الإسكافي والدنيا -قصة- بقلم: ماهر طلبة
بقلم: ماهر طلبة

من زمان… زمان قوي.. بيعيش إسكافي طيب عنده محل صغير جدا قد رجل الطفل إللي لسه ما دس ع الدنيا.. كل يوم الصبح يروح الدكان يكنس.. يرش المية قدام الباب ويبدأ يدق في الجزم.. في يوم هي دخلت عليه.. ست الحسن يمكن، ليلى يمكن، عبلة يمكن، ويمكن تكون قطر الندى… حس إن الدنيا داخلة معاها عليه.. فتح دراعاته وحضن الدنيا.
– اتفضلي…
قعدت.. مدت الرجل.. مرمر يمكن، لؤلؤ يمكن، مرجان يمكن، ويمكن تكون مجرد لحم.
– أمرك؟
– جزمة.
– أي نوع؟ أي شكل؟ أي لون؟
شاورت… مد إيده… رفع الجزمة… لبستها.. ماس يمكن، بلور يمكن، قزاز يمكن.. لكن أكيد مش جلد… اتمشت…
– مناسبة؟
– مناسبة.. عايزة جزمة نفس الشكل، نفس النوع، لكن مش نفس اللون…
– بكرة تكون جاهزة.
خرجت… خرجت الدنيا معاها.. حس إن صدره فاضي، شرب بق المية وسأل نفسه… “ياترى ده مين؟”.
طول الليل سهران.. دق أول مسمار في النعل.. شد أول خيط.. عمل أول عقدة ربطت بين النعل وبين الجلد وسرح…”نفسي..”.. ونسي نفسه في إيه.. لكن لما عدى أول واحد ورمى عليه السلام.. كان لسه طرف الخيط مشدود في أول عقدة.. سابه ووقف على الباب مستني…
ع الظهر هلت عليه.. ضوء يمكن، نور يمكن، نار يمكن، ويمكن تكون برق..
سألته…
– خلاص؟
مد إيده سلم.. رجع صوتها في حلقه.. صدم صورتها بعينه وساب الإيد…
– معلش بكرة بإذن الله.
خرجت.. لقى الكرسي وراه وإلا كان مات واقف.. طول اليوم إبرته في إيده لكن لاشاف وش ولا لمس نعل، لا دق مسمار ولا ربط خيط..
بالليل خدته أحلام اليقظة لشوارع المدينة وحواريها.. لف كثير.. دخل بيوت كثيرة لحد ما عثر عليها… وهم يمكن، سراب يمكن، حلم يمكن، ويمكن كمان حقيقة، لأنه لما أول واحد رمى في وشه السلام لقى الحال غير الحال والهدوم غير الهدوم.. بص لنفسه في مرايته ومد إيده حاول يخلص جزمتها لكن ما قدرش… جسمه يمكن، عقله يمكن، قلبه يمكن، ويمكن كمان روحه…
ع الظهر.. مد إيده وسلم وطوّل السلام…
– شاي؟
– شكرا.
– استريحي.
– شكرا.
– خلاص؟
– معلش إحنا عايزين نعمل حاجة تستاهل الرجل ده.. بكرة وعليكي خير…
خرجت… قلبه إللي شافه لسه راجع… خرج تاني، ماحاولش يجري وراه ولا يعرف طريقه لإنه متأكد إنه هيرجع لإنه ماسكه من رجله…
كام سنة.. مية… ألف… مليون… عدت؟ ماحسبتش ولا هو حسب ولا هي حسبت.. لكن في يوم بعد حلم الليل وسلام النهار هو شد الكرسي ولضم الإبرة وربط الفتلة وشد الجلد ع النعل وخزأ الجلد بإبرته وعمل أول غرزة إللي جرت الثانية والثالثة والرابعة.. ع الظهر قطع الخيط.. كان الجلد وكان النعل أصبحوا جزمة… عدت.
– خلاص؟
– خلاص.
– سلام عليكم.
– هنشفكوا؟
– لما ربنا يريد.
ومشيت.. ليل يمكن، حريق يمكن، خراب يمكن، ويمكن كمان يكون موت.
لما جه الليل.. إللي عمره ما جاب له معاه نوم… خدته أحلامه لشوارع المدينة وحواريها.. لف كثير.. شوارع وحواري.. دكاكين وبيوت.. أسواق.. زحام.. كثير.. كثير… لكن مالقهاش أبدا في أي مكان م إللي كل يوم بالليل كان في حلمه بيقابلها فيه… بكى يمكن، صرخ يمكن، شد الشعر يمكن، ويمكن كمان قطع الهدوم ونام بردان… سنة ولا مية ولا ألف ولا مليون… برضه ماحسبناش لكن عمرها ما عدت وعمره ما نسي… فتح محله يمكن، اشتغل يمكن، خرج جزم من تحت إيده يمكن، ويمكن كمان دخل الليل من غير ما يلف شوارع المدينة وحواريها.. لكن أكيد مانسهاش.. ولسه جواه بحر ندم يمكن، حزن يمكن، ألم يمكن.. ويمكن كمان غضب.. بيخرجه من عينيه دموع كل ما سن إبرته يلمس جلد جزمة..
عارفين… غريبة قوي الدنيا ده بقى لما الواحد يعمل إللي عليه تسيبه وتمشي وترفض حتى إنها تديله قلبه إللي أكيد مايساويش عندها فردة جزمة…
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد