جمال عمر وقراءة في الخطاب الأشعري… بقلم أسماء زكي

بقلم: أسماء زكي

d8a3d8b3d985d8a7d8a1-d8b2d983d98a جمال عمر وقراءة في الخطاب الأشعري... بقلم أسماء زكي

في إطار احتفاء صالون وأكاديمية تفكير بالمفكر الراحل دكتور علي مبروك بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيله في 2016، قدّم “الباحث” جمال عمر محاضرة بعنوان “تفكيك بنية الخطاب الأشعري”.  في محاضرته  قدّم عمر قراءة تحليلية لفكر الدكتور علي مبروك، ساعيًا إلى وضع مشروعه ضمن سياق أوسع من تطور الدراسات النقدية للتراث في الفكر العربي المعاصر، وبخاصة ما يُعرف بـ«مدرسة القاهرة» في نقد التراث والفكر الأشعري. وقد انطلقت المداخلة من النظر إلى مبروك لا بوصفه مفكرًا يقدّم إجابات نهائية، بل بوصفه مفكرًا يعيد طرح الأسئلة الكبرى داخل التراث، ويعيد التفكير فيها من زوايا متعددة، حتى وإن كانت هذه الأسئلة قد طُرحت من قبل لدى مفكرين آخرين.

في هذا الإطار، تناول عمر علاقة مبروك بعدد من أبرز مفكري هذه المدرسة، مثل حسن حنفي ونصر أبو زيد، موضحًا أن هذه العلاقة لم تقتصر على التأثر، بل اتسمت كذلك بطابع نقدي واضح، حيث قدّم مبروك مراجعات لبنية هذه المشروعات الفكرية، وسعى إلى تطوير مسار مغاير في التعامل مع التراث. كما أشار إلى وجود توترات فكرية وشخصية في هذا السياق، تعكس طبيعة الاشتباك داخل الحقل النقدي ذاته.

وتوقّف جمال عمر عند طبيعة مشروع علي مبروك، مبينًا أنه اختار الاشتغال على علم الكلام، أو ما يُعرف بعلم العقائد، باعتباره مدخلًا لتحليل بنية الخطاب الديني، حيث سعى إلى دراسة الخطاب الأشعري ومقارنته بخطابات أخرى، مثل المعتزلي والشيعي الجعفري. وفي الوقت نفسه، انتقد إعادة تدوير علي مبروك لبعض الأفكار والنصوص في أعماله، وكذلك توظيفه لبعض مكونات التراث، وخاصة الاعتزالية، في سياق نقدي موجّه، وهو ما يفتح المجال للتعامل مع مشروعه باعتباره مشروعًا مفتوحًا للنقاش والتقييم.

كما تناولت المحاضرة الإشكالات الأكاديمية المرتبطة بدراسة هذا النوع من الموضوعات، ومنها الجدل حول مفهوم «الفلسفة الإسلامية» داخل المؤسسات الجامعية، وما إذا كانت تُحصر في إنتاج الفلاسفة المتأثرين باليونان، أم تشمل ما أبدعه المسلمون داخل علوم الدين. وقد انعكس هذا الجدل على مسار مبروك الأكاديمي، حيث واجهت أطروحته في مراحلها الأولى تحديات وتأجيلات قبل إقرارها.

وفي المحور الثاني من المداخلة، ركّز جمال عمر على تحليل الخطاب الأشعري، مؤكدًا أنه لا ينبغي فهمه كمجرد مذهب عقدي، بل كبنية فكرية متكاملة سادت عبر التاريخ، وما زالت تُعاد إنتاجها حتى اليوم من خلال مؤسسات دينية وتعليمية. وأوضح أن هذه البنية لا تستمد حضورها فقط من قوتها النظرية، بل من قدرتها على التكيف مع سياقات متعددة، وتقديم صيغ توفيقية تسمح باستمرارها وانتشارها.

وفي سياق المقارنة، عرض المتحدث الفروق بين المنهج الأشعري والمنهج الاعتزالي، مبرزًا أن الاختلاف بينهما يتجاوز النتائج إلى طبيعة بناء المعرفة نفسها. فبينما يعتمد المعتزلة على الاستدلال العقلي والانطلاق من الواقع المشاهد، يرتكز الخطاب الأشعري على «الخبر» أو المرويات بوصفها مصدرًا أساسيًا للمعرفة، مع ما يترتب على ذلك من توسيع لسلطة النص وتثبيتها.

كما تناولت المحاضرة عددًا من القضايا الكلامية، مثل مسألة «خلق القرآن»، مبيّنة أن هذه القضايا لا تنحصر في الجدل النظري، بل ترتبط بكيفية فهم النص الديني وعلاقته بالزمان والمكان، ومن ثم تؤثر في مقاربات الواقع. وفي هذا السياق، عرض جمال بعض الحلول التي طوّرها الخطاب الأشعري، مثل التمييز بين «الكلام النفسي» القديم و«التعبير اللفظي» المخلوق، بوصفها صيغًا توفيقية مكّنته من الحفاظ على تماسكه النظري.

كما أشار عمر إلى أن استمرارية هذا الخطاب لا يمكن فهمها بمعزل عن أبعاده المؤسسية، حيث أسهمت مؤسسات مثل المدارس النظامية تاريخيًا، والأزهر وغيره من مراكز التعليم الديني، في إعادة إنتاجه وترسيخه. وفي الوقت نفسه، بيّن أن محاولات الخروج من هذا الإطار، كما في بعض الاتجاهات السلفية أو الحركات الإسلامية الحديثة، تعكس استمرار الصراع حول هذه البنية الفكرية.

وفي ختام مداخلته أكّد جمال عمر أن القضايا الكلامية، رغم طابعها النظري، تمتد آثارها إلى الحياة اليومية، حيث تؤثر في تصورات الأفراد للعلاقة بين الأسباب والنتائج، أو بين الفعل الإنساني والإرادة الإلهية، كما في فهم قضايا مثل العمل والرزق.

ختامًا يمكن القول أن المحاضرة قدمت قراءة مزدوجة لفكر علي مبروك: من جهة، إعادة تقديمه ضمن سياقه النقدي، ومن جهة أخرى، توسيع هذا النقد ليشمل الخطاب الأشعري بوصفه بنية فكرية مستمرة، تتداخل فيها الأبعاد المعرفية والتاريخية والمؤسسية.

لتنزيل كتاب “مدرسة القاهرة في نقد التراث والأشعرية… دراسة علائقية” لجمال عمر، اضغط هنا.

للذهاب لمكتبة تفكير، اضغط هنا.

للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.

لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات