الجهاد والاستشهاد والانتحار.. قراءة في المفاهيم الإسلامية المغلوطة… د. عاصم حفني … الجزء 2
بقلم: نور البطاوي

في خضم الأحداث المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، تتصدر مفاهيم مثل “الجهاد” و”الاستشهاد” و”الانتحار” و”الحور العين” المشهد الفكري والإعلامي، وسط حالة من الالتباس وسوء الفهم التي تؤثر على صورة الإسلام وتغذي خطابات التطرف. هذا ما حاول الدكتور عاصم حفني معالجته في محاضرته الثانية ضمن دورة “مفاهيم حول الشهيد والشهادة في الثقافة العربية الإسلامية”، حيث قدّم قراءة معمقة في الأصول الشرعية لهذه المصطلحات، وميز بينها، وكشف عن كيفية تحريفها واستغلالها.
الجهاد: مفهوم أوسع من القتال
يبدأ الدكتور حفني بتصحيح الفكرة الشائعة عن الجهاد، مؤكداً أنه ليس مرادفاً للقتال المسلح فقط. فكلمة “جهاد” في اللغة تعني بذل أقصى الجهد والطاقة، وهو مفهوم يشمل كل أشكال السعي والاجتهاد في سبيل الله. وقد ميز الفقه الإسلامي بين نوعين رئيسيين من الجهاد:
الجهاد الأكبر (جهاد النفس)، وهو الصراع الداخلي المستمر ضد الأهواء والشهوات ووساوس الشيطان، وتهذيب الأخلاق، وتزكية الروح. هذا الجهاد هو الأساس، فالمسلم الذي لا يستطيع مجاهدة نفسه لن يكون قادراً على الجهاد في سبيل الله بالمال أو بالنفس أو بالكلمة.
الجهاد الأصغر (جهاد القتال)، وهو الدفاع المشروع عن النفس أو الدين أو الوطن أو المستضعفين، وله ضوابط وشروط صارمة في الشريعة، لا يمكن أن يتم إلا تحت راية دولة أو سلطة شرعية، وبأهداف واضحة.
ويشير الدكتور حفني إلى أن الجهاد لا يقتصر على هذين النوعين، بل يمتد ليشمل جهاد العلم (نشر المعرفة والدعوة بالحكمة)، وجهاد المال (الإنفاق في سبيل الله)، مما يعكس شمولية المفهوم وارتباطه بكل جوانب الحياة.
ويضع الإسلام ضوابط صارمة للجهاد القتالي: النية الصادقة، وإذن ولي الأمر، والدفاع عن النفس أو الدين أو الوطن، وعدم قتل المدنيين، والالتزام بالأخلاق الإسلامية في الحرب كالوفاء بالعهود وعدم الغدر. هذه الضوابط تحول دون تحويل الجهاد إلى أداة للعدوان والإرهاب.
الاستشهاد: منزلة عظيمة وليست حكراً على المعركة
يتناول الدكتور حفني مفهوم الاستشهاد كمفهوم أسمى في الإسلام، حيث يحظى الشهيد بمكانة رفيعة في الدنيا والآخرة. كلمة “شهيد” مشتقة من جذر “شهد” الذي يحمل معاني الحضور والمعاينة والإخبار بالحق.
ويوضح أن الشهيد ليس فقط من يقتل في المعركة، بل كل من مات في سبيل الله بنية خالصة، سواء بمرض أو حادث أو ظلم. وتتعدد النصوص التي تبين فضل الشهادة: الخلود في الجنة، والمغفرة والرحمة، وعدم الإحساس بألم الموت، وتمنى العودة للدنيا للشهادة مرة أخرى لما يرى من كرامة الله.
ويقسم الفقهاء الشهداء إلى نوعين: شهيد الدنيا والآخرة (من يقتل في معركة مشروعة، فيُدفن بملابسه ولا يُغسل ولا يُصلى عليه تكريماً له)، وشهيد الآخرة (من يموت بأسباب أخرى كالغرق أو الحريق أو المرض أو أثناء الولادة، فيُغسل ويُصلى عليه وينال أجر الشهيد في الآخرة). هذا التقسيم يؤكد أن الشهادة ليست حكراً على ساحة القتال، بل تشمل كل من بذل روحه في سبيل الله بنية صادقة.
الانتحار: جريمة في حق الحياة
على النقيض تماماً، يأتي مفهوم الانتحار الذي يُعد من كبائر الذنوب في الإسلام، ومحرم تحريماً قطعياً. فالانتحار هو تعدٍ على حق الله في الحياة، ويأس من رحمته، وهروب من مسؤولية الابتلاء.
ويستشهد الدكتور حفني بالنصوص القطعية التي تحرم الانتحار، من القرآن الكريم: “ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً”، ومن السنة النبوية: “من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً”.
ويكشف الدكتور حفني عن الفروقات الجوهرية بين الاستشهاد والانتحار: النية (الشهيد نيته لله، والمنتحر نيته إنهاء حياته)، والضوابط (الاستشهاد له شروط، والانتحار محرم في كل الأحوال)، والنتيجة (الشهيد في الجنة، والمنتحر في النار)، والوسيلة (الشهيد يقاتل حتى يقتل، والمنتحر يقتل نفسه بيده).
ويؤكد أن العمليات التي يقوم بها بعض المتطرفين، والتي يطلقون عليها “عمليات استشهادية”، هي في حقيقتها عمليات انتحارية، لأنها لا تلتزم بالضوابط الشرعية للجهاد، وتستهدف المدنيين الأبرياء، وتخالف مقاصد الشريعة في حفظ النفس.
الحور العين: نعيم الجنة وليس طُعماً للانتحار
يُعد مفهوم الحور العين من أكثر المفاهيم التي أسيء فهمها واستغلالها. فالحور العين هن جزء من نعيم الجنة الذي أعده الله للمؤمنين الصالحين، ووصفهن القرآن بأوصاف تدل على جمالهن وطهرهن: “كأمثال اللؤلؤ المكنون”، “قاصرات الطرف”، “خيرات حسان”.
ويؤكد الدكتور حفني أن الجنة ليست مجرد مكان للمتعة الحسية، بل هي دار النعيم الكامل الذي يشمل النعيم الروحي (رضا الله ورؤيته) والنعيم الجسدي. والحور العين جزء من هذا النعيم الشامل، وليست الغاية الوحيدة.
ويكشف عن سوء الفهم الذي استغلته الجماعات المتطرفة حين ربطت الحور العين بالعمليات الانتحارية، زاعمة أن المنتحر سينال عدداً معيناً من الحور العين. وهذا تحريف فاضح للدين، لأنه يتجاهل أن الانتحار محرم، وأن الجنة تُنال بالعمل الصالح والتقوى، لا بالقتل والإرهاب.
ماذا بعد؟
في ختام المحاضرة، يدعو الدكتور حفني إلى تصحيح هذه المفاهيم المغلوطة، وبناء وعي إسلامي مستنير، قادر على التمييز بين الفهم الصحيح والتأويلات المنحرفة. ويؤكد أن مسؤولية العلماء والمؤسسات الدينية كبيرة في هذا العصر، لتوضيح الصورة الحقيقية للإسلام كدين سلام ورحمة وعدل، ولمواجهة الأفكار المتطرفة التي تستغل الدين لتبرير العنف.
ويختتم بسؤال مفتوح: هل سنجد الإرادة الجماعية لاستعادة هذه المفاهيم من قبضة المتطرفين، وتقديمها للعالم في صورتها النقية، كقيم للحياة لا للموت، وللبناء لا للهدم؟ سؤال يظل معلقاً، في انتظار إجابة الأمة.
يتبع….
للاستماع إلى تسجيل صوتي للجلسة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للجلسة اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد