لماذا نخاف أن ينسانا من نُحب؟… عمرو عبد الرحمن

280709377_5758375077522788_4038074696299373968_n2 لماذا نخاف أن ينسانا من نُحب؟... عمرو عبد الرحمن

في المشهد الافتتاحي من فيلم Aftersun نرى الأب وهو يؤدي حركاته الراقصة الخرقاء، تبدو على وجهه السعادة، بينما تباغته الابنة بسؤال عما كان يظن أنه سيفعل الآن عندما كان في مثل عمرها. تتحول الابتسامة إلى وجه عابس أعجزه الإحباط عن الإجابة. كانت صوفي تنظر إلى مستقبلها بترقب، بينما دار ببال الأب شريط أحداث ماضيه ليُذهِب عن وجهه ابتسامة اجتهد في اصطناعها، فينتهي بها الحال مدفونة بين طبقات من الأسى والاكتئاب.

1000048177-300x158 لماذا نخاف أن ينسانا من نُحب؟... عمرو عبد الرحمن

في روايته “البحث عن ألاسكا” يقول الكاتب چون جرين:

“إن تخيُّل المستقبل هو نوع من الحنين إلى الماضي… إنك تقضي حياتك في متاهة، تفكر في كيفية الهروب منها يومًا ما، وفي كم سيكون الأمر رائعًا. تخيُّل المستقبل هو ما يجعلك تستمر، لكنك لا تحقق ما تخيَّلته أبدًا. أنت فقط تستخدم المستقبل للهروب من الحاضر.”

لا تزال كل الاحتمالات مُمكنة في مخيلة الأطفال. إنهم يستمتعون بلحظتهم الحالية، لكن كلما كبروا أدركوا أن ذلك ليس كافيًا، وأن الزمن لا يتوقف. وفي حين شغل المستقبل مساحةً كبيرة من تفكير صوفي، كان الأب مُستغرقًا في صخرته التي يحملها في الحاضر، عاجزًا عن تخيُّل مستقبل يصير فيه سعيدًا.

الأب والأم منفصلان. يذهب كالوم مع ابنته صوفي لقضاء عطلة خارج البلاد، لكن الفندق لم يكن كما يريده الأب لتكون العطلة المثالية التي يحب أن تتذكرها ابنته. يخطف الأب دقائق للتدخين أثناء نوم ابنته، يسرق الوقت لينام عاريًا في غيابها. ظروفه المادية ليست بأفضل حال. يبدو أن إنجاب صوفي كان مفاجئًا له في سن صغيرة غير مستعد هو فيها للعب دور الأب. غير مهيأ لتحمل هذه المسئولية الثقيلة. لكنه يحاول، يكافح، ليكون أفضل نسخة ممكنة له كأب، وليمنح ابنته العطلة التي ستتذكره بها.

يحرص كالوم على توثيق تفاصيل الرحلة، يرى نفسه ذكرى أكثر مما يحاول أن يعيش لحظته الراهنة. يشارك ابنته السباحة واللعب وأكل الأيس كريم. يخبرها أن بإمكانها الحديث معه عن أي شيء، وأن تعيش بصحبة من تريد، وأن تصبح ما تحلم أن تكون. فلا تزال تملك الوقت. بعكسه هو.

يحاول تعليمها كيفية الدفاع عن نفسها. لا يريد أن يتركها ضعيفة في مواجهة أخطار هذا العالم، بينما تختبر صوفي مفاهيمها وتراقب نموها كمراهقة من خلال مشاهدة الأكبر سنًا. تتعجب كيف يقول أبوها لأمها “أُحبكِ” في نهاية المحادثة الهاتفية، بينما هما منفصلان ولا تبدو عودتهما معًا مُحتملة. لا يحاول الأب ابتزاز ابنته عاطفيًا. لا يحاول صناعة جانبان يسعى كلًا منهما لكسبها إليه. يعلم أن فشل صوفي في تكوين أولى علاقاتها في العالم، سيعني فشلًا مُحتملًا في تكوين علاقاتها في بقية حياتها.

1000048182-240x300 لماذا نخاف أن ينسانا من نُحب؟... عمرو عبد الرحمن

بعد مرور نصف ساعة من أحداث الفيلم، يُعبِّر كالوم عن نفسه لأول مرة عندما قال أنه لا يظن أنه سيصل إلى الأربعين وأنه تفاجأ أنه عاش ثلاثين سنة حتى الآن. يتفاجأ عندما تُعبِّر صوفي عما تشعر به من كآبة، يجده متطابقًا مع ما يشعر به. وكأنها تتحدث عنه. ربما لن ينجح أبدًا، لأنه قام بتوريث الشعور بالكآبة إلى صوفي، ولا يوجد مهرب من هذا الشعور.

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية فإن حوالي ٤٪ من سكان العالم مصابون بالاكتئاب. وربما تكون الأعداد أكبر لأن ليس كل مصاب بالاكتئاب حصل على تشخيص طبي بذلك. وتتشابك العديد من العوامل مسببةً الاكتئاب متضمنةّ عوامل چينية وبيئية تزيد من احتمالات الإصابة.

يصمم كالوم على إكمال ما بدأه. صناعة ذكرى سعيدة تذكره بها ابنته، يشتري لها سِجادة -رغم ثمنها المرتفع بالنسبة له- كتذكار لتلك العطلة. يخبرها أن كل سِجادة تحكي قصة مختلفة، لكن ما لا يخبرها إياه أن هذه السجادة ستحكي قصة رحلتهما معًا،. لتذكِّرها بتلك الرحلة عندما تبدو وكأنها حدثت منذ زمنٕ بعيد.

ينفتح الأب على ندوب طفولته، يحكي لصوفي أن عيد مولده الحادي عشر لم يتذكره أحد، وعندما أخبر أمه، جعلت والده يصطحبه لشراء لعبة. تتقمص صوفي دور الأم وتُحضِّر لاحتفالية بسيطة بعيد مولده الثلاثين، والذي لم يتذكره أحد كذلك. ينهار كالوم، ربما لأنه لم يعد قادرًا على مسايرة اللحظة والاحتفال ولو من أجل ابنته، وربما لأن صوفي أشعرته بمدى تقصيره كأب، رغم محاولاته المُضنِية للتغلب على شياطينه بارتداء قناع السعادة ليخفي وجهه قدر استطاعته.

1000048178-300x162 لماذا نخاف أن ينسانا من نُحب؟... عمرو عبد الرحمن

يُعرف ذلك في علم النفس بمصطلح “الوالدية” حيث يقوم الطفل بالاضطلاع ببعض المهام التي تكون عادةً من مسئوليات الوالدين، لكن لأسباب مختلفة يجد الطفل نفسه في وضع معكوس يلعب فيه دور الداعم والمساعد لأحد والديه أو كلاهما. لم يعد الطفل هنا مجرد طفل لكنه يتحمل جزءًا من المسئولية بدون تخطيط مسبق من الوالدين أو منه، لكن صراعاتهم ومعاناتهم النفسية أحيانًا تفرض تبدل الأدوار. المسئولية هنا ليست في الغالب مسئولية مادية، بل مسئولية عاطفية ونفسية تجعل الطفل بكبر قبل أوانه.

رغم صعوبة ما يواجهه كالوم فإن عدوه الأكبر الذي يخشاه هو النسيان. نسيان صوفي له ولصدق محاولته في صناعة ذكرى سعيدة عنه تخفي ما وراءها من تعاسة. التعاسة التي تدركها صوفي وهي شابة بعد أن أنجبت طفلًا، أثناء مشاهدتها للتسجيل الذي بحوزتها للرحلة.

“أظن أنه من اللطيف أننا نتشارك نفس السماء.” تخبر صوفي أباها الذي لا يفهم ما تقصده، فتّتابع: “أحيانًا في وقت اللعب، أنظر إلى السماء في الأعلى وأرى الشمس. أظن أن حقيقة كوْن كلانا يستطيع رؤية الشمس، يعني أنه رغم عدم وجودنا في المكان نفسه، وعدم تواجدنا معًا، إلا أننا بشكل ما نفعل، أتعلم؟ كما لو كنا تحت نفس السماء، لذا.. بشكلً ما نكون معًا.”

1000048174-300x162 لماذا نخاف أن ينسانا من نُحب؟... عمرو عبد الرحمن

لا أعتقد أن كالوم مصاب برهاب الخوف من أن يصبح منسيًا “أثاراجوروفوبيا” على سبيل المثال، لكنه يعي عمق العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل. يرى الزمن كخط مستقيم لا ينقطع، يؤثر فيه الأشياء التي فعلناها، والتي لم نفعلها على السواء. يحاول منحها ذكرى واحدة سعيدة، لعلها تمنعها من أن تنتهي إلى ما انتهى إليه، وتوقفه هو عن الانتهاء إلى مصير يعبث بعقله ويجاهد لعدم السقوط فيه. إنه مُدرك لثقل المسئولية التي يحملها كأب، وقرر بذل قصارى جهده حتى تتذكر صوفي أنه حاول قدر استطاعته.

تسجيل الأب لأحداث الرحلة كان الرسالة التي تركها لابنته محاولًا إخفاء ما يمر به. يعلم كالوم أن صوفي الطفلة ربما لن تتمكن من إدراك تفاصيله؛ لأنها تركِّز على ما هو ظاهر فقط من خلال معايشتها لما تراه. في حين صوفي البالغة يمكنها أن تنظر للأحداث نظرة أكثر تدقيقًا، واستنتاج أشياء مرتبطة بأبيها على مستوى أعمق مما رأته كطفلة، فتكوِّن صورة كاملة عن معاناته وكفاحه من أجلها؛ لذلك فالسمة الأساسية للفيلم أنه يُرينا ما يشعر به كالوم دون أن يخبرنا تفسير ذلك. فكل ما نراه هو محاولة من صوفي البالغة لربط الأحداث وملأ فجواتها دون أن تعرف الأسباب، وربما كالوم نفسه لم يكن يعلمها كذلك.

يمكننا أن ندرك من أحداث الفيلم عجز الأب عن التواصل مع من حوله، عدم قدرته عن التعبير عن الصراع المشتعل بداخله رغم رغبته في ذلك. لا يخبرنا كالوم بوضوح عن معاناته، فالأمر متروك للمُشاهد كي يفسر ما يراه، لكن الأمر المؤكد هو معاناته، وأنه يحاول عدم الاستسلام في مواجهتها. يتجلى ذلك في محاولاته عدم الغرق في بحر اكتئابه عبر تمارين التأمل والفنون القتالية، وعبر التصوير، والرقص الذي من خلاله استطاعت صوفي الاجتماع مع أبيها مجددًا عندما أصبحت بالغة، بعدما رفضت في البداية مشاركته رقصته الأخيرة وهي طفلة.

1000048185-300x169 لماذا نخاف أن ينسانا من نُحب؟... عمرو عبد الرحمن

يتساءل فريدي ميركيوري في أغنيته “تحت ضغط”:

هل يمكننا أن نعطي أنفسنا فرصة أخرى؟
لماذا لا يمكننا أن نعطي الحب هذه الفرصة الأخرى؟

ليرد عليه ديفيد بُووِي:

لأن الحب كلمة ذات طراز قديم.
والحب يتحداكم أن تعتنوا بالناس في طرف الليل.
والحب يتحداكم أن تغيروا طريقتكم بالاعتناء بأنفسكم.
وهذه هي رقصتنا الأخيرة تحت الضغط.
1000048186-300x162 لماذا نخاف أن ينسانا من نُحب؟... عمرو عبد الرحمن

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات