بُكَاءُ الشَّيْطَانِ… قصة… ترجمة: أنطونيوس نبيل
تأليف: فريدريك براون
ترجمة: أنطونيوس نبيل
أنطونيوس نبيل
طبيب وشاعر وملحن.

تَأَمَّلَ الشَّيْطَانُ قَائِلًا فِي نَفْسِهِ: “بِئْسَ المَأْوَى جُهَنَّمُ، قَدْ كَانَتْ سِجْنًا مُطِبقًا لِي، أُصْلِيتُ فِيهِ مُصَفَّدًا لَظَى العَذَابِ المُقِيمِ: لَمْ أَذُقْ فِيهِ مِن الطَّعَامِ إلَّا زَقُّومَ الآلامِ، ولَمْ أُسْقَ فِيهِ أَبَدَ الظَّمَإِ إلَّا مَاءَ الذُّلِّ الحَمِيمِ.” لَهَذَا شَغَفَتْ الشَّيْطَانُ إقامَتُهُ هُنَا عَلَى الأَرْضِ. اِنْحَنَى إلى الأمَامَ فَوْقَ مَكْتَبِهِ الصَّقِيلِ وَضَغَطَ عَلَى زِرِّ جِهَازِ الاتِّصَالِ الدَّاخِلِي.
اِنْبَعَثَ صَوتَ سِكِرتِيرتِهِ لِيلِيث قَائِلًا: “فِي خِدْمَتِكَ يا سَيِّدِي.”
“كَمْ شَخْصًا جَاءَنَا اليَوْمَ؟”
“أَرْبَعَةُ أَشْخَاصٍ، هَلْ أَبْعَثُ إِلَيْكَ وَاحِدًا مِنْهُم؟”
“أَجَلْ… تَمَهَّلِي. هَلْ تَنْطِقُ سِيمَاءُ أيٍّ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ يَتَّسِمُ بِالإِيثَارِ؟”
“إِخَالُ أَنَّ واحدًا مِنْهُمْ تَشِي هَيْئَتُهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ أَنَانِيٍّ. وَلَكِنْ هذا لَيْسَ بالأَمْرِ الجَلِيلِ يا سَيِّدِي؛ إنَّ فُرْصَتَهُ فِي أَنْ يَتَمَنَّى الأُمْنِيَةَ النِّهَائِيَّةَ المُطْلَقَةَ تَكَادُ تَكُونُ ضَرْبًا مِنَ المُحَالِ: مُعْجِزَةً لا يتَخَطَّى اِحْتِمَالُ حُدُوثِهَا وَاحِدًا فِي مِلْيَارَاتٍ وَافِرةٍ.”
عَلَى الرُّغْمِ مِنْ إِنْصَاتِ الشَّيْطَانِ للكَلِمَاتِ الأَخِيرةِ المُطَمْئِنَةِ لسِكِرْتِيرتِهِ لَمْ يُفَارِقْهُ الرَّوْعُ، بَلْ اِقْشَعَرَّ بَدَنُهُ واعْتَرَتْهُ الرِّعْدَةُ عَلَى الرُّغْمِ مِنْ القَيْظِ اللافِحِ؛ فَقَدْ كَانَ قَلَقُهُ الدَّائِمُ، بَلْ قَلَقُهُ الوَحِيدُ، هُوَ أَنْ يَتَمَنَّى أَحَدُهُم الأُمْنِيَةَ النِّهَائِيَّةَ الخَالِصَةَ مِنْ شَوَائِبِ الأَنَانِيَّةِ. إنْ تَحَقَّقَ مَا يَخْشَاهُ، سَيَجِدُ نَفْسَهُ مُصَفَّدًا أَلْفَ عَامٍ وسَيَظَلُّ بَعْدَ تِلْكَ الأَلْفِيَّةِ عَاطِلًا عَنِ العَمَلِ أَبَدَ الآبِدِينَ. قَالَ فِي نَفْسِهِ: “إنَّ لِيلِيثَ عَلى حَقٍّ لَا مِرَاءَ فِي ذَلِكَ وإنَّ ما يُقْلِقُنِي هُوَ ضَرْبٌ مِنَ المُحَالِ.”
إنَّ وَاحِدًا فَحَسْبُ مِنْ كُلِّ أَلْفِ شَخْصٍ بَاعَ رُوحَهُ للشَّيْطَانِ ثَمَنًا لِتَحْقِيقِ أُمْنِيَةٍ هَامِشِيَّةٍ غَيْرِ أَنَانِيَّةٍ، وَقَدْ يَسْتَغْرِقُ الأَمْرُ مَلَايينَ السِّنِين، وَلَرُبَّمَا يَسْتَلْزِمَ الأَبَدَ، حَتَّى يَتَمَنَّى أَحَدُهُمُ الأُمْنِيَةَ النِّهَائِيَّةَ. فَحَتَّى الآنَ لَمْ يَدْنُ أَحَدٌ قَطُّ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ مُطْلَقًا.
قَالَ الشَّيْطَانُ: “حَسَنًا يا لِيلِي، عَلَى أَيِّ حَالٍ، أَرْسِلِي الشَّخْصَ ذَا سِيمَاءِ الإيثَارِ أَوَّلًا؛ فَإِنِّي أَوَدُّ أَنْ أَنْتَهِيَ مِنْ أَمْرِهِ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ.” ثُمَّ أَغلَقَ جِهَازَ الاتِّصَالِ الدَّاخِلِي.
يَقِينًا لَمْ يَبْدُ عَلَى هَيْئَةِ الرَّجُلِ الضَّئِيلِ -الذي وَلَجَ مِنَ البَابِ الكَبِيرِ- مَا يُنْذِرُ بالخَطَرِ؛ فَلَمْ تَنَبِسْ مَلَامِحُ وَجْهِهِ المَهِينِ إلَّا بآياتِ الفَزَعِ المُبِينِ.
سَأَلَهُ الشَّيْطَانُ مُتَجَهِّمًا: “هَلْ تَعْرِفُ شُرُوطَ الصَّفْقَةِ؟”
أَجَابَ الرَّجُلُ الضَّئِيلُ: “نَعَمْ، أَعْتَقِدُ أَنِّي عَلَى دِرَايَةٍ بِهَا: إنَّكَ سَتَحْصُلُ عَلَى رُوحِي حَالَ مَوْتِي نَظِيرَ تَحْقِيقِ أَيِّ أُمْنِيَةٍ أَتَمَنَّاها، أَلَيْسَ كَذَلِك؟”
“بَلَى. مَا هِيَ أُمْنِيَتُكَ؟”
قَالَ الرَّجُلُ الضَّئِيلُ: “حَسَنًا، لَقَدْ فَكَّرْتُ فِي الأَمْرِ مَلِيًّا و…”
“إنِّي مَشْغُولٌ؛ فَدَعْ عَنْكَ الإِطْنَابَ وَأَفْصِحْ عَنْ أُمْنِيَتِكَ.”
“حَسَنًا… أَتَمَنَّى، دُونَ أَنْ يَطْرَأَ أَيُّ تَغْيِيرٍ عَلَى نَفْسِي، أَنْ أُصْبِحَ أَعْظَمَ مَخْلُوقٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ شَرًّا وغَبَاءً وَبُؤْسًا.”
مَا إنْ أَتَمَّ الرَّجُلُ الضَّئِيلُ أُمْنِيَتَهُ، حَتَّى صَرَخَ الشَّيْطَانُ صُرَاخًا مَهُولًا كَعُوَاءٍ بَاكٍ مَمْزُوجٍ بِهَزِيمِ رَعْدٍ قَاصِفٍ.

شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد