إيهاب الملاح… حارس ذاكرة ثقافية …يسترجع منهج وأثر كتاب في الشعر الجاهلي (1926-2026) … مع إيمان رفاعي.. بصالون تفكير

كتب مراسلنا نور البطاوي : تأتي ندوة “في الشعر الجاهلي (1926-2026) سيرة كتاب.. المنهج والأثر” التي نظمها “صالون تفكير”، في لحظة استراتيجية فارقة تتجاوز استعادة ذكرى صدور كتاب، لتكون وقفة تأملية أمام علامة فاصلة بين رؤيتين للفكر الإنساني والبحث النقدي. وفيما يشتعل الفضاء الرقمي بضجيج السجالات العشوائية، أكد المفكر جمال عمر والأستاذة إيمان رفاعي أن هذا الموسم الثقافي يستهدف “تنشيط الوعي” عبر “الاشتباك المعرفي” مع الثوابت والمنطلقات الفكرية، وليس مجرد الاحتفاء الروتيني. وقد جاء اختيار الناقد إيهاب الملاح، بصفته “أحد حراس الذاكرة الثقافية”، ومدير النشر بمؤسسة دار المعارف بالقاهرة، ليقدم تشريحاً بنيوياً وتاريخياً لسيرة هذا الكتاب الذي فجر مياه الفكر العربي الراكدة، رابطاً إياه بسياقاته العميقة التي لم تظهر من فراغ.

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 إيهاب الملاح... حارس ذاكرة ثقافية ...يسترجع منهج وأثر كتاب في الشعر الجاهلي (1926-2026) ... مع إيمان رفاعي.. بصالون تفكير

التكوين المعرفي: من الأزهـر إلى السوربون

تمثل دراسة السيرة العلمية لطه حسين ضرورة منهجية لفهم منتجه الفكري؛ فالكتاب لم يولد فجأة، بل كان ثمرة انتقال جذري من نسق تعليمي “نمطي” أزهري إلى نسق “مغاير” حديث. هذا التكوين تبلور عبر تسلسل زمني متصل (1908، 1914، 1915، 1919، 1924) شكل ملامح عقلية طه حسين الناقدة:

  • ميلاد الجامعة الأهلية (1908): مثلت المحطة الأولى للانعتاق من التعليم التقليدي نحو فضاء البحث العلمي المنفتح.
  • تأثير المستشرقين الأوائل: تشرب طه حسين أصول المنهج التاريخي على يد أساتذة مثل (جويدي، سانتيلانا، وليتمان)، ويبرز هنا اسم الإيطالي “كارلو نلينو” كصاحب التأثير الأهم والمنهجي الذي وجه طه حسين منذ عام 1914، وهو الذي وضع بذرة المنهج التاريخي في روحه.
  • أثر البعثة الفرنسية: في السوربون، تعمق في خطوات المنهج التاريخي الصارم على يد “لانسون” وتعرف على السوسيولوجيا عند “دوركايم”، مما عزز لديه أدوات “الفحص الفيلولوجي” والنظر النقدي.

تكمن القيمة المضافة لهذا التكوين في قدرة طه حسين على صياغة منهج لا يقبل المرويات على علاتها، وهو ما تجلى بوضوح منذ أطروحته “ذكرى أبي العلاء” عام 1914، حيث بدأ بتطبيق المنهج التاريخي الذي مهد لاحقاً لظهور “منهج الشك” الذي أحدث الزلزال الكبير.

المنهج التاريخي: “الشك” كأداة للبحث العلمي

اعتبر كتاب “في الشعر الجاهلي” ثورة منهجية لأنه نقل البحث الأدبي إلى دائرة “الاستقراء المادي” والتحليل العلمي. اعتمد طه حسين مبدأين أساسيين:

  1. منهج الشك الديكارتي: التجرد التام من الميول والأهواء المسبقة قبل الدخول في البحث، والتعامل مع النص كدليل خاضع للفحص.
  2. توسيع مفهوم الانتحال: بناءً على أفكار “ابن سلام الجمحي” في “طبقات فحول الشعراء”، طور طه حسين نظرية الانتحال لتشمل الكتلة الأكبر من الشعر الجاهلي.

وهنا تبرز مفارقة منهجية هامة؛ فقد اعتبر طه حسين “القرآن الكريم” هو المصدر الأصدق تاريخياً لفهم الحياة الجاهلية مقارنة بالشعر المشكوك في ثبوته، فكان هدفه إثبات تاريخية النص القرآني كمرآة أصدق للعصر. كما أكد المحاضر إيهاب الملاح أصالة مشروع طه حسين، مبيناً أنه أسبق زمنياً ومنهجياً من المستشرق “مارجليوث”؛ فمشروعه بدأ يتشكل منذ عام 1908، بينما نشر مارجليوث مقالته في عام 1925، مما ينفي تهمة التبعية أو النقل العشوائي.

أزمة 1926: تقاطع الدين والسياسة والبحث العلمي

تحول البحث العلمي في عام 1926 إلى حلبة صراع أيديولوجي وسياسي، حيث تم اختزال الكتاب كاملاً في “سطرين” يتعلقان بقصص الأنبياء، حيث قال طه حسين بدقته المعهودة: “للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما، ولكن ليس معنى ورودهما دليلاً على إثبات الوجود التاريخي”. هذا “الفصل بين المقدس الاعتقادي والبحث العلمي التاريخي” هو ما فجر الأزمة التي يوضح أطرافها الجدول التالي:

الطرفالموقف/الدور
التيار المحافظالاتهام بالكفر والطعن في الثوابت العقدية واختزال الكتاب في فقراته المثيرة.
التيار المحدثالدفاع عن حرية البحث، وانفتاح الأفق المعرفي، وتحديث العقل العربي.
حزب الأحرار الدستوريينالراعي الفكري والسياسي لطه حسين، ممثلاً للنخبة الليبرالية آنذاك.
حزب الوفدتوظيف الأزمة سياسياً للمعارضة، رغم أن “سعد زغلول” لم يكن يحمل وداً لطه حسين.

التحولات النصية والمصادر: رحلة الكتاب عبر الطبعات

يعكس تتبع نص الكتاب مرونة الباحث في مواجهة ضغوط الواقع، حيث انتقل من طبعة 1926 (في الشعر الجاهلي) التي تضمنت الفقرات الصدامية، إلى طبعة 1927 التي تغير عنوانها إلى (في الأدب الجاهلي). في هذه النسخة، حذفت الفقرات المثيرة للجدل، وأضيفت فصول جديدة أصبحت لاحقاً “مدخلاً إلى الدراسة الأدبية” ومنهاجاً تدريسياً أساسياً في كليات الآداب.

تكتسب طبعة “مكتبة الأسرة” أهمية ببليوجرافية خاصة لمقدمتيهما الرصينتين:

  • مقدمة عبد المنعم تليمة (1996): التي قدمت قراءة تقويمية شاملة للكتاب بعد مرور سبعين عاماً على صدوره.
  • مقدمة جابر عصفور: التي فككت ببراعة آليات “التوظيف السياسي والديني” التي أحاطت بالكتاب، مبرزةً الصراع بين سلطة العقل وسلطة النقل.

الأثر الممتد: مدرسة طه حسين وتجاوز الأستاذ

لم تكن قيمة الكتاب في نتائجه النهائية، بل في تأسيس “المشروع الثلاثي” (طه حسين، أحمد أمين، عبد الحميد العبادي) لإعادة كتابة تاريخ الحياة العقلية والثقافية للعرب. لقد أفرز هذا المنهج مدرسة ضمت “أحفاد طه حسين” الذين بنوا على أطروحاته أو انتقدوها بأسلوب علمي رصين:

  • شوقي ضيف: الذي انضبط بمنهج الأستاذ في توثيق الأدب العربي.
  • ناصر الدين الأسد: الذي قدم في كتابه “مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية” (1956) الرد العلمي الأمثل، حيث استخدم أدوات المنهج التاريخي ذاته لإثبات صحة نسبة الشعر، وهو ما يمثل “قمة النجاح للمنهج العلمي”؛ إذ إن وظيفة التلميذ هي “تجاوز الأستاذ” بالبحث لا بالانغلاق.

إن الرسالة النهائية للندوة هي ضرورة الاتصال بالمصدر المباشر وقراءة نص طه حسين بعيداً عن عدسات السجالات المعاصرة، ورفض فكرة “المقدس في الأشخاص”، فالعلم ينمو بالمراجعة والتجاوز، وليس بالجمود والتقديس.

للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.

لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات