عبرة الألباب من حياة توسان فتح الباب (٦) بقلم: أكمل صفوت

طبيب استشاري علاج الأورام بمستشفى جامعة أرهوس بالدانمرك، ومن المهتمين بالفكر الديني والإسلام السياسي وهموم المصريين في المهجر.

أكمل-صفوت-2025-817x1024 عبرة الألباب من حياة توسان فتح الباب (٦) بقلم: أكمل صفوت

إزاي .. ماعرفش

يوم ٢٩ أغسطس سنة ١٧٩٣ أصدر سانتاناكس قرار بإلغاء العبودية في منطقته أولا وبعدين في كل هايتي. القرار كان مفاجئ لدرجة ان حتى توسان اللي كان بيفاوض الفرنسيين على الطلب ده تحديدا، ماصدقش وافتكر الأمر خدعة. 

التأثير المباشر للقرار ده كان انقسام في معسكر الثوار، بالنسبة لتوسان فرنسا كده أثبتت وجهة نظره انها الحليف الأمثل والطرف الأولى بدعمه والتعاون معاه من إسبانيا. بالنسبة للجنرالات التانيين، هم كانوا راضيين بالصفقة مع إسبانيا زي ماهي. 

قرارات سانتاناكس كان لازم يتصدق عليها في باريس. فرنسا في الوقت ده كان بيحكمها جناح اليعاقبة اليساري الثوري اللي كتير من رموزه كانوا -قبل الثورة- أعضاء في حركة إلغاء الرق، وبالتالي باريس مش بس صدقت على القرار لكن كمان أصدرت مرسوم بتعميمه على كل المستعمرات الفرنسية. 

في هايتي قوانين سانتاناكس كانت بتدي العبيد الحق في ربع ربح المزارع اللي بيشتغلوا فيها والحاكم العسكري الجديد اللي كان اسمه إتيان لافو كان بيبعت جنوده يشرفوا على تنفيذ القرار بقوة السلاح.

كل ده حسم الأمر بالنسبة لتوسان اللي أخد جنوده وانضم لقوات الجمهورية الفرنسية ضد الإنجليز والإسبان والمستعمرين البيض والسمر اللي اتحالفوا معاهم. 

فيه هنا تفصيلة طريفة مش قادر ماأحكيهاش لأنها رغم هيافتها بتوضح برضه الإمكانيات الدبلوماسية لتوسان. وهي أن توسان قدر يخدع ويقنع السلطات الإسبانية في سانت دومينجو تفضل تبعت الرواتب له ولفرقته وتمدهم بالسلاح لمدة شهور بعد انفصاله عن إسبانيا وتحالفه مع القوات الفرنسية !!  ازاي…. ماعرفش. 

ثمن الحرية

بعد انضمام توسان بجنوده لجانب فرنسا، كتير من السود عملوا زيه. لأن طبعا الناس اللي كانت بتحارب علشان تحصل على حريتها كانت لسه مستعدة تحارب علشان تحافظ عليها. 

المؤرخين عادة بيعتبروا إن أحد أهم أسباب النجاح المبهر للجيش اللي حكومة الثورة الفرنسية عملته أثناء حرب التحالف الأولى واستمر بعدها، هو إنه كان بيتجسد فيه مفهوم “الجندي المواطن” اللي بيدافع باستماتة وعن اقتناع عن دولته القومية. قبل كده كان الجنود بيتاخدوا سخرة وغصب علشان يحاربوا في جيوش أسيادهم النبلاء وكانت نسبة الهروب من الجيوش في أوروبا وقتها اكتر من ٣٠% (بالمناسبة خالد فهمي ذكر نسبة هروب مشابهة من جيش محمد علي). لدرجة أن تكتيكات تحرك القوات كانت مصممة بحيث تقلل فرص هروب الجنود أثناء انتقالهم لمكان المعركة.

بس أنا رأيي أن جيش توسان كان نموذج تاني لجيش بيحارب بنفس روح الجنود المواطنين حتى من قبل ما يتبلور في ذهنهم مفهوم الدولة القومية. 

توسان-مع-إتيان-لافو عبرة الألباب من حياة توسان فتح الباب (٦) بقلم: أكمل صفوت
تفصيل من لوحة قديمة يظهر توسان مع إتيان لافو

بعد انضمام توسان لجانب فرنسا سنة ١٧٩٤ حاجات كتير اتغيرت، يمكن أهم حاجة ان توسان لقى شريك سياسي حقيقي وله نفوذ وهو الحاكم العسكري والإداري الجديد إتيان لافو. لافو كان من أسرة أرستقراطية لكنه كان مستنير فعلا ومخلص لمبادئ الثورة الفرنسة وللجناح اليساري الراديكالي فيها. التعاون اللي كان بين الإثنين دول كان مثمر وفعال والإثنين ربطت بينهم صداقة عميقة. 

كمان جيش الثوار بقى عنده مدفعية وسلاح فرسان ومركز لإدارة العمليات العسكرية (اختراع فرنسي غير موازين الحروب من بعدها). توسان بقى عنده إمكانية الاطلاع على منشورات وتكتيكات وإرشادات تدريب الجيش الفرنسي، واستوعبها كلها. كان نتيجة ده إنه غير أسلوب حرب العصابات اللي كان مشهور به وبدأ يقدر يهزم القوات الإسبانية والإنجليزية في معارك مفتوحة. كان بيقود جنوده من المقدمة لدرجة إنه على مدار حياته أصيب في المعارك ١٧ مرة مختلفين. 

المعارك على الجبهة الإسبانية انتهت لما حصل تطور في الحرب في أوروبا. القوات الفرنسية في أوروبا هزمت القوات الإسبانية وهددت إسبانيا فاضطرت إسبانيا تسحب كل قواتها من هايتي وتسيب حتى مستعمرة سانت دومينيجو لفرنسا.

إنجلترا كانت بعتت ٢٠ ألف جندي لهايتي في ١٧٩٣ وقدرت تستولي على بعض المدن الساحلية في الغرب بس عمرها ماعرفت تخترق بقواتها في عمق هايتي. وقت ما إسبانيا انسحبت، كانت إنجلترا بعتت حملة تانية من ٣٠ ألف جندي. بالتالي المعارك على الجبهة الإنجليزية مش بس فضلت مستمرة لكن كمان زادت. لكن برضه فضل الإنجليز محصورين في المدن الساحلية وفي النهاية فشلهم في تحقيق أي انتصار عسكري وتفشي وباء الحمى الصفراء وسط الجنود أجبرهم على توقيع هدنة مع توسان يوم ٣١ أغسطس سنة ١٧٩٨ يعنى بالضبط بعد ٧ سنين و٧ أيام من بداية الثورة.

بعد التوقيع انسحبت إنجلترا مع عشرة آلاف جندي هم كل اللي تبقى من الخمسين ألف اللي راحوا. 

أما هايتي فكانت اتغيرت للأبد. لما الثورة قامت كان ٩٠% من السكان عبيد بيشتغلوا بالسخرة ومالهومش حقوق دلوقتي كل السكان، ستات وأطفال ورجال مهما كان لونهم “مواطنين” لهم حقوق، والعاملين بياخدوا ربع أرباح المزارع والقانون واحد على الكل. ده مش بس إنجاز هايل، ده غير مسبوق في تاريخ كل الثورات على العبودية بما فيها ثورة سبارتاكوس. 

بس الثمن كان غالي، بجانب الاقتصاد اللي اتدمر والنسيج الاجتماعى اللي اتقطع، هايتي فقدت في سبع سنين ربع مليون إنسان يعني “نص” سكانها. 

كل ده ولسه الحكاية ماخلصتش .. 

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات