نزع أقنعة التقديس.. عند علي مبروك… د. وائل العظمة… وبقلم: أسماء زكي

أسماء زكي

d8a3d8b3d985d8a7d8a1-d8b2d983d98a نزع أقنعة التقديس.. عند علي مبروك... د. وائل العظمة... وبقلم: أسماء زكي

يمر هذا العام عشر سنوات على وفاة دكتور علي مبروك، أستاذ الفلسفة الإسلامية. وبهذه المناسبة ينظم “صالون تفكير” عدة محاضرات لمناقشة أفكار ورؤى علي مبروك وإسهاماته في دراسة التراث الإسلامي. ومن هذه المحاضرات كانت محاضرة الدكتور وائل العظمة من معهد الفكر الإسلامي المعاصر بشيكاغو، يوم الثلاثاء 31 مارس. المحاضرة كانت بعنوان “علي مبروك ونزع أقنعة التقديس” وكانت الفكرة المحورية فيها تدور حول سؤال بسيط في ظاهره، عميق في نتائجه: هل ما نعتبره اليوم “مقدسًا” هو فعلًا كذلك منذ البداية، أم أنه نتاج مسار تاريخي؟

d985d8a8d8b1d988d983-d988d8b7d8a7d984d8a8d8a7d8aa-d8a7d984d8afd988d8b1d8a9-d985d986-d8a7d986d8afd988d986d98ad8b3d98ad8a7-e1715905079583 نزع أقنعة التقديس.. عند علي مبروك... د. وائل العظمة... وبقلم: أسماء زكي
علي مبروك

انطلقت المحاضرة من التأكيد على ضرورة قراءة علي مبروك خارج التصنيفات الأيديولوجية الجاهزة، لأن اختزال أي مفكر داخل “معسكر” معين يحرمنا من الاستفادة الحقيقية من أفكاره، حتى وإن اختلفنا معها، ثم انتقل الطرح إلى نقطة أساسية، وهي العلاقة بين العقل والدين، حيث تم التأكيد على أن التراث الإسلامي نفسه يحتوي على حضور قوي للعقل، كما عند الغزالي وابن رشد، وأن المشكلة لم تكن يومًا في غياب العقل، بل في إغلاقه أو تهميشه في مراحل لاحقة، ومن هنا بدأ تتبع تشكّل “التقديس”، بدءًا من المجال السياسي.

فبعد وفاة النبي ﷺ، لم تكن مسألة الحكم محسومة بنص ديني واضح، بل جرت ضمن سياق اجتماعي قبلي، كما في واقعة سقيفة بني ساعدة. ومع مرور الزمن، بدأت هذه القرارات السياسية تُعاد قراءتها، وتُلبس طابعًا دينيًا، حتى تحولت إلى ما يشبه الحقيقة المقدسة.

ومع تطور هذه العملية، لم يقتصر التقديس على السلطة السياسية، بل امتد إلى تبريرها، حيث ظهرت تصورات تجعل الحاكم “ظل الله في الأرض”، وأصبح نقد السلطة يُفهم أحيانًا كمساس بالدين نفسه.

ثم انتقل التقديس إلى مستوى أعمق، وهو المستوى الثقافي والمعرفي، حيث بدأنا نرى تقديسًا للأشخاص، ثم للنصوص، ثم لما يُعرف بـ”الأصول”. وهنا برز دور الشافعي في تأسيس علم أصول الفقه، حيث سعى إلى ضبط الفهم ومنع الفوضى، من خلال ربط الاجتهاد بالنصوص السابقة. إلا أن هذا المسار أدى تدريجيًا إلى تقليل مساحة الاجتهاد الحر، وتحول “الأصل” نفسه إلى مرجعية شبه مغلقة.

وفي هذا السياق، تم التطرق إلى مفهوم “الإجماع”، الذي لم يعد مجرد اتفاق بشري، بل تحول إلى مرجعية نهائية يصعب مراجعتها، حتى وُصف أحيانًا بأنه يقوم مقام “المعجزة”، وهو ما أدى إلى ما سماه العظمة “إغلاق الدائرة”، بحيث يصبح من الصعب إدخال أي فكرة جديدة من خارج هذا الإطار.

كما تناولت المحاضرة تجربة الأشعري، ليس فقط كتحول فكري من الاعتزال، بل كنموذج لكيف يمكن أن يُقدَّم التغيير نفسه بطريقة تضفي عليه طابعًا من القداسة، خاصة عندما يُربط بتجربة دينية، ما يجعله أقرب إلى الحقيقة المطلقة من كونه اجتهادًا بشريًا قابلًا للنقاش.

ثم انتقل د. العظمة إلى علم الكلام، حيث تم عرض مثال الباقلاني، الذي أعاد صياغة بعض الأفكار المتعلقة بطبيعة العالم، بحيث تتوافق مع التصور العقدي، فنفى وجود قوانين طبيعية ثابتة، واعتبر أن العالم يُخلق من جديد في كل لحظة بإرادة الله. ولم يكن الهدف هنا تقييم الفكرة بقدر ما كان إظهار كيف يمكن أن تتشكل المعرفة أحيانًا تحت تأثير تصورات مسبقة.

وفي هذا الإطار، أشار المحاضر إلى نوع من “الانفصام” في التفكير، ما زال حاضرًا حتى اليوم، حيث يتم بناء يقين ديني مطلق، وفي الوقت نفسه محاولة الاستناد إلى نظريات علمية تقوم أساسًا على الشك وقابلية المراجعة، ما يخلق توترًا بين المجالين.

لكن المحاضرة لم تكتفِ بالنقد، بل قدمت نماذج بديلة من داخل التراث نفسه، تؤكد أن الاجتهاد لم يكن غائبًا. فتم عرض نموذج ربيعة الرأي، الذي تعامل مع النصوص بمرونة، وركّز على مقاصدها لا على ظاهرها فقط، وكذلك نموذج عطاء بن أبي رباح، الذي أظهرت الدراسات أن اعتماده على النصوص المباشرة لم يكن دائمًا بالشكل الذي نتصوره اليوم.

كما تم التأكيد على نموذج عمر بن الخطاب، الذي تعامل مع النصوص بوصفها مجالًا للفهم والاجتهاد، فغيّر بعض التطبيقات بحسب تغير الظروف، مثل إيقاف سهم المؤلفة قلوبهم، مما يعكس إمكانية التوازن بين ثبات النص وتغير الواقع.

وختم دكتور العظمة مداخلته بطرح إشكالية معاصرة مهمة، وهي أن تحويل التراث إلى منظومة مغلقة يجعل من الصعب عليه التفاعل مع أسئلة العصر، خاصة في ظل ما يطرحه العلم الحديث من تحديات، وهو ما يجعل إحياء دور العقل والاجتهاد ضرورة، لا خيارًا.

في النهاية، يمكن القول إن المحاضرة لا تدعو إلى هدم التراث، بل إلى إعادة قراءته، والتمييز بين ما هو ديني في جوهره، وما هو نتاج تاريخي تشكّل عبر الزمن، حتى نتمكن من التعامل معه بوعي، لا بمجرد التسليم.

للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.

لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على قناة تفكير على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات