شيطانة الجنة… قصة بقلم: صلاح الدين بصل
بقلم: صلاح الدين بصل

وجدتُها هناك، في ركنٍ قصيّ من المسرح، كأنها فكرة هاربة من حلمٍ قديم. أمامها قيثارة تكاد تعانق حجمها الصغير، وتحتضنها كما لو كانت جزءًا منها. أما أنا، فكنتُ أقبض على كلارينيت نحاسي عتيق، يحمل في صوته بقايا حكاياتٍ لم تُروَ بعد.
تأمّلتها بدهشةٍ طفولية؛ كيف ليدين رقيقتين، كأنهما من ضوءٍ لا من لحم، أن تُروّضا أوتار القيثارة؟ تذكّرتُ نفسي صغيرًا، حين كنت أؤمن أن هذه الآلة لا يعزفها إلا حوريات الجنّة، بأنامل بيضاء، شفافة.
بدأنا العزف. مقطوعة “العاصفة” لياني والتي بدت كعاصفة حقيقية تشتعل بيننا، وأنا أترقّب دورها كما يترقّب العاشق اعترافًا مؤجّلًا. وحين لامست أصابعها الأوتار… توقّف الزمن. لم تكن تعزف، بل كانت تُنصت لشيءٍ لا نسمعه، وتترجمه لنا بلغةٍ لا نعرفها. تساءلتُ، وأنا غارقٌ في ذهولي: أأنا أمام حوريةٍ هبطت سهوًا من السماء، أم أنني ما زلتُ نائمًا؟
توالت المقطوعات، من سوناتاتٍ حالمة إلى همساتٍ موسيقيةٍ تتأرجح بين الشجن والنور. شوبان، تشايكوفسكي، وباخ… لكنني لم أعد أسمعهم. كنت أسمعها هي فقط. أناملها كانت الحكاية، وكانت الطريق.
لم أستطع أن أزيح عينيّ عنها، كأنني أخشى أن تختفي إن رمشت.
انتهى كل شيء بعد ساعتين ونصف، أو ربما بعد عمرٍ كامل. دوّى التصفيق كعاصفةٍ أخرى، لكنني لم ألتفت. كنتُ مشدودًا إليها، كما يُشدّ الغريق إلى آخر نفس.
وحين أُرخيت الستائر، اقتربتُ منها. كان قلبي يعزف وحده الآن.
قلتُ، بصوتٍ نصفه دهشة ونصفه يقين:
– أأنتِ حوريةٌ من الجنّة، أم إنسانة مثلنا؟
ضحكت… وكانت ضحكتها موسيقى أخرى.
قالت:
– أنت لا تعرفني… أنا شيطانة.
ابتسمتُ، وكأنني وجدتُ ضالتي أخيرًا، وقلت:
– حتى لو كنتِ ابنة لوسيفر نفسه… فسأذهب معكِ إلى الجحيم.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد