«موعد مع كلوني» في صالون تفكير: محمد توفيق يفتح ملفات المجتمع الأبوي وحرية المرأة
بقلم: نور البطاوي

استضاف صالون تفكير، في لقاء جديد، الأديب والدبلوماسي محمد توفيق، لمناقشة روايته الأخيرة «موعد مع كلوني»، وأدارت الحوار نهلة هنّو، بحضور نخبة من المثقفين والقراء. شهدت الندوة نقاشا واسعا حول المرأة والمجتمع الأبوي واللغة والطبقة والتعليم، وانتهت بقراءة أدبية من الرواية.
استهل توفيق اللقاء بكشف كواليس الكتابة، قائلا إنه كتب «موعد مع كلوني» بالتوازي مع رواية أخرى سياسية تتناول فترة ما بعد يناير 2011، لكن اهتمامه لم يكن بالأحداث نفسها، بل بأسبابها. وأوضح أنه انطلق من سؤال: لماذا تحدث الأشياء بهذه الطريقة وليس بغيرها؟ فوجد نفسه أمام فكرة النظام الأبوي/البطريركي، واعتبر أن السيطرة على المرأة، المباشرة أو المستترة، هي الدعامة الأساسية لاستمرار هذا النظام عبر القرون.
تدور الرواية، كما شرح، حول ثلاث صديقات منذ الحضانة حتى سن الخمسين، يجتمعن في عشاء بمناسبة عيد ميلاد إحداهن، لتتكشف حياة كل واحدة: نجاحاتها وإخفاقاتها. إحداهن لم تتزوج، والثانية تزوجت ابن عمها وعاشت حياة تقليدية، والثالثة عاشت حياة متحررة. لكن الثلاثة لم يحققن أحلامهن، والسؤال المطروح على القارئ: ما الناقص؟ وكيف يتعامل المجتمع مع المرأة وحريتها؟

وحول كتابته شخصيات نسائية كرجل، قال توفيق إن أي كاتب يكتب شخصيات رجال ونساء، والتحدي الأكبر هو أن يضع نفسه داخل عقل وقلب إنسان آخر. وأضاف: «الإنسان بطبيعته يرى العالم من زاويته، وعليه أن يخرج من المركزية الذاتية ليتخيل الآخر». وأكد أنه لا يحب الكتابة المقيدة بذاته، ويفضل الاستماع للناس والتفاعل معهم، لذلك لم يكتب أي مشهد في الرواية إلا من خلال تفاعل حقيقي مع امرأة شعر بها.
أما عن الجرأة في طرح التابوهات، فشدد على أن الكاتب أثناء الكتابة يجب أن يتحرر تماما من ردود فعل المجتمع. وقال: «أكتب براحتي خالص، وإذا شعرت أن العمل قد يسبب حرجا لي، لا أنشره، لكن الكتابة نفسها يجب أن تكون حرة». ونفى أي تدخل من شخصية الدبلوماسي في أعماله الأدبية. واعتبر أن الأدب يجب أن يكون جميلا وممتعا، وأن الصدمة وظيفتها دفع القارئ للتفكير، لا تنفيره. واستشهد بطه حسين ونجيب محفوظ، قائلا إنهما كُفّرا وحاول البعض قتل محفوظ، لا بسبب ألفاظ خارجة، بل لأن أفكارهما تحدت المستقر بمنطق صائب.
وحول العنوان والمراجع الغربية، أوضح توفيق أن «موعد مع كلوني» مرتبط بشخصية إيرما، الراوية، التي تفضل السينما والمسلسلات الأجنبية، بينما صديقتاها تفضلان الأعمال العربية. أما الأطباق الغربية، فسببها أن إيرما محترفة طهي تعلمت في لوزان بسويسرا، وتعمل لدى الأثرياء، فأرادت تقديم تجربة جديدة لصديقتيها. وأشار إلى أن فصول الرواية تسير بالتوازي مع الأطباق، لأن الطعام جزء أساسي من العمل.
وفيما يتعلق بلقب «البجعات»، وعلاقته بكتابات عالم الأحياء روبرت سابولسكي، قال إن اختياره للقب لم يكن مرتبطا بذلك، لكنه اتفق مع الطرح العام: سلوكيات المجتمعات تجاه المرأة ليست غريزية بالكامل، بل تفرضها الثقافة والأعراف، مع وجود نسبة غريزية لا تبرر غياب المساواة.
وتوقف الحوار عند اللغة، فأكد توفيق أنه استخدم الفصحى المبسطة في السرد والعامية في الحوار، بينما كانت روايته السابقة «همس العقرب» بالفصحى كلها. وقال: «العمل هو الذي يفرض اللغة». وردا على سؤال حول قراءاته، ذكر أنه يقرأ بكثافة، وأنه استفاد من صداقاته مع كتاب مثل بهاء طاهر وصنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني، ومن تأثره بدي. إتش. لورنس وجيمس جويس وصمويل بيكيت.
وفي المداخلات، سأل أحمد خفاجي عن العلاقة بين الفكرة الفلسفية والقالب الروائي، فأجاب توفيق بأن الكتابة عملية دائرية تبدأ من أي نقطة، لكنه شخصيا يبدأ بالشخصية. وسأل جمال عن تأثير الوسائط والتكنولوجيا، فشرح أن التغيير له شقان: المضمون والشكل، وأن الطبيعة البشرية لا تتغير، لكن القارئ أصبح مشتتا، ما يفرض على الكاتب الاهتمام بالحرفية والتشويق. أما سلمى فطرحت سؤال الطبقة، فقال إنه اختار طبقة متوسطة عليا لتحييد الضغط الاقتصادي، لكن النساء الثلاث يعانين عنفا غير مباشر. وسأل د. قاسم عن كتابة الرجل عن المرأة، فأكد أن الأدباء العظماء كتبوا شخصيات نسائية ورجالية عظيمة، ومنهم إميلي برونتي التي كتبت شخصية هيثكليف. وطرح د. محمد أزمة اللغة والتعليم، فحذر توفيق من عزلة الأجيال عن تراثها، ودعا لتطوير اللغة دون النزول لمستوى أدنى، وانتقد تحول المجتمع إلى فقاعات منعزلة.
واختتم اللقاء بقراءة توفيق فقرة من الرواية عن عيد الميلاد الخمسين وتحول البطلة إلى «سندريلا» المتحررة، مؤكدا أن العمل الأدبي بعد نشره يصبح كائنا مستقلا، يكتسب روحا جديدة مع كل قارئ.
للاستماع لتسجيل صوتي للحوار على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة تسجيل فيديو للحوار اضغط على اللينك التالي:
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد