الخطاب الفلسفي في المجال التداولي المغربي.. قراءة نقدية في مشروع الجابري.. بقلم: كريم المزكلدي

الجابري وكتبه
كريم-المزكلدي الخطاب الفلسفي في المجال التداولي المغربي.. قراءة نقدية في مشروع الجابري.. بقلم: كريم المزكلدي

ينطلق نقد مشروع الجابري من ثلاث مقدمات. أولا: الجابري مفكر نهضوي «إن نقد العقل جزء أساسي وأولي من كل مشروع للنهضة» و «هل يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض؟» [تكوين العقل العربي، ص 5]. ويتجلى في «وبالفعل قضينا نحن العرب حياتنا بعد ابن رشد خارج التاريخ… وعاش الأوروبيون التاريخ الذي خرجنا منه لأنهم أخذوا منا ابن رشد فعاشوا لحظته وما زالوا يفعلون» [نحن والتراث، ص 49].

ثانيا: عودته إلى التراث ليست عمل مؤرخ، بل مفكر في التاريخ يبحث عن مسار ذي دلالة للحاضر. فكما قرأ هيغل التاريخ كتقدم الوعي بالحرية، وماركس كصراع طبقي، يقرأ الجابري تاريخ العقل كتكون أنظمة معرفية وصراعها وصولا إلى ابن رشد.

ثالثا: الجابري يقر بأن «هنا تقرأ المقدمات بنتائجها والماضي بمستقبله، وما كان بما كان سيكون، فيندمج الموضوعي مع الأيديولوجي» [نحن والتراث، ص 25]. وهو تصريح يكشف أن الأفق المراد بلوغه هو الذي يشكل صورة الماضي.

d8a7d8a8d986-d8b1d8b4d8af الخطاب الفلسفي في المجال التداولي المغربي.. قراءة نقدية في مشروع الجابري.. بقلم: كريم المزكلدي
ابن خلدون

ينطلق الجابري من التمييز بين الفكر بوصفه “مضمونًا أو محتوى” و “أداة أيضا: أداة لإنتاج الأفكار” [فصول، ص107]، وهي “جملة مبادئ ومفاهيم وآليات” [ص107] “تشكل فيه بعد العقل الذي به يفكر” [ص107]. وعندما يحلل “أنواع الخطاب العربي الحديث والمعاصر، من خطاب نهضوي، وخطاب سياسي، وخطاب قومي، وخطاب فلسفي، تحليلًا إبستمولوجيًا – نقديًا” [ص109] يجد ثلاثة عوائق:

1. سلطة النموذج / السلف: أن جذور الأزمة في خضوع الفكر لـ “نموذج سلف” حيث “المهمة الأولى هي التحرر، أولًا وقبل كل شيء، من سلطة النموذج/السلف” [ص109-110]، فظل العقل محكومًا بالتكرار والاجترار.

2. انقطاع العلاقة بين الفكر والواقع: “من هنا كان انقطاع العلاقة بين الفكر العربي وموضوعه: الواقع العربي” [ص109]، فأصبح خطابه “خطابًا تضمينيًا” [ص109] يُفكر في واقعه بوساطة تراثه لا بوساطة واقعه.

3. بنية الأنظمة المعرفية الثلاثة: “هذه النظم المعرفية الثلاثة (البيان، العرفان، البرهان) تعايشت في إطار من التداخل والتصادم داخل الثقافة العربية الإسلامية، ابتداء من عصر التدوين” [ص111]، فـ “النظام المعرفي البياني، الذي حِمله اللغة العربية” [ص111] هيمن، و “النظام المعرفي العرفاني (الغنوص) … انتقل إلى الدائرة العربية من الموروث الثقافي السابق على الإسلام” [ص111] وزاحمه، بينما “البرهان” حوصر. وهذه هي لحظة “عصر الانحطاط الذي سجل استقالة العقل العربي، البيان منه والبرهان” [ص112].

ولهذا يطرح سؤاله المركزي الذي سيبني عليه مشروعه كله: “كيف يمكن إذن تجاوز هذه الأزمة… كيف يمكن جعل الفكر العربي قادرًا على الإبداع؟ على الإنتاج إنتاجا يتصف في آن واحد بالجدة والأصالة؟” [ص112]

وجوابه سيكون: القطيعة مع البيان والعرفان، واستعادة الروح الرشدية كأداة برهانية.

d983d8aad8a7d8a8-d981d8b5d984-d8a7d984d985d982d8a7d984-1-686x1024 الخطاب الفلسفي في المجال التداولي المغربي.. قراءة نقدية في مشروع الجابري.. بقلم: كريم المزكلدي

هذا الاندماج يقود إلى تأويل منهجه كسعي إلى تجاوز الوعي الشقي الهيغلي. كما يقول هيغل في الفرق بين نسقي فيشته وشلنغ إن دور الفلسفة هو تجاوز ثنائية الذات والموضوع عند كانط. والجابري نفسه وصف الثقافة المعاصرة بعد هزيمة 67 بهذا الانقسام بين الأصالة والمعاصرة.

ينطلق الجابري في تشخيصه لأزمة الثقافة العربية من مفهوم هيغلي هو «الوعي الشقي»، الذي يعرّفه بأنه “انشقاق الوعي أو مشاقة الوعي مع نفسه” [الحياة الثقافية، ص89]، وهو حالة يجد فيها الإنسان نفسه “في مخاصمة مع نفسه، يحب الشيء ويكرهه” [ص89]، حيث يعيش “نوع من التناقض الوجداني أمام الشيء: يحب ويكره، يريد ولا يريد” [ص89]. 

ويطبق الجابري هذا المفهوم على مستويين: الأول في علاقتنا بالغرب، فنحن “في وعي شقي مع الغرب، والغرب في وعي شقي مع نفسه” [ص89]، ذلك أننا “نحب الغرب لأنه قدّم لنا الطب وما نحتاج له من أدوات وإنترنت ومعلوميات” [ص89]، لكننا نكرهه لأنه “الاستعمار وقضية الهيمنة في الشرق وفلسطين” [ص89]، بينما الغرب نفسه يعيش شقاءه لأنه “ينادي بالديمقراطية، ينادي بالحرية، ينادي بحقوق الإنسان، ولكنه لا يمارسها معنا” [ص89].

 أما المستوى الثاني فهو شقاؤنا مع تراثنا، لأننا “مجتمعات مثقلة بماضيها، تجر ماضيها” [ص87]، وهذا الماضي “جاثم على صدورنا” [ص87].

 وينعكس هذا الشقاء على مثقفينا جميعا، حيث “كلاهما يعاني من شقاء الوعي، لأن الحداثيين أنفسهم يتصورون أنهم لا بد أن يمتلكوا التراث: لا يمكن أن يعيشوا بدون هوية تراثية، وإلا ليس لهم جذور. التقليديون يشعرون أنهم ليس عندهم ما يفرضون وجودهم من خلاله” [ص89].

 ولا يرى الجابري خروجًا من هذا المأزق إلا بتصفية الحساب مع الماضي، فـ “لا يمكن، إذا كان التقدم في خط مستقيم، أن نشق هذا الخط دون أن نصفّي الحساب مع الماضي” [ص87]، وذلك بأن “نمتلكه بدل أن يمتلكنا” [ص87]، و “أن نتمثله بدل أن يبقى جاثمًا” [ص87]، على غرار ما فعلت النهضة الأوروبية التي “قامت على أساس العودة إلى التراث اليوناني والتراث الروماني… لقد استعادوا أرسطو، ولم يتجاوزوه إلا بعد أن استعادوه” [ص87]، وكذلك نحن “لا يمكن أن نتجاوز ابن رشد أو ابن خلدون أو غيرهما دون أن نستعيدهما” [ص87].

وهنا يختلف عن العروي. العروي في “العرب والفكر التاريخي” يرى المثقف يعيش بروحه في الماضي وبجسده في الحاضر، وتجاوز الوعي الشقي عنده يقتضي استيعاب الماركسية. أما الجابري فيرى أن التجاوز يقتضي عدم تهريب الليبرالية كسلعة، بل استنباتها: «كيف يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستعيد ويستوعب الجوانب العقلانية والليبرالية في تراثه ويوظفها توظيفًا جديدًا في نفس الاتجاه الذي وظفت فيه أول مرة، اتجاه محاربة الإقطاعية والغنوصية وتشييد مدينة العقل والعدل» [نحن والتراث، ص 53].

من هنا تتحول الرشدية من لحظة تاريخية إلى وظيفة سياسية: العنصر الليبرالي داخل التراث الذي يجعل الحداثة ممكنة دون تهمة التغريب.

إن المفارقة التي تحكم مشروع الجابري هي استخدامه أدوات وصفية (القطيعة عند باشلار، الإبستيمي والحفر والانقطاع عند فوكو) للإجابة عن سؤال معياري هو سؤال النهضة: «هل يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض؟» [تكوين العقل العربي، ص 5].

فسؤال الإبستمولوجيا هو سؤال عما هو كائن، بينما سؤال النهضة هو سؤال عما يجب أن يكون. وإدخال لفظ النهضة يحمل البنية الغائية لفلسفة التاريخ التي نقدها فوكو في مقدمة أركيولوجيا المعرفة بقوله إنها تحطمت فيها «السلسلة الطويلة التي شكلها تقدم الوعي، أو غائية العقل» و «موضوعات التقارب والتتويج» و «إرجاع الكرونولوجيا المتصلة إلى أصل متعذر المنال» [Foucault, Archéologie du savoir, p.9] (1).

الجابري يفترض ذروة سابقة هي ابن رشد، ثم انحطاطًا هو الخروج من التاريخ [نحن والتراث، ص49]، ثم غاية هي الروح الرشدية [نحن والتراث، ص53]. لذلك قلب المنطق وقال «المقدمات تُقرأ بنتائجها» [نحن والتراث، ص25].

وكما يقول سالم يفوت: «الجينالوجيا لا تتعارض مع التاريخ… بل هي تتعارض مع العرض الميتاتاريخي للدلالات المثالية والغائيات غير المحددة، إنها تتعارض مع البحث في الأصل» [يفوت، ص60].

والجابري نفسه يعترف بسلطوية الأداة التي يدعو إليها: «أنا شخصيًا حين أدعو إلى العقلانية لا أستحضر العقلانية بجميع تياراتها، فما كانت النهضة أو تحققت في يوم من الأيام بتيار العقلانية المحض، للعقلانية أخطاؤها، ولها استبدادها، ولها عيوبها، ولها… لكنْ هي التي يُمكنها أن تهاجم المستقبل» [الحياة الثقافية، ص88].

وهو اعتراف يطابق أطروحة فوكو بأن العقل الغربي تأسس عبر «القسمة الكبرى بين العقل واللاعقل» (2) [Histoire de la folie, p.15]. غير أن فوكو يصف هذا الإقصاء لينقده، بينما الجابري بعد أن استعار من باشلار أن «المعرفة تتم ضد معرفة سابقة، بتدمير معارف سيئة التكوين» (3) [La formation de l’esprit scientifique, 1938, p.14] ومن فوكو أن مفهوم الانقطاع «أصبح أحد العناصر الأساسية للتحليل التاريخي» (4) [Archélologie du savoir, 1969, p.9]، وظفهما لتأسيس عقل جديد مهمته إقصاء ما يسميه «العقل المستقيل» و «اللامعقول» [بنية العقل العربي، ص590-600].

وهذا ما فضحه ليفي ستروس بقوله «البربري هو أولًا الإنسان الذي يؤمن بوجود البربرية» (5) [Race et Histoire, p.22] وأن التقدم «ليس أبدًا إلا أقصى تقدم في اتجاه محدد سلفا بذوق كل واحد» (6) [Ibid., p.55]. فالجابري حدد ذوقه في البرهان الرشدي المغربي ثم قاس عليه تراث المشرق فوجده متخلفًا.

تكمن المفارقة في قوله «المغرب علميّ الإبستيم منذ ابن حزم والمشرق دينيّ الإبستيم» [نحن والتراث، ص24-26] في أنه حول الإبستيم من آلية ذهنية إلى هوية جغرافية، فالإبستيم عند باشلار هو عائق يظهر «في فعل المعرفة نفسه، في حميميته» (7) [La formation, p.13].

يبدأ الجابري بأن «هذه النظم المعرفية الثلاثة (البيان، العرفان، البرهان) تعايشت في إطار من التداخل والتصادم داخل الثقافة العربية الإسلامية، ابتداءً من عصر التدوين» [مجلة فصول، ص111] وأن الفكر كأداة «تترسخ في ذهن الطفل منذ ابتداءِ تفتحه على الحياة لتشكل فيه العقل الذي به يفكر» [فصول، ص107]، وأن انقطاع الفكر عن واقعه لأن «انقطاع العلاقة بين الفكر العربي وموضوعه: الواقع العربي» [فصول، ص109] وعصر الانحطاط «سجل استقالة العقل العربي، البيان منه والبرهان» [فصول، ص112].

لكنه ينتهي إلى «المشرق لاهوتيّ الإبستيمي» و «المغرب علميّ الإبستيمي مع ابن باجة خاصة» [نحن والتراث، ص9] وتاريخ الفلسفة لحظتان: فيضية مشرقية وأرسطية مغربية [نحن والتراث، ص43]. بهذا تتحول القطيعة من حدث داخل الفهم [الحياة الثقافية، ص88] إلى خريطة بين جغرافيتين.

تكمن المفارقة في قوله «المغرب علمي الإبستيم منذ ابن حزم والمشرق ديني الإبستيم» [نحن والتراث، ص24-26] في أنه حول الإبستيم من آلية ذهنية إلى هوية جغرافية، فالإبستيم عند باشلار هو عائق يظهر «في فعل المعرفة نفسه، في حميميته» (7)

والإبستيم عند فوكو هو «قبلي تاريخي يحكم عصرًا لا مكانًا» (8) [Les Mots et les Choses, 1966, p.11]، وهو ما يلخصه باشلار بقوله «لا شيء معطى، كل شيء مبني» (9) [Ibid., p.14]. بينما جعله الجابري قدَرًا جغرافيا: المغرب برهانيّ بطبيعته والمشرق بيانيّ عرفانيّ بطبيعته، وهو ما يُوقعه في دور منطقي، فهو يثبت برهانية المغرب بابن حزم وابن رشد، ثم يفسر ظهور ابن حزم وابن رشد ببرهانية المغرب.

وتكذب الوقائع هذه القسمة نفسها: فابن حزم نفسه قرأ المشرق، وابن رشد شرح ابن سينا المشرقي، وذروة العرفان ممثلة في ابن عربي مغربي أندلسي، وابن سينا وجابر بن حيان برهانيان مشرقيان. وهذا ما نبه إليه ليفي ستروس بقوله «هناك ثقافات إنسانية أكثر بكثير من الأعراق الإنسانية» (10) [Race et Histoire, p.11] و «لا توجد ثقافة وحدها أبدا، إنها تعطى دائما في تحالف مع ثقافات أخرى» (11) [Ibid., p.58].

ينتقد الجابري اختزال العرب كهمزة وصل: «مدرسة بغداد في القرن الرابع الهجري كانت من أهم مصادر المدرسة الفلسفية في المغرب والأندلس، وهذه كانت المصدر الرئيسي للفلسفة الأوروبية» [المثقفون في الحضارة العربية، ص 61]، و «غاليلو يدين لبصريات ابن الهيثم، وسبينوزا يدين لابن رشد… شهادة الدكتوراه لكانط في 1755 كانت مزينة ببسم الله الرحمن الرحيم» [المثقفون في الحضارة العربية، ص62].

لكنه يعيد إنتاج المركزية داخليا حين يصبح المغرب حامل الكوني العقلي والمشرق حامل الخصوصي الغنوصي. فما يرفضه كوسيط عندما يمارسه الأوروبي، يمارسه عندما يجعل المشرق مجرد مرحلة تلوث هرمسي بين أثينا وقرطبة.

إن الجابري في «المثقفون في الحضارة العربية» ص 61-62 يتراجع موضوعيًا عن أطروحته في «نحن والتراث» ص 24 التي جعلت المغرب علميّ الإبستيم منذ ابن حزم والمشرق دينيّ الإبستيم، إذ يُقرّ أن «مدرسة بغداد في القرن الرابع كانت من أهم مصادر المدرسة الفلسفية في المغرب والأندلس» وأن هذه الأخيرة كانت المصدر الرئيس لأوروبا. وهو ما يثبت أن ما كان يسميه قطيعة جغرافية بين مغرب برهانيّ ومشرق عرفانيّ هو في الحقيقة سلسلة تراكمية واحدة، وأن المركزية الأوروبية التي انتقدها حين جعلت العرب مجرد همزة وصل [ص61] هي نفس المركزية المغربية التي مارسها هو حين جعل المشرق مجرد همزة وصل للعرفان.

تتحول الرشدية عبر ثلاث مستويات: واقعة «الثقافة العربية لم تستعد المنظومة الأرسطية كاملة وخالصة ومتحررة من شوائب العقل المستقيل إلا مع ابن رشد» [تكوين العقل العربي، ص 295]، إلى معيار «ما تبقى من تراثنا قادرًا على أن يعيش معنا لا يمكن إلا أن يكون رشديًا» [نحن والتراث، ص 52] و «ما تبقى من التراث لا يمكن أن يكون إلا رشديًا، وما تبقى من ابن رشد لا يمكن أن يكون إلا الروح الرشدية» [نحن والتراث، ص 11]، إلى أفق «وعاش الأوروبيون التاريخ الذي خرجنا منه لأنهم أخذوا منا ابن رشد» [نحن والتراث، ص 49].

بهذا ليست الروح الرشدية نتيجة التحليل، بل هي الأفق الذي نظم التحليل: كان لا بد من هندسة التراث كصراع بين بيان وعرفان وبرهان محاصر لكي يظهر ابن رشد كتركيب منقذ وحجة داخلية تسمح باستنبات الليبرالية بدل تهريبها.

إن إصرار الجابري على جعل الإبستيم جغرافيًا لا يعود إلى خلل منهجي عارض، بل إلى بنية سؤال النهضة نفسه كما شخّصها العروي والجابري، وهي بنية موضوعية تنتج الاغتراب [العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، 1970، ص 30؛ الجابري، نحن والتراث، ص 15]، فسؤال “لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا” يفترض ثنائية أنا/آخر، تراث/حداثة. ولهذا تكثر الثنائيات في الثقافة الإسلامية المعاصرة. فخطاب النهضة كما يقول فوكو «يُنتج موضوعه» (12) [Archéologie, p.67]، وما يسميه تقدمًا ليس إلا ما حدده سلفًا بذوقه وفقًا لليفي ستروس [Race et Histoire, p.55].

1- ابن رشد الذي أراده: ليس ابن رشد الفقيه المالكي قاضي قضاة قرطبة صاحب “بداية المجتهد “، بل هو Averroès اللاتيني. وهذا ما يصرح به الجابري في مقاله «رشدية.. عربية أم لاتينية؟» حين يتساءل: «هل لابن رشد أتباع في الفكر الفلسفي العربي؟ وهل هناك رشدية عربية بالمعنى الاصطلاحي؟ وماذا عن التيار الذي عُرف في الغرب بالرشدية اللاتينية؟» [العربي، العدد 334، ص25 ]، ثم يجيب: «إن ما يُسمى بالرشدية اللاتينية […] ليست فلسفة ابن رشد نفسها، وإنما هي تأويل أنجزه أساتذة جامعة باريس» [ص26]، وأن أول من أسس لهذا التمييز هو «إرنست رينان Ernest Renan في كتابه Averroès et l’averroïsme (1852)» [ص27-28].

2- لماذا أراد ابن رشد؟ لإعادة التجربة الأوروبية: يوضح الجابري مشروعه في حوار “الحياة الثقافية” بقوله: «المؤرخون يجمعون على أن الاشتغال في الماضي هو من أجل الحاضر إما بكيفية مباشرة وتحت وعي أو مشروع كما نفعل نحن» [الحياة الثقافية، العدد 134، أفريل 2002، ص 87]، ويضرب المثل الأوروبي: «النهضة الأوروبية قامت على أساس العودة إلى التراث اليوناني والتراث الروماني وجميع الكلاسيكيات، لقد استعادوا أرسطو ولم يتجاوزوه إلا بعد أن استعادوه» [ص87]، ثم يستنتج: «نحن لا يمكن أن نتجاوز ابن رشد أو ابن خلدون أو غيرهما دون أن نستعيدهما» [ص87]. فالمنطق واحد: أوروبا استعادت أرسطو، ونحن يجب أن نستعيد ابن رشد.

3- ابن رشد جسر لأرسطو وليس هو المطلوب: وهذا يكشف أن ابن رشد ليس غاية في ذاته، بل هو مجرد جسر نحو التراث اليوناني. فما كان الجابري يتحدث عنه في التراث باعتباره عنصرا ليبراليًا أو علمانيًا هو في الحقيقة وظيفة الجسر. فالرشدية اللاتينية كما يُعرفها الجابري نفسه «جعلت من ابن رشد سلاحًا ضد اللاهوت المسيحي» [العربي، ص28]، تمامًا كما يريد الجابري أن يجعل من ابن رشد سلاحًا ضد العرفان. فالمطلوب ليس ابن رشد، بل أرسطو الذي وراءه.

4- ابن رشد التاريخي بيانيّ باعتراف الجابري نفسه: و هنا المفارقة الكبرى. فابن رشد الذي يُراد له أن يكون نموذج البرهان هو في بنيته فقيه بيانيّ. الجابري يُقر بأن الثقافة العربية «لم تستعِدْ المنظومة الأرسطية كاملة وخالصة إلا مع ابن رشد» [تكوين العقل العربي، ص 295]، لكنه يُقر في “بنية العقل العربي” أن ابن رشد بقي يشتغل داخل أصول الفقه المالكي، وأن كتابه “فصل المقال” هو محاولة للتوفيق بين الحكمة والشريعة داخل البيان، وليس قطيعة معه. فابن رشد التاريخي بياني في أداته، برهاني في موضوعه.

5- ابن رشد ليس له أتباع في المغرب – أين ذهبت إبستيمية المغرب العلمية؟: ويقر الجابري في نفس مقال العربي أن «الرشدية بمعنى المذهب الفلسفي القائم بذاته لم توجد في التراث العربي» [ص26] وأن ابن رشد «لم يكن له أتباع بالمعنى المذهبي في المشرق ولا في المغرب» [ص26]. وهذا ينسف دعواه السابقة بأن المغرب هو «علميّ الإبستيمي» [نحن والتراث، ص 9] وأن هناك إبستيمية مغربية برهانية متصلة من ابن باجة إلى ابن خلدون. فإذا كان رمز هذه الإبستيمية نفسه بلا أتباع، فأين هي هذه الاستمرارية؟

6- الجابري والعروي: طريقان لليبرالية: وهنا يلتقي مشروع الجابري بمشروع العروي ويفترق عنه. فالعروي أراد مكتسبات الليبرالية الحديثة من خلال الماركسية، باعتبارها خلاصة للاقتصاد السياسي الإنجليزي والاشتراكية الفرنسية والفلسفة الألمانية. أما الجابري فأراد نفس المكتسبات الليبرالية، لكن ليس عبر الخلاصة الماركسية، بل عبر العودة إلى النواة الأولى: التراث اليوناني، عن طريق وسيط عربي هو *Averroès* مستفيدا من تقسيم رينان الاستشراقي. فالعروي قال: لنأخذ خلاصة الغرب، والجابري قال: لنأخذ أصل الغرب عبر ابن رشد اللاتيني. وفي الحالتين، إعادة إنتاج للتجربة الأوروبية داخل التراث، مع فارق أن الجابري يغطي هذه الإعادة بغطاء تراثي.

1. مُشكل التاريخانية:

يُقر الجابري بأن منهجه يقوم على أن «هنا تُقرأ المقدمات بنتائجها والماضي بمستقبله، وما كان بما كان سيكون، فيندمج الموضوعي مع الأيديولوجي» [نحن والتراث، ص 25]. ويظهر هذا الاندماج في تعريفه للفكر بأنه «أداة أيضا: أداة لإنتاج الأفكار» [فصول، ص107] و «جملة مبادئ ومفاهيم وآليات» [ص107] «تشكل فيه بعد العقل الذي به يفكر» [ص107]. بناء على هذا التعريف يصدر حكمًا تاريخانيًا على حقبة كاملة بأنها «عصر الانحطاط الذي سجل استقالة العقل العربي، البيان منه والبرهان» [ص112]. فالماضي لا يُقرأ كما كان، بل كما يجب أن يكون ليخدم أفق النهضة، حيث يتم إسقاط مفهوم القطيعة الإبستمولوجية على تاريخ لا يعرف القطائع بنفس المعنى، ليصبح ابن رشد هو المعيار والباقي انحطاط.

2. الاغتراب / الوعي الشقي:

يشخص الجابري أزمة الفكر النهضوي بأن «من هنا كان انقطاع العلاقة بين الفكر العربي وموضوعه: الواقع العربي، الشيء الذي يجعل من خطابه خطابًا تضمينيًا» [ص109]. وهذا الانقطاع هو تجلٍ للوعي الشقي الذي يُعرفه بأنه «انشقاق الوعي أو مشاقة الوعي مع نفسه» [الحياة الثقافية، ص89] و «مخاصمة مع نفسه، يحب الشيء ويكرهه» [ص89] و «نوع من التناقض الوجداني أمام الشيء: يحب ويكره، يريد ولا يريد» [ص89]. فالثقافة العربية هي «مجتمعات مثقلة بماضيها، تجر ماضيها» [الحياة الثقافية، ص87] وتراثها «جاثم على صدورنا» [ص87]. وينعكس هذا على المثقفين حيث «كلاهما يعاني من شقاء الوعي، لأن الحداثيين أنفسهم يتصورون أنهم لا بد أن يمتلكوا التراث: لا يمكن أن يعيشوا بدون هوية تراثية، وإلا ليس لهم جذور. التقليديون يشعرون أنهم ليس عندهم ما يفرضون وجودهم من خلاله» [ص89]. ويقترح الجابري للخروج من هذا الوعي «أن نتمثله بدل أن يبقى جاثمًا [ص87] و «أن نمتلكه بدل أن يمتلكنا» [ص87] على غرار «النهضة الأوروبية [التي] قامت على أساس العودة إلى التراث اليوناني… لقد استعادوا أرسطو ولم يتجاوزوه إلا بعد أن استعادوه» [ص87]، وأنه «لا يمكن أن نتجاوز ابن رشد أو ابن خلدون أو غيرهما دون أن نستعيدهما» [ص87]. غير أن أداة التمثّل تظل غربية، مما يُبقي الوعي الشقي قائمًا.

3. سلطوية الخطاب الحداثي: تعريف العقل = إقصاء اللاعقل:

يقوم مشروع الجابري على «تحليل أنواع الخطاب العربي الحديث والمعاصر، من خطاب نهضوي، وخطاب سياسي، وخطاب قومي، وخطاب فلسفي، تحليلً إبستمولوجيً – نقديًا» [ص109]. هذا التحليل يؤسس لتعريف ضيق للعقل حيث «هذه النظم المعرفية الثلاثة (البيان، العرفان، البرهان) تعايشت في إطار من التداخل والتصادم داخل الثقافة العربية الإسلامية، ابتداء من عصر التدوين» [ص111]. فهيمن «النظام المعرفي البياني، الذي حمله اللغة العربية» [ص111] ويزاحمه «النظام المعرفي العرفاني (الغنوص)» [ص111] الذي «انتقل إلى الدائرة العربية من الموروث الثقافي السابق على الإسلام» [ص111]. ويصبح تعريف العقل سلطة إقصائية: البيان قياس والعرفان هرمسية والبرهان وحده عقل. ويطرح الجابري سؤاله المركزي: «كيف يمكن إذن تجاوز هذه الأزمة… كيف يمكن جعل الفكر العربي قادرًا على الإبداع؟ على الإنتاج إنتاجًا يتصف في آن واحد بالجدة والأصالة؟» [ص112] ويكون جوابه هو القطيعة مع البيان والعرفان واستعادة الروح الرشدية. بذلك تتحول الرشدية من وظيفة تحررية تهدف إلى «كيف يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستعيد ويستوعب الجوانب العقلانية والليبرالية في تراثه» [نحن والتراث، ص 53] إلى سلطة نموذج/سلف جديدة، فيعود إلى ما أراد التحرر منه: «المهمة الأولى هي التحرر، أولا وقبل كل شيء، من سلطة النموذج/السلف» [ص109-110].

    شارك المحتوى


    اكتشاف المزيد من تفكير

    اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

    اترك رد

    ندوات