رحلة من نقد الشعر الجاهلي إلى نقد مصادر السيرة مع د. زينب التوجاني بصالون تفكير
كتب مراسلنا نور البطاوي: في احتفالية فكرية نظمها صالون وأكاديمية تفكير الخميس 7 مايو وبمناسبة مئوية كتاب “في الشعر الجاهلي”، استضاف الصالون الدكتورة زينب التوجاني، الأكاديمية التونسية المتخصصة في الإسلاميات وتحليل الخطاب، في ندوة أدارها الدكتور أكمل صفوت.
بقلم: نور البطاوي

الندوة التي جاءت بعنوان “من نقد الشعر الجاهلي إلى نقد مصادر السيرة النبوية”، لم تكن مجرد استحضار لذكرى طه حسين، بل كانت محاولة لإعادة تفعيل منهجه النقدي في مواجهة السرديات التراثية الكبرى.
المنهج الديكارتي وتدشين الحداثة الفكرية
اعتبرت الدكتورة التوجاني أن الضجة الكبرى التي أحدثها كتاب طه حسين في العقد الثالث من القرن الماضي لم تكن بسبب مادة الشعر الجاهلي بحد ذاتها، بل كانت “أزمة مناهج”.
وأوضحت أن قضية “الانتحال” والوضع في الشعر كانت معروفة لدى النقاد القدماء مثل ابن سلام والجاحظ، الذين تحدثوا عن كذب القصاص وفساد الرواية. إلا أن طه حسين نقل المعركة من حيز النقد الداخلي للتراث إلى فضاء المساءلة من داخل العقل الحديث، عبر تغليف أطروحته بالمنهج الديكارتي والعقلانية الحديثة. هذا التحول المنهجي هو ما سمح بطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية التمييز بين النص الأدبي والوثيقة التاريخية والذاكرة الجماعية.
معضلة “الفجوة الزمنية” وانتقال المشافهة للتدوين
ركزت الندوة على مفهوم “الفجوة الزمنية” كأداة نقدية مركزية، وهي الفترة التي تفصل بين وقوع الأحداث التاريخية وبين لحظة تدوينها الفعلي. هذه الفجوة، التي تمتد لقرن على الأقل، تفتح الباب واسعاً أمام النسيان، وتعدد الروايات، والخلط بين الأخبار، وتدخل المخيال الجماعي. وأكدت التوجاني أن هذه الإشكاليات المنهجية التي طبقها طه حسين على الشعر الجاهلي تنسحب بشكل كامل على مصادر السيرة النبوية، حيث ظلت السيرة تُنقل شفوياً لعقود طويلة.
هذه الرواية الشفوية لم تكن نقلاً ميكانيكياً للواقع، بل كانت تخضع للتوظيف السياسي والمذهبي، خاصة في ظل الصراعات الكبرى التي شهدها المجتمع الإسلامي المبكر، مثل الفتنة الكبرى وصعود الدولتين الأموية والعباسية. فكل عملية رواية كانت في جوهرها “إنتاجاً متجدداً للخبر” يعكس سياقات لحظة التدوين أكثر مما يعكس الواقع التاريخي المجرد.
تشريح مصادر السيرة: ابن إسحاق وابن هشام في تحليل نقدي دقيق، توقفت التوجاني عند شخصية محمد بن إسحاق، صاحب أقدم سيرة مشهورة، موضحة التناقضات الكبيرة التي أحاطت بشخصيته ومنهجه.
فبينما نعتمد اليوم على سيرته كمصدر أساسي، نجد أن كبار أئمة عصره، مثل الإمام مالك بن أنس، قد اتهموه بـ “التدليس” والجمع عن المجاهيل والضعفاء.
وأوضحت الباحثة أن ما وصل إلينا فعلياً هو نسخة “مشذبة” قام بها ابن هشام، والذي لم يكتفِ بتنظيم المادة العلمية، بل قام بعملية حذف وتعديل سياسية بامتياز.
فقد حذف ابن هشام كل ما قد يسيء للعباسيين أو يمس شرعيتهم، مما يجعل السيرة التي بين أيدينا اليوم وثيقة تخدم بناء “السلطة الرمزية” للدولة العباسية آنذاك.
المخيال الجمعي والرموز الميثولوجية
طرحت الدكتورة التوجاني تساؤلاً حول طبيعة القصص التي تملأ كتب السيرة، مثل “شق البطن” و”تضليل الغمام” و”تسليم الحجر”، موضحة أنها رموز ميثولوجية لها نظائر في أديان وحضارات قديمة أخرى.
ودعت إلى ضرورة التفرقة بين “اليقين الإيماني” وبين “البحث المعرفي”؛ فاحترام العقل يقتضي عدم الانغماس في النصوص كما لو كانت مساوية للتاريخ، بل التعامل معها كمحامل ثقافية لها تاريخها الخاص وتعقيداتها في الانتقال من المشافهة إلى التدوين.
أصداء الندوة وإرث طه حسين
اختتمت التوجاني مداخلتها باستحضار زيارة طه حسين لتونس عام ألف وتسعمائة وسبعة وخمسين، مؤكدة أن منهجه النقدي لا يزال يمثل عصب دراسات الحضارة في الجامعة التونسية.
وقد أثرى المشاركون الندوة بمداخلات هامة؛ حيث أشار الباحث جمال عمر إلى أن السيرة تحمل في طياتها جوانب ترفيهية وجذب جماهيري يشبه “السير الشعبية”.
بينما لفت الدكتور قاسم المحبشي إلى أن التاريخ يُكتب ويُصاغ دائماً من أجل خدمة مصالح الحاضر. كما تطرق الأستاذ أشرف قنديل إلى العوائق اللوجستية التي جعلت التدوين المبكر للأحاديث أمراً صعباً من الناحية التقنية قبل عصر صناعة الورق.
إن الندوة في مجملها كانت دعوة للاستيقاظ من “التخدير التاريخي”، والعودة إلى منهج طه حسين في إعمال الشك المنهجي واليقظة النقدية تجاه كل ما وصل إلينا من مرويات، صوناً للعقل وتحرياً للحقيقة المعرفية.
للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة محاضرات د. زينب التوجاني في صالون تفكير خلال العامين الماضيين اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:
لمشاهدة محاضرات د. زينب التوجاني في صالون تفكير خلال العامين الماضيين اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد