د. فادي عوض يُعايش طه حسين في أزمته “في الشعر الجاهلي” مع إيمان رفاعي

طه حسين.. مائة عام من “التحقيق” وما وراء صراع التنوير والتكفير

كتب نور البطاوي

في ليلة فكرية استثنائية نظمها “صالون تفكير”، التقينا لنحتفي بمرور قرن كامل على صدور واحد من أكثر الكتب إثارة للجدل في تاريخنا الحديث: كتاب “في الشعر الجاهلي” لعميد الأدب العربي طه حسين. الندوة التي أدارتها المهندسة إيمان رفاعي، واستضافت فيها الباحث الدكتور فادي عوض، لم تكن مجرد استعادة تاريخية، بل كانت محاولة جادة لتفكيك “الاستقطاب الحاد” الذي حصر هذا النص التأسيسي في ثنائيات متصارعة ما بين التنوير والتقليد، والحداثة والمحافظة.

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 د. فادي عوض يُعايش طه حسين في أزمته "في الشعر الجاهلي" مع إيمان رفاعي

الهروب من سجن الثنائيات

بدأ الدكتور فادي عوض مداخلته بطرح تساؤل جوهري: هل استنفدنا كل طاقة الكتاب المعرفية، أم أننا ظلمنا النص ومؤلفه بحصره في قطبية “التنوير مقابل التكفير”؟. يرى عوض أن التورط في هذا التفسير الأحادي يعمينا عن تنوع الطبقات المنهجية والموضوعية للكتاب، ويحرمنا من قراءة الموقف المركب لطه حسين إزاء ماضي الثقافة ومستقبلها. إن الاستمرار في هذه “العصبيات الفكرية” يفسد البحث الجاد، وينتهي دوماً بتكميم أفواه المخلصين، سواء بيد المستعمر قديماً أو الدولة لاحقاً.

سياق “التحقيق”: من الطباعة إلى التراث

في مقاربة مغايرة، أعاد عوض وضع الكتاب في سياقه التاريخي المرتبط بـ “ثورة 1919” ونشأة الجامعة المصرية. وأشار إلى أن مفهوم “التراث” في عام 1926 كان مختلفاً تماماً عما هو عليه الآن؛ فقد كان مرتبطاً بلحظة “ظهور الطباعة وتنظيم التعليم”. فقبل طه حسين بقرن، بدأت مطبعة بولاق بإحياء الأدب العربي القديم كأداة للنهضة والندية مع أوروبا، وهي اللحظة التي أطلق عليها عوض “عصر الإحياء”.

انتقل الفكر المصري بعد ذلك من “الإحياء” إلى “السرديات الكبرى” (مثل أعمال جورجي زيدان والرافعي)، وصولاً إلى ما سماه عوض “عصر التحقيق”، وهو العصر الذي كان طه حسين في قلبه. فكلمة “التحقيق” هي الأكثر تكراراً في كتاب “في الشعر الجاهلي”، والمنهج الذي نادى به لم يكن الشك من أجل الإنكار، بل “الشك من أجل التحقيق” للوصول إلى أدق نسخة ممكنة من الحقيقة التاريخية.

ديكارت والمنهج الفيولوجي

أوضح الدكتور فادي أن طه حسين حين أعلن استخدام “منهج ديكارت”، لم يكن يقصد تطبيق خطة مرسومة سلفاً، بل اتخاذ ديكارت كـ “تعريف للحداثة” ومنهجية تبدأ من الصفر الموضوعي للوصول إلى اليقين أو “الرجحان”.

d8b7d987-d8add8b3d98ad986 د. فادي عوض يُعايش طه حسين في أزمته "في الشعر الجاهلي" مع إيمان رفاعي

لكن الإضافة الحقيقية لطه حسين، بحسب عوض، كانت “المنهج الفيلولوجي” (تاريخ اللغة). فقد استلهم حسين من البحث الأوروبي المقارن في “الساميات” ضرورة الربط بين البحث الأثري/الحفائري والبحث اللغوي. ومن هنا جاء شكه في أصالة الشعر الجاهلي؛ فبينما يجمع الرواة على أن لغة الجنوب انتقلت إلى الشمال، يرى طه حسين أن لغة اليمن القديم تختلف كلياً عن لغة القرآن والشعر الجاهلي، وهو تناقض لا يمكن حله إلا بالشك في الروايات المتواترة التي لم يدعمها أثر تاريخي ملموس.

القرآن كمرآة للحياة الجاهلية

في فصل اعتبره عوض “قلب الكتاب”، يقلب طه حسين الآية؛ فبدلاً من دراسة الجاهلية عبر شعر “منتحل”، يدعو لدراستها عبر القرآن الكريم. يرى حسين أن القرآن هو أصدق مرآة للحياة الجاهلية، لأنه يثبت أن العرب قبل الإسلام كانوا قوماً على قدر عالٍ من التحضر والتعقيد والتركيب، وإلا لما استطاعوا مجادلة القرآن وفهم معجزه.

أما القضية التي أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بسببها، وهي التشكيك في الوجود التاريخي للنبيين إبراهيم وإسماعيل، فقد أوضح عوض أن طه حسين كان يفرق بين “الإيمان التعبدي” و”الإثبات التاريخي”. فمن منظور فيلولوجي، رأى حسين أن قصص الأنبياء في القرآن والتوراة لا تكفي وحدها كدليل تاريخي وجغرافي مالم يدعمها البحث الأثري.

أسباب الانتحال: السياسة والدين والشعوبية

فكك طه حسين دواعي القلق تجاه الشعر الجاهلي مرجعاً “الانتحال” إلى أربعة أسباب رئيسية:

  • السياسة: الصراعات القبلية والسياسية التي تلت وفاة الرسول، حيث نُسب شعر للجاهليين لإعلاء عصبية قبيلة على أخرى.
  • الدين: محاولات المسلمين (أو خصومهم) إثبات أصول فكرية أو تبرير معجم لغوي إسلامي عبر اختلاق مرويات جاهلية.
  • الرواة: عدم دقة الرواة مثل حماد الراوية وخلف الأحمر، الذين كانوا يضعون في الشعر ما ليس فيه.
  • الشعوبية: الصراع بين العرب والموالي، حيث جمع الجاحظ مثلاً مرويات في “كتاب العصا” لتبرير تقاليد عربية هاجمها الفرس.

محاكمة “القصد الجنائي”

لم تكن أزمة الكتاب في عام 1926 ثقافية فحسب، بل كانت أزمة سياسية بامتياز بين “الوفد” و”الأحرار الدستوريين”. وهنا توقف الدكتور فادي عند تقرير النائب العام محمد نور، واصفاً إياه بوثيقة قانونية غريبة حاول فيها إلباس “الحجاج الأدبي” صورة “الحجاج القانوني”.

ورغم أن التيار التنويري يحتفي بالحكم كحماية لحرية الرأي، إلا أن عوض أشار إلى أن الحكم لم يبرئ طه حسين بشكل كامل، بل أثبت “الفعل” ونفى “القصد الجنائي”. لقد رفض النائب العام التهم الدينية، لكنه “لام لغة طه حسين بقسوة”، معتبراً إياها لغة متهكمة وساخرة.

“الأيام”: الرد الأبلغ

ختم الدكتور فادي عوض مداخلته بنظرة لافتة إلى كتاب “الأيام”، مؤكداً أنه كُتب كرد فعل مباشر على أزمة “في الشعر الجاهلي”. في “الأيام”، يسخر طه حسين من الجميع، بما في ذلك نفسه، ويستعرض كافة أشكال التعليم التي تلقاها: من الكتّاب والأزهر إلى الجامعة وسوربون فرنسا.

أراد طه حسين أن يقول إنه يمتلك “التقوى المعرفية” التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهو ما يجعله شخصاً “لا يمكن الاستغناء عنه” في تطوير الدرس الأدبي. ولعل الجملة التي استقرت في ذهن طه حسين الصبي من دراسة أصول الفقه، ولخصت منهجه لاحقاً، هي: “والحق هدم الهدم”؛ أي أن الحق لا يستقيم إلا بنفي نقيضه بالدليل والبرهان.

إن معركة طه حسين، بعد مائة عام، لم تكن معركة لغوية فحسب، بل كانت معركة من أجل “الفكر النقدي”. وكما خلصت الندوة، فإننا في أمسّ الحاجة اليوم للخروج من الاستقطاب، والعودة إلى “التحقيق” كأداة للفهم، لا كمنصة للتكفير أو التبجيل الأعمى.

لمشاهدة ندوات موسم المحاضرات حول كتاب في الشعر الجاهلي كلها اضغط هنا

لمشاهدة فيديوهات د. فادي عوض في صالون تفكير اضغط هنا

للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات