ميلاد باحثة جديدة في الفكر العربي في موسم مئوية “في الشعر الجاهلي” بصالون تفكير
كتب مراسلنا نور البطاوي:
طه حسين يهزّ المسلّمات في صالون “تفكير”: مئوية “في الشعر الجاهلي” تفتح آفاق النقد وتفكك ثنائية المقدس والتاريخ.
بقلم: نور البطاوي

في ندوة فكرية رفيعة المستوى احتضنها صالون “تفكير”، الثلاثاء 5 مايو، أُقيمت حلقة نقاشية تحت عنوان “طه حسين يهزّ المسلّمات: قراءة في الشعر الجاهلي”، أدارتها الدكتورة زينب التوجاني، وقدمت فيها الباحثة غادة جدلي مداخلة ثرية حول المنهج الديكارتي الذي أرساه عميد الأدب العربي طه حسين في كتابه المثير للجدل. تأتي هذه الندوة في إطار الاحتفاء بمرور قرن على صدور الكتاب الذي مثّل منعطفاً حاسماً في مسار الدراسات الأدبية والتاريخية العربية.
منهج الشك الديكارتي: ثورة على التقليد
استهلت الباحثة غادة جدلي مداخلتها بالتأكيد على أن كتاب “في الشعر الجاهلي” الذي صدر عام ألف وتسعمائة وستة وعشرين، لم يكن مجرد بحث أدبي، بل كان صرخة عقلانية في وجه “النظرة التقديسية” للمرويات القديمة. وأوضحت أن طه حسين استلهم منهج الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت القائم على “الشك الإرادي البناء”، حيث دعا الباحث إلى التجرد من الميول الدينية والقومية والعواطف الشخصية قبل دراسة التراث.
وأشارت الباحثة إلى أن العميد أراد نقل الدرس الأدبي من “منطق التلقي والتسليم” إلى “أفق النقد والتفكيك”. فطه حسين، بحسب جدلي، لم يسعَ لهدم التراث، بل لتقويم مناهج دراسته بما ينسجم مع متطلبات البحث العلمي الحديث. وقد استشهدت الباحثة بقول العميد في كتابه: “أحب أن أكون واضحاً جلياً.. المستقبل لمنهج ديكارت، لا لمنهج القدماء”.

نظرية الانتحال: الشعر كمرآة سياسية لا تاريخية
ناقشت الندوة باستفاضة نظرية “الانتحال” التي طرحها طه حسين، حيث اعتبر أن جانباً كبيراً مما يُسمى بالشعر الجاهلي ليس جاهلياً في الحقيقة، بل هو نتاج عصور لاحقة خضعت لعمليات وضع بفعل عوامل سياسية وقبلية ودينية. وبدلاً من الاعتماد على هذا الشعر كمرجع للهوية واللغة، دعا طه حسين إلى اتخاذ القرآن الكريم “أصدق مرآة” للحياة الجاهلية، باعتباره الوثيقة التاريخية الأكثر موثوقية التي تعكس بيئة العرب في ذلك العصر.
طه حسين وجاكلين شابي: امتداد المنهج عبر الزمن
في قسم لافت من المداخلة، أجرت غادة جدلي مقارنة بين منهج طه حسين ومنهج المستشرقة الفرنسية المعاصرة جاكلين شابي. وأوضحت أن شابي تتقاطع مع طه حسين في “المنزع التشكيكي” تجاه المرويات والسيّر اللاحقة، وتعتمد حصراً على النص القرآني في سياقه الأنثروبولوجي والسوسيولوجي لفهم بيئة الحجاز في القرن السابع الميلادي.
ورغم هذا التشابه، أبرزت الباحثة أوجه الاختلاف؛ فبينما كان طه حسين يتحرك داخل فضاء إصلاحي يحاول التوفيق بين الموروث والحداثة، تبدو جاكلين شابي أكثر راديكالية في قراءتها السياقية التي تفصل بين “الإسلام الرسالي” و”الإسلام التاريخي”.
سجالات ساخنة: هل الشك يقود لليقين؟
شهدت الندوة نقاشات حادة من الحضور، حيث تساءل الأستاذ أشرف قنديل عما إذا كان طه حسين قد التزم فعلاً بالمنهج الديكارتي، معتبراً أن شك العميد في الكتاب لم يفضِ إلى “يقين عقلي” كما عند ديكارت، بل ظل شكاً من أجل التشكيك ونقد البنية المعرفية. وردت الباحثة بأن الشك عند طه حسين كان “تعليقاً للحكم” لنزع القداسة عن الأفكار الجاهزة بهدف بلوغ حقائق جليّة حول الهوية العربية دون تزييف.
من جانبه، أثار الأستاذ أحمد خفاجي إشكالية تناقض طه حسين في اعتباره القرآن “كتاباً مقدساً” وفي الوقت ذاته استخدامه كوثيقة تاريخية. وأوضح الأستاذ جمال عمر في مداخلته تعقيباً على ذلك، أن هناك فرقاً بين “الوجود الفيزيقي التاريخي” و”الوجود الثقافي” في الوعي الجماعي، مؤكداً أن طه حسين تعامل مع القرآن كوثيقة تعكس تاريخية الزمن الذي نزل فيه وتصورات أهله.
التاريخ والوعي الجمعي
وفي مداخلة عميقة، فرق الدكتور محمد عيسى بين “علم التاريخ” الذي يخضع للقواعد العلمية والحفريات، وبين “التاريخ في الوعي الجمعي” الذي تمثله الكتب المقدسة. وأشار إلى أن طه حسين وجاكلين شابي لم يكتبا كمؤرخين بالمعنى التقليدي، بل كباحثين في “تصورات حياة العرب” وتماثلات الفكر العربي المشترك. أما الأستاذ شادي المصري، فقد اعتبر أن طه حسين كان يدافع عن القرآن بمنهج أكاديمي، حيث وسّع “ولاية الإسلام” لتقبل القصص القرآني كقصص فني يهدف للعبرة والوعظ، حتى لو لم يثبت وجود بعض الشخصيات تاريخياً بمقاييس العلم الحديث.
خاتمة الندوة: صوت باحثة واعدة
اختتمت الدكتورة زينب التوجاني الندوة بالإشادة بشجاعة الباحثة غادة جدلي ومبادرتها لدراسة هذا الكتاب الشائك، معتبرة أن إصرار الأجيال الجديدة على مساءلة المسلّمات هو السبيل الوحيد لإيقاظ العقل العربي من “ظلمات التقليد”. كما أعلنت عن استمرار سلسلة الندوات، حيث ستقدم الندوة القادمة قراءة في نقد مصادر السيرة النبوية.
لقد أثبتت هذه الندوة أن طه حسين، بعد مرور قرن، لا يزال حاضراً بقوة، ليس كأديب فحسب، بل كمنهج تفكير يحفزنا على إعادة بناء حقولنا المعرفية على أسس علمية حديثة تقوم على التحقيق والمقارنة والنقد البناء.
للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة على يوتيوب اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد