد أكبر، بعد أن كان متوفراً للأساقفة في الكنائس فقط. لكنها رأت فرقاً في حالة القرآن، لأن الناس كانت تحفظه، ولأن الكتاتيب كانت موجودة من زمان، فكان متاحاً حتى قبل الطباعة بشكل مختلف.

ووافق أكمل على ذلك، مشيراً إلى أن الإنجيل كان مكتوباً باللاتيني، وأن ترجمته إلى الألمانية جاءت بعد مارتن لوثر، وأن ترجمات إنجليزية سبقت لوثر بنحو خمسين عاماً على الأقل. وأضاف أنه لفت نظره في كتاب «الأيام» لطه حسين أن طه حسين، رغم كونه ضريراً في قريته، تعرض لكثير من الكتب، لكنه لم يتعرض للقرآن، لأن «القرآن ما كانش بتتم التعامل معه بالشكل ده».

ورأى محمد ياسين أن الأصل في النص القرآني هو «التنقل الشفوي»، حتى في الكتاتيب: «لم يكن الأصل أن تقرأ لوحدك، لازم الشيخ هو اللي يقرئك». وأشار إلى أن الحفظ نفسه تغير بعد الطباعة، لأن «مكان الآية في الصفحة» أصبح مرتبطاً بالحفظ، فمن يحفظ من المصاحف المصرية (830 صفحة) يختلف عن من يحفظ من مصاحف المدينة (600 صفحة). كما ذكر أن الشيخ محمد رفعت كان رافضاً في البداية لتسجيل القرآن في الإذاعة، معتبراً أن «الإتاحة» تقلل من قيمة النص وقداسته.

الفصل الثاني: من الرياض 1982 إلى المدينة المنورة

قدّم محمد وحيد ملخصاً للفصل الثاني من الكتاب، واصفاً السياق السياسي الذي أحاط بإنشاء مجمع الملك فهد. ففي يونيو 1982 تولى الملك فهد الحكم خلفاً لأخيه الملك خالد، في وقت كانت المنطقة تشهد تحولات كبرى: الثورة الإيرانية سنة 1979 وخطط تصديرها، واحتلال الحرم المكي في العام نفسه، والحرب الإيرانية العراقية، والاجتياح الإسرائيلي للبنان، والقطيعة مع مصر بعد معاهدة السلام.

وفي هذا السياق، سعى الملك فهد إلى ترسيخ موقع الدولة السعودية ومكانتها الدينية، فغيّر اللقب الرسمي من «صاحب الجلالة» إلى «خادم الحرمين الشريفين»، ودعم تيار الصحوة، ووسّع الحرمين، وأطلق مشروع طباعة المصحف كأداة للوصول إلى المسلمين في العالم. وفي أكتوبر 1982، بعد نحو أربعة أشهر من توليه الحكم، وضع حجر الأساس لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف في المدينة المنورة.

ولفت محمد وحيد إلى مفارقة: المصحف الذي طُبع بقراءة حفص عن عاصم، وهي قراءة شائعة في الكوفة، بينما كانت القراءة الشائعة في المدينة قديماً هي قراءة نافع بروايتين، وقراءة أبي جعفر بروايتين. ثم اكتشف أن قراءة حفص كانت شائعة في نجد منذ القرن الثاني عشر الهجري، وأن الوهابيين كانوا يتبنونها أيضًا، فلم يكن هناك تناقض حقيقي بين الدولة العثمانية والحركة الوهابية في هذا الشأن.

وتحدث عن اللجنة التي أشرفت على المصحف: ستة عشر عضوًا، بينهم خمسة سعوديين (ثلاثة إداريين وعالمان)، وسوداني واحد، وعشرة مصريين، جميعهم من الأزهر. وكشف أن خمسة من أعضاء اللجنة العلمية من المنوفية، وأن أربعة منهم من قويسنا وتتلمذوا على الشيخ مصطفى العروسي، مما دفع بعضهم إلى وصف المصحف بـ«مصحف المنوفية». وأشار إلى أن تسعة من ثلاثة عشر عضوًا علميًا تتلمذوا على الشيخ أحمد عبد العزيز الزيات، ما يطرح سؤالًا حول نسبة المصحف إلى الزيات بدلًا من المدينة المنورة.

نتاشا: الطباعة كأداة سياسية

قدّمت نتاشا ملخصًا ركّز على البعد السياسي، فربطت بين إنشاء المجمع وبين التقارب المصري السعودي بعد 1987، وعصر البترودولار، والخطر الشيعي الذي تصاعد بعد الثورة الإيرانية واحتلال الحرم. ولفتت إلى أن المصحف الذي يحمل اسم «المدينة المنورة» يعتمد في جوهره على مصحف 1924 مع تعديلات، وأن اختيار قراءة حفص عن عاصم، القادمة من الكوفة، يثير سؤالًا عن العلاقة بين اسم المدينة وواقع القراءة.

وأشارت إلى أن الكتاب يرصد أسماء أعضاء اللجنة وتواريخ ميلادهم ووفاتهم ووظائفهم، ويعرض صورًا للمصحف وتوقيعات اللجنة ووثائق الافتتاح. ولفتت إلى كلمة الملك فهد في الافتتاح التي قال فيها إنه «يعمل جاهدًا في سبيل إعلاء كلمة الدين وإحلال عقيدة السلف الصالح»، معتبرة أن هذا يؤكد أن المشروع كان أداة لنشر عقيدة معينة، مع ما يعنيه ذلك من إقصاء للفكر المعتزلي أو الصوفي أو الأشعري. كما أشارت إلى أن الملك فهد وزّع «شيكات» على أعضاء اللجنة في حفل الافتتاح، وهو ما أثار تعجبها.

ورد جمال عمر على ملاحظة الشيكات بأن هذا مرتبط بعادات وتقاليد عربية خليجية، حيث يُقدَّم العطاء في العلن كتعبير عن التقدير والكرم، وليس بالضرورة شراءً للذمم.

قراءة حفص: بين الكوفة والمدينة

أثارت نتاشا سؤالًا حول اختيار قراءة حفص عن عاصم لمصحف يحمل اسم المدينة المنورة، مع أن قراءة المدينة كانت قراءة نافع. فرد جمال عمر بأن قراءة نافع مرتبطة بالمذهب المالكي، الذي انتشر في شمال أفريقيا، بينما أهل نجد يتبعون المذهب الحنبلي، ولذلك لم يكن هناك تناقض لديهم في تبني قراءة حفص. وأضاف أن قراءة حفص كانت الأكثر انتشارًا في العالم الإسلامي بفضل الدولة العثمانية، فاختيرت لأسباب عملية تتعلق بالإتاحة والتوافق.

وتدخل أكمل صفوت قائلًا إن اختيار حفص قد يكون مقصودًا ليكون المصحف مقروءًا في الأوساط الشيعية أيضًا. لكن جمال عمر ردّ بأن هذا الاختيار يعود إلى لجنة 1924 قبل أن يعود إلى الملك فهد، وأن لجنة 24 كانت تضم سنة وشيعة، ولجنة 52 أضافت عضوًا إباضيًا، في محاولة لتمثيل أوسع طيف ممكن.

جذور القراءات: لهجات وصراعات

توسعت الجلسة في مناقشة جذور القراءات وعلاقتها باللهجات. وطرح علي دياب سؤالًا عن الكسائي، القارئ الكوفي الذي يُنسب إليه الهمز، وكيف أن أهل الحجاز لم يكونوا يعرفون الهمز رغم أن القرآن نزل في جزيرة العرب. فرد جمال عمر بأن اللهجات كانت متعددة ومؤثرة حتى في نطق القرآن، وأن أهل الحجاز كانوا يخففون الهمز، بينما أهل الكوفة كانوا يحققونه، وأن هذه الاختلافات ليست حادثة بعد النبي، بل كانت موجودة في عهده، مستشهدًا برواية عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم.

وأضاف أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأن الاختلاف في اللهجات كان جزءًا من طبيعة النقل الشفاهي، وأن القبائل كانت تنقل القرآن بلهجاتها، فتعددت القراءات. وأشار إلى أن كتاب «لغات القرآن» يرصد هذه الظاهرة، حيث تحمل الكلمة نفسها دلالات مختلفة حسب القبيلة، فضرب مثلًا بكلمة «بيت» التي تعني المنزل كله في مصر، وغرفة النوم في المغرب.

وتدخلت نتاشا مشيرة إلى أن مصحف عثمان نفسه لم يكن خاليًا من الاختيارات اللهجية، مستشهدة باختيار لغة قريش عند الاختلاف، وبرواية «التابوت والتابوه». وأكد جمال عمر أن هذا صحيح، وأن مصحف عثمان كان «اختيارًا من متعدد» مثله مثل أي عملية توحيد للنص.

التحجيم والسلطة: من عثمان إلى عبد الفتاح القاضي

انتقل النقاش إلى الدور الذي لعبته المؤسسات في «تحجيم» التعدد القرائي. وأوضح جمال عمر أن القراءات العشر لم تُعتمد دفعة واحدة، بل تم حصرها تدريجيًا: أولًا سبع قراءات في كتاب ابن مجاهد في القرن الرابع الهجري، ثم أضاف ابن الجزري ثلاثًا في القرن الثامن، فصارت عشرًا. وشدد على أن هذه القراءات لم تستوف دائمًا الشروط الثلاثة التي وضعها ابن الجزري: موافقة الرسم العثماني، وموافقة العربية ولو بوجه، وصحة السند.

وتحدث عن الشيخ عبد الفتاح القاضي، رئيس لجنة المصاحف في مصر، الذي لعب دورًا محوريًا في نقل المعرفة القرائية إلى السعودية. فبعد تقاعده سنة 1967، تعاقدت معه الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سنة 1974 لإنشاء قسم القراءات في كلية القرآن الكريم، فانتقل ومعه تلامذته وزملاؤه من مصر، وكانوا الأساس المعرفي للقراءات في السعودية.

وكشف جمال عمر عن صراع حاد داخل مؤسسة القراءات المصرية بين الشيخ عبد الفتاح القاضي والشيخ عامر السيد عثمان من جهة، والشيخ إبراهيم شحاتة السمنودي من جهة أخرى، حول تدريس «التحريرات» وهي اختيارات شخصية في وجوه القراءة. فقد رأى القاضي وعثمان أن تدريس التحريرات يفتح الباب للتشكيك والصراعات، فمُنع الشيخ السمنودي من التدريس، وأُبعد إلى بلدته سمنود، وعاش فقيرًا بعد أن فقد بصره في الثلاثين من عمره، ومنع عنه حتى معاشه.

لكن المفارقة، كما قال جمال عمر، أن السعودية احتضنت تراث السمنودي بعد وفاته سنة 2009، وأعادت طبع أعماله، وأصبح يُدرَّس في معاهد القراءات هناك تحت اسم «التحفة السمنودية»، بينما ظل منعه قائمًا في مصر. وهذا يطرح سؤالًا حول العلاقة بين السلطة المعرفية والسياسية، وكيف تنتقل مراكز الثقل العلمي من مكان إلى آخر.

المعرفة والسلطة والثروة: سؤال مفتوح

في ختام الجلسة، عاد أحمد خفاجي إلى سؤال العلاقة بين المعرفة والسلطة والثروة، متسائلًا: هل لا يزال هذا التشابك قائمًا حتى اليوم؟ فرد جمال عمر بأنه قائم بلا شك، وأن الدولة السعودية منذ نشأتها سنة 1932 كانت دولة أيديولوجية تقوم على عقيدة معينة، وتحاول أن توازن بين القبيلة والعقيدة، وبين نجد والحجاز، وبين السنة والشيعة، وأن مشروع طباعة المصحف كان جزءًا من هذا التوازن.

وأشار إلى أن الصراع مع الحوثيين في اليمن، وهم من الزيدية، هو امتداد لصراع قديم بين السعودية وإيران، وأن «السلفنة» التي شهدتها اليمن منذ الستينيات كانت جزءًا من هذا الصراع. ولفت إلى أن السعودية منذ 2010 تحاول التراجع عن بعض سياسات «الأخونة» التي تبنتها في السبعينيات، عندما استقبلت إخوانًا مصريين مثل محمد قطب والشيخ محمود شاكر، الذين شكلوا بنية المنظومة التعليمية في السبعينيات والثمانينيات.

وتساءل علي دياب عن علاقة كل هذا بموضوع المصحف، فرد جمال عمر بأن المصحف كان دائمًا أداة في هذه الصراعات: من مصحف عثمان الذي وحّد المسلمين على قراءة واحدة، إلى مصحف 1924 الذي أراد الملك فؤاد من خلاله أن يظهر إسلامية الدولة المصرية في مواجهة سقوط الخلافة، إلى مصحف المدينة الذي أراد الملك فهد من خلاله أن يظهر إسلامية الدولة السعودية في مواجهة الثورة الإيرانية.

خاتمة: النص بين الاختيار والضرورة

انتهت الجلسة إلى خلاصة مفادها أن المصحف الذي بين أيدينا اليوم، سواء كان مطبوعًا أو رقميًا، هو نتيجة سلسلة طويلة من الاختيارات البشرية التي اتخذتها لجان متعاقبة، تحت ضغوط سياسية واجتماعية واقتصادية، وأن دراسة تاريخ المصحف ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة لفهم كيف تشكل النص المقدس، وكيف تحول من خطاب شفوي إلى كتاب مطبوع، ومن كتاب مطبوع إلى نص رقمي.

وأعلن جمال عمر أن الجلسة القادمة ستتناول «التقرير» الذي وضعه مجمع الملك فهد في نهاية مصحف المدينة المنورة سنة 1984، والذي يوثق طريقة عمل اللجنة واختياراتها، مؤكدًا أن الدورة ستستمر في تفكيك هذا التاريخ، طبقة بعد طبقة، دون أن تدّعي لنفسها سلطة إصدار الأحكام النهائية، بل سلطة طرح الأسئلة وفتح أبواب النقاش.

للاستماع إلى تسجيل صوتي للجلسة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا.

لمشاهدة تسجيل فيديو الجلسة اضغط هنا.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

إرسال التعليق

ندوات