إعادة توظيف الأسطورة اليونانية في السينما المعاصرة … بقلم: سارة فراج عبد القادر

شاعرة وباحثة بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة.

1000025190 إعادة توظيف الأسطورة اليونانية في السينما المعاصرة ... بقلم: سارة فراج عبد القادر

طالما ألهمت الميثولوجيا اليونانية المبدعين على اختلاف فنونهم، وكانت معينًا لا ينضب للفنون والآداب، وأثرًا حاضرًا في كثير من الأعمال الخالدة في الرسم، والمسرح، والشعر، والفن القصصي، وقد استطاعت الأسطورة اليونانية أن تجد طريقها إلى السينما أيضًا فشهدت الشاشة السينمائية العالمية إعادة توظيف للعديد من الشخصيات الأسطورية اليونانية مثل “ميدوسا، وسيزيف، وبيرسيوس، وأوديسيوس”، وغيرهم.

images-14 إعادة توظيف الأسطورة اليونانية في السينما المعاصرة ... بقلم: سارة فراج عبد القادر

وتُعد أسطورة “بيجماليون” واحدة من أكثر الأساطير حضورًا في الفنون المختلفة؛ فقد أُعيد توظيفها في سياقات فنية عديدة؛ فنجد أنها ألهمت عددًا من الرسامين إعادة تجسيدها في لوحات فنية، وانتقلت إلى المسرح العالمي على يد جورج برنارد شو، ومنه إلى المسرح الذهني العربي على يد توفيق الحكيم، قبل أن تعاود حضورها من جديد في السينما المصرية المعاصرة من خلال رؤى جديدة تستلهم الجوهر، وتعيد صياغة التفاصيل بما يتناسب مع روح العصر.

وقد شهد عام 2025 إنتاج فيلمين يستلهمان جوهر قصتهما من تلك الأسطورة، وهما فيلم “ولنا في الخيال حب” لسارة رزيق شافع، وفيلم “هيبتا 2 – المناظرة الأخيرة” لمحمد صادق ومحمد جلال.

f92e6d65-d755-4db6-a1ce-d43e04c69a15-1-691x1024 إعادة توظيف الأسطورة اليونانية في السينما المعاصرة ... بقلم: سارة فراج عبد القادر
315x420_94586111d1527d12c8cf297bb8c2a4e81a9cbae8cfc1b82b801c8610e9911b4e إعادة توظيف الأسطورة اليونانية في السينما المعاصرة ... بقلم: سارة فراج عبد القادر

ويدور العملان حول فكرة واحدة تتمثل في حدود الإبداع البشري، وإمكانية الاكتفاء بهذا الإبداع _الذي يبلغ حدَّ الكمال في نظر صاحبه_ عن العلاقات الإنسانية التي يشوبها النقص ويلازمها الألم.

فمثلما استغنى بيجماليون عن جميع النساء بتمثاله جالاتيا الذي صنعه بيديه سعيًا إلى بلوغ الكمال، وهربًا من الخيانة ورتابة الواقع الإنساني، تنجح سارة يحيى المبرمجة الشابة في فيلم “هيبتا 2 –  المناظرة الأخيرة” _بعد فشلها في تجربة عاطفية_ تنجح في ابتكار تطبيق قائم على الذكاء الاصطناعي يتيح للمستخدم الحصول على الشريك المثالي معتمدًا على البيانات التي يُدخلها المستخدم، ومواصفات الشريك الذي يتطلع إليه. 

ثم يُنشئ التطبيق شخصيةً افتراضية بهذه المواصفات، وبعد فترة من التفاعل معها؛ يرشحه إلى أقرب نموذج حقيقي لها في الواقع.

ونلاحظ أن كلا العملين يقيم مقابلة واضحة بين شخصية البطل وشخصية بيجماليون في الأسطورة اليونانية؛ إذ يحاول البطل في كل منهما تعويض فقدٍ أو نقصٍ في الواقع بصنعةٍ بشرية يتوهم أنها بلغت حدَّ الكمال، وأنها قادرة على أن تحل محل العلاقات الإنسانية بما تنطوي عليه من نقصٍ وألم.

غير أن توظيف الأسطورة يختلف في العملين؛ ففي “هيبتا2 – المناظرة الأخيرة” يقوم التوظيف على التلميح لا التصريح، فلا نجد تناصًا مباشرًا مع أسطورة بيجماليون وجالاتيا، وإنما تتجلى الأسطورة في بنيتها الفكرية القائمة على صناعة الشريك المثالي والرهان على بديلٍ من صنع الإنسان.

أما في فيلم “ولنا في الخيال حب” فإن التوظيف يقوم على التصريح، إذ يستعيد الفيلم جوهر الأسطورة وآليتها معًا؛ فالدكتور يوسف يسلك الطريق ذاته الذي سلكه بيجماليون؛ فيصنع نموذجًا مكتملًا لزوجته الراحلة، ويعيش معه كما لو كان حقيقة، مستعيضًا بهذا النموذج عن البشر محاولًا التغلب على ألم الفقد، لا هربًا من النساء كما فعل بيجماليون.

والحق أن كلا العملين قد حظي بقدرٍ من القبول لدى الجمهور، ولا سيما “ولنا في الخيال حب”؛ إذ كثرت الآراء الإيجابية حوله بين الجمهور العام والنقاد على السواء. ولعل ذلك يرجع إلى مباشرة فكرته وقربها من المتلقي في حين بدا فيلم “هيبتا2 المناظرة الأخيرة متوجهًا إلى شريحة بعينها هي فئة الشباب الأكثر تفاعلاً مع تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات التطور التكنولوجي وما تثيره من أسئلة وإشكاليات قد لا تستأثر باهتمام جميع المتلقين بالقدر نفسه.

ويُعد هذا القبول مؤشرًا إيجابيًا على انفتاح الذائقة الفنية على أنماط جديدة من الفن السينمائي، واستعداد الجمهور لتلقي أعمال تقوم على الفكرة والتأمل، وتستلهم التراث في معالجة قضايا معاصرة؛ ومن ثم قد يسهم نجاح مثل هذه الأعمال في تشجيع صناع السينما على تقديم تجارب أكثر عمقًا وجدية، ويوسّع دائرة الاهتمام بالأعمال التي تراهن على القيمة الفكرية والجمالية، بل وقد ينفر من بعض الأعمال التي تعتمد على الإسفاف وتروج للعنف.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات