غُزَاةٌ كَامِنُونَ فِي لَحْمِ المَجَازِ المَسْمُومِ… قصة… ترجمة: أنطونيوس نبيل
تأليف: فيليب ك. ديك
ترجمة: أنطونيوس نبيل
أنطونيوس نبيل
طبيب وشاعر وملحن.

1.
لقد اِكْتَشَفْتُ بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ هذا الغَزْوَ العَجِيبَ لِكَوْكَبِ الأَرْضِ مِنْ قِبَلِ كائِنَاتٍ حَيَّةٍ لِكَوْكَبٍ آخرَ. لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا حِيَالَهُ حَتَّى الآنَ: أَقْدَحُ ذِهْنِي فَلَا يَتَمَخَّضُ عَنْ أَدنَى فِكْرَةٍ عَمَّا يُمْكِنُنِي فِعْلُهُ. رَاسَلْتُ الحُكُومَةِ أُنْبِئُهَا بهذا الخَطْبِ الجَلَلِ، فَبَعَثُوا إليَّ بِكُتَيِّبٍ عَنْ إصْلَاحِ المَنَازِلِ الخَشَبِيَّةِ وصِيَانَتِهَا. عَلَى أيِّ حالٍ، لَيْسَ الأمرُ بِسِرٍّ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ؛ فَلَسْتُ أَوَّلَ مَنْ اِكْتَشَفَهُ، لَرُبَّمَا يَكُونُ الأَمْرُ قَدْ خَضَعَ لِدِرَاسَةٍ ثَاقِبَةٍ وإجْرَاءاتٍ صَارِمَةٍ أَلْجَمَتْهُ عَنْ مُنَاطَحِةِ الحُدُودِ الآمِنَةِ وكَبَّلَتْهُ بالقُيُودِ المَانِعَةِ.
كُنْتُ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ ذِي مَسْنَدَيْنِ أُقَلِّبُ فِي فُتُورٍ صَفَحَاتِ كِتَابٍ ذِي غِلَافٍ وَرَقيٍّ تَرَكَهُ أَحَدُهُم فِي الحَافِلَةٍ سَهْوًا، حِينَمَا صَادَفْتُ الإِشَارَةَ التي أَرْشَدَتْنِي إِلَى الخَطْبِ الرَّهِيبِ وحَضَّتْنِي عَلَى تَعَقُّبِ أَمْرِهِ وسَبْرِ غَوْرِهِ. صَعَقَتْنِي الدَّهْشَةُ فَلَمْ أَسْتَجِبْ للإشَارَةِ المُبِينَةِ سَرِيعًا، فَقَدْ اِسْتَغْرَقَنِي الذُّهُولُ بُرْهَةً مِنَ الوَقْتِ حَتَّى تَمَكَّنْتُ أَخِيرًا مِنْ اِسْتِجْلَاءِ كُنْهِ الأَمْرِ بِبُطءٍ. حَالَمَا أَدْرَكْتُ حَقِيقَةَ الأَمْرِ اِسْتَغْرَبْتُ أَنِّي لَمْ أَنْتَبِهْ إلَيْهِ مِنْ فَوْرِي.
كَانَتْ الإِشَارَةُ دَامِغَةً تُفْصِحُ عَنْ كَائِنَاتٍ غَيْرِ بَشَرِيَّةٍ تَتَّسِمُ بِخَصَائِصَ خَارِقَةٍ لَا يَسْتَسِيغُهَا عَقْلُ البَشَرِ: كَائِنَاتٍ حَيَّةٍ لَمْ تَكُنْ الأَرْضُ قَطُّ رَحِمًا لِأُرُومَتِهَا، تَتَّخِذُ عَادَةً مِنْ هَيْئَةِ البَشَرِ العَادِيِّينَ قِنَاعًا لَهَا، لَكِنَّ قِنَاعَهَا المَاكِرَ صَارَ شَفِيفًا فِي مُوَاجَهَةِ الأَسِنَةِ النَّافِذَةِ لِمُلَاحَظَاتِ المُؤَلِّفِ التَّالِيَةِ. لَقَدْ اِتَّضَحَ بَغْتَةً أَنَّ المُؤَلِّفَ قَدْ أَدْرَكَ كُلَّ شَيءٍ وعَلَى الرُّغْمِ مِنْ إدْرَاكِهِ لِكُلِّ شَيءٍ عَالَجَ الأَمْرَ بِسَكِينَةٍ وَافِرَةٍ. إنِّي مَا أَزَالُ أَرْتَجِفُ هَلَعًا حَتَّى اللَّحْظَةِ الرَّاهِنَةِ لِتَذَكُّرِ السَّطْرِ التَّالِي الذي اِنْطَوَى عَلَى إشَارَةٍ جَلِيَّةٍ لَا يُخَامِرُهَا أَيُّ غُمُوضٍ:
(…جَالَتْ عَيْنَاهُ فِي أَرْجَاءِ الغُرْفةِ بِبُطءٍ.)
اِعْتَرَتْنِي قُشَعْرِيرَةٌ مُبْهَمَةٌ. حَاوَلْتُ جَاهِدًا أَنْ أَتَخَيَّلَ العَيْنَيْنِ وهُمَا تَجُولَانِ. تَسَاءَلْتُ عَمَّا إِذَا كَانَتَا تَتَدَحْرَجَانِ كَقِطَعِ النُّقُودِ المَعْدِنِيَّةِ، لَكِنَّ العِبَارَةَ لَمْ تُشِرْ إِلَى زَحْفِهِمَا فَوْقَ الأَسْطُحِ؛ بَلْ جَهَرَتْ بِأَنَّهُمَا كَانَتَا تَسْبَحَانِ فِي الهَوَاءِ. لَمْ أَجِدْ أَحَدًا فِي القِصَّةِ يَنْدَهِشُ لِرُؤْيَةِ العَيْنَيْنِ المُحَلِّقَتَيْنِ، وَهُوَ مَا أَثَارَ الشَّكَ فِي نَفْسِي وأَنْذَرَنِي بالخَطَرِ المُحِيقِ: لَقَدْ أَعْجَزَنِي العُثُورُ عَلَى أَدْنَى أَثَرٍ للدَّهْشَةِ مِنْ هذا الشَّيءِ المَقِيتِ. ثُمَّ تَفَاقَمَ الأَمْرُ فِي السَّطْرِ الذي تَلَاهُ:
(…كَانَتْ عَيْنَاهُ تَنْتَقِلَانِ مِنْ شَخْصٍ إِلَى آخرَ.)
هَا هِيَ ذِي حَقِيقَةُ الأَمْرِ تَتَجَلَّى بَيْنَ الحُرُوفِ فِي إيجازٍ مَخُوفٍ: لَقَدْ اِنْفَصَلَتْ عَيْنَاهُ اِنْفِصَالًا بَيِّنًا عَنْ بَقِيَّةِ بَدَنِهِ واِسْتَقَلَّتَا بِأَنْفُسِهِمَا مُنْفَرِدَتَيْنِ عَنْهُ. وَجَفَ قَلْبِي فَزَعًا كَعُصْفُورٍ يَنْتَفِضُ فِي قَبْضَةِ الفَخِّ الدَّامِي، وَضَاقَ صَدْرِي عَنْ أَوْهَى أَنْفَاسِي كَأَنِّي بِغُصَّةِ المَوْتِ فِي حَلْقِي أُقَاسِي. لَقَدْ عَثَرْتُ بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ عَلَى ذِكْرٍ عَابِرٍ لِعِرْقٍ مِنَ الكَائِنَاتِ الحَيَّةِ، يَتَّصِفُ بِغَرَابَةٍ تَامَّةٍ يَأْبَاهَا العَقْلُ. إنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الحَيَاةِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ كَوْكَبُ الأَرْضِ مَنْبَعًا لَهُ. مَا عَافَتْهُ نَفْسِي مِنْ انفكاكِ العَيْنَينِ وتَحْلِيقِهِمَا قَدْ بَدَا أَمْرًا مَأْلُوفًا لشَخْصِيَّاتِ القِصَّةِ مِمَّا أَوْحَى لِي بِأَنْهُمْ يَنْتَمُونَ إِلَى النَّوْعِ الحَيِّ ذَاتِهِ.
لَكِنْ، مَاذَا عَنْ المُوَلِّفِ نَفْسِهِ؟ سَاوَرَنِي شَكٌّ خَفِيٌّ كَأنَّهُ مُسْتَصْغَرُ الشَّرَرِ يَحْبُو فِي هَشِيمِ الذِّهْنِ حَبْوَ الدُّودِ فِي الحَجَرِ. لَقَدْ كَانَ المُؤَلِّفُ يُعَالِجُ الأَمْرَ بِبَسَاطَةٍ مُفْرِطَةٍ، مِنَ الجَلِيّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ فِي الأَمْرِ مَا يَسْتَوْجِبُ أَيَّ لُحَيْظَةٍ مِنَ العَجَبِ، كَأَنَّهُ يُوَاجِهُ شَيْئًا طَبِيعيًّا مُعْتَادًا لَا رَيْبَ فِيهِ، فَلَمْ يَبْذُلْ أَيَّ جُهْدٍ فِي سَبِيلِ كِتْمَانِ مَعْرِفَتِهِ بالحَقِيقَةِ. اِسْتَمَرَّتِ القِصَّةُ:
(…لَمْ تَلْبَثْ عَيْنَاهُ أَنْ اِسْتَقَرَّتَا عَلَى چوليا وتَشَبَّثَتَا بِهَا.)
كَانَتْ چوليا لِكَوْنِهَا اِمْرَأَةً شَرِيفَةٍ تَمْتَلِكُ مِنَ الأخْلَاقِ الرَّفِيعَةِ مَا يَجْعَلُهَا تَشْعُرُ بالامْتِعَاضِ، وحِينَ وُصِفَتْ بِأَنَّ وَجْنَتَيْهَا اِحْمَرَّتَا حَيَاءً وأَنَّ حَاجِبَيْهَا اِقْتَرَنَا سُخْطًا واسْتِيَاءً، تَنَفَّسْتُ الصُّعَدَاءَ وَوَجَدْتُ فِيمَا قَدْ قَرَأْتُ عَزَاءً؛ فَقَدْ أَدْرَكْتُ أَنَّ شَخْصِيَّاتِ القِصَّةِ لَيْسُوا جَمِيعًا مِنَ الغُزَاةِ الغُرَبَاءِ غَيْرِ الأَرْضِيِّينَ. تَسْتَمِرُّ الحِكَايَةُ:
(…بِأَنَاةٍ وهُدُوءٍ تَفَحَّصَتْ عَيْنَاهُ جَسَدَهَا بِكَامِلِهِ وتَحَسْسَتْ كُلَّ دَقِيقَةٍ مِنْ دَقَائِقِهِ.)
يا إلهِي! لَحْظَتَئذٍ اِسْتَدَارَتِ الفَتَاةُ وأَزْمَعَتْ الرَّحِيلَ غَضْبَى، وقُضِيَ الأَمْرُ. أَلْصَقْتُ ظَهْرِي بِظَهْرِ الكُرْسِيّ مَبْهُورَ الأَنْفَاسِ مِنْ فَرْطِ الرُّعْبِ. رَمَقَتْنِي حَلِيلَتِي وأَطْفَالِي بِنَظَراتٍ مُتْرَعَةٍ بالدَّهْشَةِ.
سَأَلَتْنِي حَلِيلَتِي: “مَا بِكَ يا حَبِيبِي؟”
لَمْ أَسْتَطِعْ إلَّا كِتْمَانَ الأَمْرِ؛ فلَا قِبَلَ لَشَخْصٍ عَاديٍّ بمَعْرِفَةٍ مِنْ هَذَا القَبِيلِ، لذلكَ أَسْرَرْتُ الأَمْرَ عَنْهَا وطَمَرْتُهُ فِي خَبِيئَةِ نَفْسِي قَائِلًا لَهَا: “لَا شَيءَ بِي.”
ثُمَّ قَفَزْتُ وَاقِفًا، وانْتَزَعْتُ الكِتَابَ فِي لَمْحِ البَرْقِ، وَأَسْرَعْتُ فِي مُغَادَرةِ الغُرْفَةِ لَا أَلْوِي عَلَى شَيءٍ.
2.
فِي المَرْأَبِ، عَاوَدْتُ القِرَاءةَ. كانَ هُناكَ مَزِيدٌ مِنْ الرُّعْبِ. قَرَأْتُ المَقْطَعَ التالي وأنا أَرْتَجِفُ لِمَا غَمَرَنِي بِهِ مِنْ زَمْهَرِيرِ الكَشْفِ:
(…طَوَّقَ بِذِرَاعِهِ چوليا، فَمَا لَبَثَتْ أَنْ سَأَلَتْهُ أَنْ يُزِيلَ ذِرَاعَهُ، فأَزَالَهُ مِنْ فَوْرِهِ بَاسِمًا.)
لَمْ يُذْكَرْ مَصِيرُ الذِّرَاعِ بَعْدَ أَنْ قَامَ الرَّجُلُ بِإزَالَتِهَا: لَرُبَّمَا وُضِعَتْ قَائِمَةً فِي إِحْدَى الزَّوَايا، وَلَرُبَّمَا طُرِحَتْ بَعِيدًا، لَسْتُ أُبَالِي بِمَصِيرِهَا، فَقَدْ كَانَ المَعْنَى أَمَامِي يَتَجَلَّى فِي تَمَامِ سُفُورِهِ. هَا هُوَ ذَا عِرْقٌ مِنَ الكَائِنَاتِ الحَيَّةِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُزِيلَ أَعْضَاءً مِنْ جَسَدِهِ كَيْفَمَا شَاءَ: أَعْيُنًا، أَذْرُعًا، وَرُبَّمَا مَزِيدًا مِنَ الأَعْضَاءِ الأُخْرَى، يُزِيلُهَا دُونَ أَنْ يَطْرِفَ لَهُ جَفْنٌ. لَحْظَتَئِذٍ، أَفَدْتُ مِنْ مَعْرِفَتِي بِعِلْمِ الأَحْيَاءِ. مِنَ الجَلِيِّ أَنَّهُم كَائِنَاتٌ بَسِيطَةٌ، أُحَادِيَّةُ الخَلِيَّةِ: ضَرْبٌ مِنَ المَخْلُوقَاتِ البِدَائِيَّةِ الأوَّلِيَّةِ التي لَمْ تَتَجاوَزْ فِي تَطَوُّرِهَا نَجْمَ البَحْرِ الذي لَدَيْهِ القُدْرَةُ عَلَى فِعْلِ الشَيءِ ذَاتِهِ كَمَا تَعْلَمُ.
تَابَعْتُ القِرَاءَةَ حَتَّى بَلَغْتُ كَشْفًا مُذْهِلًا آخرَ، طَرَحَهُ المُؤَلِّفُ بِرِبَاطَةِ جَأْشٍ لَا تَعْتَرِيهَا أَيُّ اِخْتِلَاجَةٍ وإِنْ ضَؤُلَتْ:
(…أَمَامَ دَارِ السِّينما اِنْقَسَمْنَا شَطْرَيْنِ: مَضَى شَطْرٌ مِنَّا إلى الدَّاخِلِ، وذَهَبَ الشَّطْرُ الآخرُ إلى المَقْهَى لِتَنَاوُلِ العَشَاءِ.)
إنَّهَا يَقِينًا عَمَلِيَّةُ انْشِطَارٍ ثُنَائِيٍّ: يَنْشَطِرُ فِيهَا كَيَانٌ إلى نِصْفَيْنِ لِتَكْوِينَ كَيَانَيْنِ. رُبَّمَا ذَهَبَتْ الأَنْصَافُ السُّفْلِيَّةُ إلى المَقْهَى لَكَوْنِهِ الأَكْثَرَ نَأْيًا، وَدَخَلَتْ الأَنْصَافُ العُلْوِيَّةُ لِمُشَاهَدَةِ العَرْضِ السِّينمائيّ.
وَاصَلْتُ القِرَاءَةَ وَيَدَايَّ تَرْتَجِفَانِ. لَقَدْ عَثَرْتُ عَلَى شَيءٍآخرَ هُنَا. اِجْتَاجَتْ ذِهْنِي زَوْبَعَةٌ مِنَ الفِكَرِ وَأَنَا أَتَدَبَّرُ العِبَارَةَ التَّالِيَةَ:
(…إنِّي خَائِفٌ لَا مِرَاءَ فِي ذَلِكَ. لَقَدْ اِنْتَزَعَ الخَبَلُ رَأْسَ “بِيبنِي” المِسْكِينِ مِنْ جَدِيدٍ.)
عِبَارةٌ مُفْزِعَةٌ جَاءَ بَعْدَهَا مَا هُوَ أَشَدُّ هَوْلًا:
(…يَقُولُ بُوب إنَّ الخَوفَ قَدْ قَصَمَ “بِيبنِي” المِسْكِينِ وَخَلَعَ قَلْبَهُ.)
ومَعَ ذَلِكَ، كَانَ “بِيبني” يَتَحَرَّكُ بِيُسْرٍ فِي أَرْجَاءِ الكِتَابِ كَبَقِيَّةِ الشَخْصِيَّاتِ، عَلَى الرُّغْمِ مِنْ كَونِهِ مَنْزُوعَ الرَّأْسِ مَخْلوعَ القَلْبِ! ظَهَرَ فِي عَقِبِ “بيبنِي” المِسْكِينِ شَخْصٌ يُضَاهِيهِ فِي شِدَّةِ الغَرَابَةِ، سُرْعَانَ ما وُصِفَ بِأنَّهُ:
(…لَدَيهِ جُمْجُمةٌ خَاوِيَةٌ لَا مُخَّ فِيهَا.)
3.
أَصْبَحتُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ حَقِيقَةِ تِلَكَ الكَائِنَاتِ وقَدْ امَّحَى كُلُّ شَكٍّ فِي ضَوْءِ المَقْطَعِ التَّالِي. إنَّ چوليا التي كُنْتُ أَظُنُّهَا بَشَرًا سَوِيًّا، اِفْتَضَحَ أَمْرُهَا وانْكَشَفَ كَوْنَهَا كَائِنًا فَضَائِيًّا كَبَقِيَّةِ شَخْصِيَّاتِ القِصَّةِ:
(…قَدْ وَهَبَتْ چوليا قَلْبَهَا للشَّابِّ عَنْ عَمْدٍ وتَبَصُّرٍ.)
لَمْ يُذْكَرْ المَصِيرُ النِّهَائِيُّ الذي آلَ إلَيْهِ العُضْوُ بَعْدَ أَنْ تَلَقَّفَهُ الشَّابُّ، وإنِّي لغَيْرُ مُكْتَرِثٌ لِمَا حَدَثَ لَهُ أَلْبَتَّةَ. كَانَ وَاضِحًا أَنْ چوليا ظَلَّتْ تَنْعَمُ بِحَيَاةٍ طَبِيعِيَّةٍ تُمَارِسُ فِيهَا أَنْشِطَتَهَا المُعْتَادَةَ كَبَقِيَّةِ الشَخْصِيَّاتِ الأُخْرَى التي يَزْخُرُ بِهَا الكِتَابُ. أَشْخَاصٌ بِلَا أعْيُنٍ، بِلَا أَذْرُعٍ، بِلَا أَمْخَاخٍ، بِلَا رءوسٍ، بِلَا قُلُوبٍ، يَنْشَطِرُونَ نِصْفَيْنِ إذا اِقْتَضَتِ الضَّرُورَةُ. وهَا هِي ذِي چوليا:
(…أَعْطَتْهُ يَدَهَا نَقِيَّةً مِنْ وَخْزِ الضَّمِيرِ.)
شَعُرْتُ بالإعْيَاءِ وتَمَقَّسَتْ نَفْسِي لِهَوْلِ مَا قَرَأْتُ. لَقَدْ استولَى ذاكَ الخَسِيسُ عَلَى يَدِهَا كَمَا اِغْتَنَمَ قَلْبَهَا مِن قَبْلُ، إنِّي أَرْتَجِفُ الآنَ هَلَعًا لِمُجَرَّدِ التَّفْكِيرِ فِيمَا هُوَ صَانِعٌ بِهَذَيْنِ العُضْوَيْنِ:
(…ثُمَّ أَخَذَ ذِرَاعَهَا.)
لَمْ يُطِقْ ذَاكَ المَأْفُونُ مَعَهَا صَبْرًا، فَشَرَعَ فِي تَفْكِيكِهَا بِنَفْسِهِ. تَرَبَّدَ وَجْهِي مِنْ وَقْدَةِ الغَضَبِ؛ فَأَطْبَقْتُ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ وقَفَزتُ وَاقِفًا عَلَى قَدَمَيْنِ تَخْتَلِجَانِ، لَكِنَّ الوَقْتَ لَمْ يُسْعِفْنِي كَيْ أَتَجَنَّبَ مُجَابَهَةَ إشَارَةٍ أَخِيرةٍ إِلَى ذَلِكُمَا العُضْوَيْنِ العَابِثَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي البَدْءِ أَرْشَدَانِي بِتَحْلِيقِهِمَا فِي الهَوَاءِ إلَى صِرَاطِ الكَشْفِ ومَحَجَّةِ الشَّقَاءِ:
(…لَاحَقَتْهُ عَيْنَاهَا طَوَالَ الطَّرِيقِ وَلَمْ تُفَارِقَاهُ وَهُوَ يَجْتَازُ المَرْجَ.)
هُرِعْتُ مِنَ المَرْأَبِ عَائِدًا إلى دِفءِ الغُرْفَةِ لَاهِثًا كَأَنَّ تِلْكُمَا العَيْنَيْنِ تَقْتَفِيَانِ أَثَرِي فِي مُطَارَدَةٍ حَثِيثَةٍ. كَانَتْ حَلِيلَتِي وأَطْفَالِي يَلْعَبُونَ “بَنْكَ الحَظِّ” فِي المَطْبَخِ. اِنْضَمَمْتُ إِلَيْهِم وَلَعِبْتُ بِحَمَاسٍ مَسْعُورٍ، بَجَبِينٍ تَسْفَعُهُ سِيَاطُ الحُمَّى وأَسَنانٍ تَصْطَكُّ ولَا تَكُفُّ عَنِ الصَّرِيفِ.
لَقَدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى، لَا طَاقِةَ لِي بِسَمَاعِ المَزِيدِ عَنْ هَذَا الأَمْرِ. دَعُوهُمْ يَأْتُونَ. دَعُوهُمْ يَغْزُونَ الأَرْضَ، لَا أُرِيدُ التَّوَرُّطَ فِي هذا الأَمْرِ أَلْبَتَّةَ، دَعُونِي وَشَأْنِي. سَئِمْتُ مِنَ الاشْمِئْزَازِ ولَا شَهْوَةَ لِي فِيمَا يَجْتَثُّ أَحْشَائِي بِأَظْفَارِ الغَثَيَانِ.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد