من انتظار الإمام الغائب إلى ولاية الفقيه المطلقة… د. محمد الصياد… في ضيافة إيمان رفاعي بصالون تفكير
كتب مراسلنا نور البطاوي: في ليلة فكرية استثنائية، وضمن فعاليات موسم “كاتب وكتاب” الذي يقيمه صالون تفكير، مساء الجمعة الثامن من شهر مايو استضافت الأستاذة إيمان رفاعي الباحث المتخصص في الفقه السياسي المقارن، الدكتور محمد السيد الصياد، لمناقشة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الفكر الإسلامي المعاصر: “السياسة والحكم في زمان غيبة الإمام.. كيف ظهرت ولاية الفقيه؟”.
بقلم: نور البطاوي

تناول الدكتور الصياد في الندوة المسارات التاريخية والفقهية التي أدت إلى بلورة هذه النظرية، وكيف انتقل العقل الفقهي من فكرة السكون والانتظار إلى الانخراط الكامل في بنية الدولة الحديثة.
مخاطر الخوض في “الإمامة”: بين الفقه والتعصب
استهل الدكتور الصياد حديثه بالتأكيد على حساسية الكلام في الفقه السياسي، سواء السني أو الشيعي، مستشهداً بنص للحجة الغزالي في كتابه “الاقتصاد في الاعتقاد”، حيث يرى الغزالي أن النظر في الإمامة ليس من “المهمات” ولا “المعقولات” بل من “الفقهيات”، وهي مع ذلك “مثار للتعصبات”، مشيراً إلى أن معظم الفرق الكلامية في التاريخ الإسلامي نشأت في الأصل بسبب الخلاف السياسي.
ومن هذا المنطلق، سعى الصياد لتقديم قراءة واصفة ومحللة لتطور الفقه السياسي الشيعي عبر مراحل مفصلية، بدأت بمرحلة الأئمة المعصومين وصولاً إلى مرحلة ولاية الفقيه والمعارضين لها اليوم.
عصر “المنتظرة”: غياب الطموح السياسي
أوضح الصياد أن الفقه السياسي الشيعي في مرحلته الأولى اعتمد على “العصمة” والأحقية السياسية المطلقة للأئمة الاثني عشر. ومع وقوع “الغيبة”، دخلت الجماعة الشيعية في حالة عُرفت بـ “فقه الانتظار”. ويشير الصياد إلى أن المصادر التراثية، ككتابات الأشعري والغزالي، كانت تطلق على الشيعة الاثنا عشرية في ذلك الزمان لفظ “المنتظرة”، لغياب أي طموح سياسي لديهم في غيبة الإمام المعصوم.
لكن هذا السكون بدأ يتزحزح تدريجياً، حيث شهدت العصور الأموية والعباسية حالات من التطلع نحو الحكم، تجلت أحياناً في التعاطف مع الدول الشيعية كالبويهية والفاطمية، بل ورصد المؤرخون كالمقريزي محاولات لتحويل الحكم في مصر لفترة وجيزة إلى خلافة اثنا عشرية.
الانقلاب الصفوي: تحالف الفقيه والسلطان
اعتبر الدكتور الصياد أن العصر الصفوي مثل “شبه انقلاب” حقيقي في الفكر السياسي الشيعي. فمن خلال التحالف الشهير بين المحقق الكركي والشاه ناصر، بدأ الفقيه يمنح الشرعية للسلطان ويعزز نفوذه، وهي ممارسة شبيهة بجوهر ولاية الفقيه وإن لم تكن بصورتها المعاصرة.
واجه هذا التحالف انتقادات داخلية من علماء رأوا فيه تهديداً لاستقلال “الحوزة”، مثل الشيخ القطيفي الذي انتقد حصول العلماء على رواتب وجرايات من السلطة.
وفي هذا العصر، تحول الصراع مع الدولة العثمانية إلى صراع ديني-سياسي، حيث وظف كل طرف فقهاءه لتكفير الطرف الآخر.
جمال الدين الأفغاني وثورة “التنباك”: الإحياء السياسي
انتقل الصياد إلى محطة مفصلية في العصر الحديث، وهي “ثورة التنباك” (1890)، التي اعتبرها البداية الحقيقية لـ “الإحياء الشيعي”. هنا برز دور جمال الدين الأفغاني، الذي وصفه الفلاسفة الإيرانيون كمرتضى مطهري وشريعتي بأنه “زارع بذرة النهوض”.

أرسل الأفغاني رسالة شديدة اللهجة إلى المرجع الميرزا الشيرازي يحثه فيها على التحرك ضد احتكار شركة إنجليزية لتجارة التبغ في إيران. استجاب الشيرازي بفتواه الشهيرة التي قاطعت التبغ، وهنا أدركت الجماعة الشيعية لأول مرة قدرتها على قيادة الشأن العام والتأثير في القرار السياسي.
صراع “المشروطة” و”المستبدة”: جذور الوعي الدستوري
توقف الدكتور الصياد طويلاً عند الثورة الدستورية (1905)، معتبراً إياها أهم ثورة من ناحية الوعي الدستوري في تاريخ إيران. في هذه الثورة، انقسم العلماء إلى تيارين لا يزالان يحكمان المشهد الفكري حتى اليوم:
- تيار “المشروطة” (الدستوري): وتزعمه الميرزا النائيني في كتابه “تنبيه الأمة”، حيث أصّل لتقييد سلطة الحاكم، وحق الأمة في الرقابة والمحاسبة، معتبراً أن الأمة هي التي تمنح البرلمان صفة “أهل الحل والعقد”.
- تيار “المستبدة”: وتزعمه فضل الله النوري، الذي رفض الدستور واعتبر الديمقراطية “بدعة” وتقليداً للغرب يهدد سيادة الشريعة.
وقد شهدت هذه المرحلة اشتباكاً فكرياً حاداً، حيث وصف النائيني خصومه بـ “أشباه العلماء” الذين يبررون للطاغية طغيانه، بينما أعدم النوري لاحقاً على يد المجموعات الدستورية، وهو ما أحزن النائيني الذي أرادها معركة فكرية لا دموية.
الإمام الخميني: من الدستورية إلى “الولاية المطلقة”

حلل الصياد تحولات فكر الإمام الخميني، مشيراً إلى أنه بدأ بالقول بالانتظار، ثم الدستورية، وصولاً إلى التنظير لـ “ولاية الفقيه المطلقة” في الثمانينات. في هذه النظرية، اعتبر الخميني أن “الحكم الحكومي” الصادر عن الفقيه يتقدم على الأحكام الشرعية الأولية والثانوية، وللفقيه الحق في تعطيل أي فريضة إذا اقتضت “المصلحة” ذلك.
وصف الخميني الشعب في كتابه “الحكومة الإسلامية” بأنهم أشبه بـ “الصغار أو القصر”، وأن الولي الفقيه هو “القيم” عليهم
وصف الخميني الشعب في كتابه “الحكومة الإسلامية” بأنهم أشبه بـ “الصغار أو القصر”، وأن الولي الفقيه هو “القيم” عليهم، تماماً كما يكون الكبير قيماً على الأطفال. وبهذا، غابت فكرة الرقابة الشعبية والشورى المركزية التي نادى بها النائيني، ليصبح الفقيه هو مصدر الشرعية المطلق.
إشكاليات النظرية: “الكشف” وغياب المحاسبة
تطرق الدكتور الصياد إلى إشكاليات عميقة في تطبيق النظرية، منها تحول مفهوم اختيار الولي الفقيه من “الانتخاب” إلى “الكشف”. فوفقاً لمنظري التيار الولائي كآية الله مصباح، فإن مجلس الخبراء لا ينتخب الولي، بل “يكتشف” من اختاره الإمام المعصوم. كما طرح الصياد سؤالاً قلقاً: ما الحل إذا جار الولي الفقيه؟ موضحاً أن النظام الحالي يكتفي بـ “المكابح الداخلية” (التقوى والورع) ولا توجد مؤسسات رقابة خارجية فاعلة تستطيع محاسبته، مما يعيد إنتاج الاستبداد بصورة دينية .
المعارضة الداخلية والمستقبل
ختمت الندوة باستعراض الأصوات الشيعية المعارضة، مثل آية الله شريعتمداري الذي دفع ثمن معارضته بالإقامة الجبرية، والشيخ مهدي شمس الدين الذي طرح نظرية “ولاية الأمة على نفسها” . كما أشار الصياد إلى موقف المرجع السيستاني الذي يركز على مفهوم “مقبولية المؤمنين”، معتبراً أن الأمة هي المركز في اختيار الحاكم وعزله، وهو ما يتقاطع مع المبادئ الدستورية القديمة.
أكد الدكتور الصياد في ختام حديثه أن هذا الصراع بين النزعة الدستورية والنزعة المستبدة سيظل قائماً، وأن مستقبل “ولاية الفقيه” مرهون بمدى قدرتها على إقناع الناس وتحقيق الرفاهية والعدالة، خاصة وأن النظام واجه تحديات شعبية كبرى في سنوات (2009، 2017، 2021) قوبلت بالعنف، مما يفتح الباب للتساؤل حول مآلات هذه التجربة في ظل تعقيدات الدولة الحديثة.
لقراءة مقال الباحث عن موضوع الندوة اضغط هنا
للاستماع لتسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا
لمشاهدة ندوات موسم كاتب وكتاب بصالون تفكير 2026 اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد