حمزة والحسين والحشاشون.. ثلاثية الشهادة بين الدين والسياسة… د. عاصم حفني… الجلسة الأخيرة
بقلم: نور البطاوي

في المحاضرة الرابعة والأخيرة من سلسلة “مفاهيم حول الشهيد والشهادة في الثقافة العربية الإسلامية”، يضع الدكتور عاصم حفني النقاط فوق الحروف، منتقلاً من التحليل اللغوي والفقهي إلى قراءة تاريخية سياسية عميقة لمفهوم الشهادة. ثلاث محطات رئيسية يرصدها الدكتور حفني: نماذج الشهداء عند السنة والشيعة، وتحول الاستشهاد إلى أداة مقاومة عند الحشاشين، وجدلية الثورة والهجرة في العصر الحديث. محطة أخيرة تكشف أن الشهادة لم تكن أبداً مفهوماً جامداً، بل أداة حية تشكلت وتشكلت بها السياسة والتاريخ والهوية.
حمزة والحسين.. شهيدان وصراعان
يفتتح الدكتور حفني محاضرته بسؤال أشبه بفضيحة للوعي الجمعي: لماذا يحظى حمزة بن عبد المطلب بهذه المكانة الأسطورية كشهيد، بينما خالد بن الوليد، صاحب الفتوحات الكبرى، لا يملك هذه الهالة رغم أنه مات في فراشه؟ ولماذا يختلف تقديس الحسين عند الشيعة عن رمزيته عند السنة، رغم أن كلا الجانبين يعترف بمكانته؟
حمزة.. شهيد العصبية قبل العقيدة
يقدم الدكتور حفني قراءة مغايرة لشخصية حمزة، عم الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي يُعتبر في المخيلة السنية أول شهيد بارز في الإسلام بعد سمية بنت خياط. لكن قراءة الروايات تكشف أن إسلام حمزة لم يكن قناعة دينية بحتة كما في حالة عمر بن الخطاب، بل كان بدافع عصبي قبلي. فقد عاد من الصيد وسمع أبا جهل يسب ابن أخيه، فذهب إليه غاضباً، وعندما سأله أبو جهل عن سبب ضربه، قال حمزة: “أتسب محمداً وأنا على دينه؟”
ويشير الدكتور حفني إلى أن هذه الرواية، التي لا تنكرها المصادر السنية، تُظهر أن البداية كانت عصبية قبلية أكثر منها دينية. ورغم أن حمزة أقنع لاحقاً بالإسلام، إلا أن هذا البعد القبلي ظل حاضراً، خصوصاً عندما ننظر إلى من قتله: وحشي، الذي استأجرته هند بنت عتبة، أم معاوية بن أبي سفيان، لتنتقم لمقتل أبيها وعمها وابن عمها في غزوة بدر. وهند هنا ليست مجرد امرأة ثكلى، بل هي رمز للطائفة الأموية التي كانت تخاصم الهاشميين منذ عصور ما قبل الإسلام.
هذا البعد السياسي، كما يرى الدكتور حفني، هو ما جعل حمزة يحظى برمزية عالية في المخيلة السنية، لأنه قتل على يد مشركين، وليس في صراع بين مسلمين، وبالتالي لا خلاف حول استشهاده. كما أن قربه من الرسول (عمه) جعله قريباً من آل البيت، وإن لم يُضف رسمياً إلى مفهوم أهل البيت كما في المذهب الشيعي.
الحسين.. شهيد الثورة أم شهيد السياسة؟
أما الحسين بن علي، فله مكانة مختلفة تماماً. فهو عند الشيعة رمز للثورة ضد الظلم والطغيان، وهو مصدر إلهام للحركات السياسية والاجتماعية. في واقعة كربلاء، كان الحسين في مواجهة جيش يزيد بن معاوية، وبصحبته حوالي 70 أو 105 أشخاص فقط، بينما جيش الخصم كان يصل إلى 30 ألفاً. هذا المشهد، الذي يكاد يكون انتحارياً، جعل من الحسين أيقونة للمقاومة، وأسس لثقافة استشهادية عند الشيعة.
ويشير الدكتور حفني إلى أن استشهاد الحسين لم يكن حتمياً، بل كان اختياراً. فالحسين كان بإمكانه التفاوض كما فعل أخوه الحسن، أو البقاء في مكة والمدينة، أو التراجع بعد أن علم أن أهل الكوفة تخلى عن مسلم بن عقيل. لكنه اختار المواجهة، ربما لتحقيق رسالة أكبر، أو لتكريس فكرة أن الموت في سبيل القضية قد يكون هدفاً في حد ذاته، وليس مجرد وسيلة. هذا الاختيار، كما يرى الدكتور حفني، نقل العقلية المسلمة من ثقافة الحياة إلى ثقافة الموت.
الاختلاف في التقديس.. سياسة أم عقيدة؟
رغم أن الحسين يحظى بمكانة عالية عند السنة أيضاً، إلا أن الفرق واضح. فالسنة لا يقدسونه بنفس الدرجة التي يقدسه بها الشيعة، ويعتبرون مقتله حادثة سياسية مؤلمة، بينما يعتبره الشيعة محطة مركزية في العقيدة والهوية. وقد أشار الدكتور حفني إلى نقد بعض المفكرين الشيعة لهذا التقديس المبالغ فيه، مثل محمد باقر الصدر الذي وصف طقوس عاشوراء بأن فيها مبالغة، وأحمد الكاتب الذي ألف كتاباً بعنوان “الحسين بين الدين والسياسة”، محاولاً فصل الجانب الديني عن الجانب السياسي في قصة الحسين.
وحتى في الجانب السني، هناك انتقادات، مثل ما قاله محمد رشيد رضا في تفسير المنار، حيث اعتبر أن أحداث كربلاء تعرضت للإضافة والمبالغة، وأن روايات مثل بكاء السماء دماً على الحسين هي مبالغات غير علمية. بل إن بعض السنة ينتقدون التركيز الشيعي على الحسين وحده، متسائلين: لماذا لا يُعطى الحسن نفس الاهتمام؟ والإجابة، كما يرى الدكتور حفني، سياسية بحتة: الحسن تنازل عن الحكم، وهذا لا يخدم السردية الشيعية التي ترى في التمسك بالحكم حتى الموت قيمة مركزية.
الحشاشون.. الاستشهاد في سبيل الزعيم
النقلة النوعية الأكثر خطورة في مفهوم الاستشهاد، كما يصفها الدكتور حفني، حدثت مع الحشاشين أو الإسماعيلية النزارية بزعامة حسن الصباح. هنا، تحول الاستشهاد من كونه في سبيل الله، أي في سبيل مفارق متعال، إلى استشهاد في سبيل شخص، أي إنسان يأكل ويشرب ويمرض مثل باقي البشر.
الولاء المطلق للإمام
أسس حسن الصباح عقيدة تقوم على الولاء المطلق للإمام، وربط هذا الولاء بالجنة والمغفرة. فبدلاً من أن يكون النص الديني هو الضامن للجنة، أصبحت كلمات الإمام هي الضامن. وتطور الأمر إلى أن المهمة التي يكلف بها الحشاش لا تُعتبر مجرد عملية اغتيال، بل طقساً دينياً، والموت في سبيل الإمام يُعتبر عبادة.
استراتيجية الردع الفردي
طور الحشاشون أسلوباً فريداً في المواجهة، لم يكن ممكناً بجيش نظامي، فاعتمدوا على الأفراد لاغتيال شخصيات سياسية وعسكرية مؤثرة، وكثيراً ما كان الحشاش يقتل نفسه أو يُقتل بعد تنفيذ المهمة. هذا الأسلوب كان يبث الرعب في قلوب الأعداء، فلم يعد أي قائد آمناً في قصره، مهما بلغت حصون حراسته. وقد أثبت هذا الأسلوب فعاليته في إضعاف السلطة المركزية للسلاجقة والصليبيين، ومنح الحشاشين هالة من القوة تفوق حجمهم الحقيقي.
تحول جذري في العقلية
ما يهم الدكتور حفني هنا ليس تفاصيل تاريخ الحشاشين بقدر ما هو التحول الجذري في فكرة الاستشهاد. فالانتقال من الاستشهاد في سبيل قيمة متعالية إلى الاستشهاد في سبيل شخص هو تطور خطير، وهو ما نراه لاحقاً في شعارات الأنظمة الديكتاتورية مثل “بالروح بالدم نفديك يا صدام”، أو في سوريا “الله، سوريا، بشار”. وكما يقول الدكتور حفني، هذا التحول جعل من الممكن أن يُقدس الإنسان، وأن يُصبح الموت في سبيله هدفاً في حد ذاته، حتى لو كان هذا الإنسان هو نفسه من يرتكب الجرائم بحق شعبه.
الربيع العربي والهجرة السورية.. استشهاد بلا سيف
في العصر الحديث، خاصة منذ عام 2011، عاد مفهوم الاستشهاد بقوة، ولكن بثياب جديدة. فالاستشهاد لم يعد مقتصراً على ساحات القتال التقليدية، بل امتد ليشمل أشكالاً جديدة من المقاومة والتضحية.
شهيد المظاهرة.. مقاومة مدنية
في ثورات الربيع العربي، تحول المتظاهرون الذين يواجهون الرصاص الحي بصدور عارية إلى شهداء في وعي الشعوب. هؤلاء لم يحملوا سلاحاً، بل حملوا مطالب بالحرية والكرامة، وتضحية هؤلاء الأفراد ألهمت الملايين وكسرت حاجز الخوف. هنا، الاستشهاد أصبح رمزاً للمقاومة المدنية السلمية، وليس للقتال العسكري.
شهيد الحرب الأهلية.. أيديولوجيا
في المقابل، وفي سياقات أخرى مثل سوريا واليمن، تحول الاستشهاد إلى أيديولوجية تُستخدم لتبرير العنف والصراع المسلح. كل طرف يرى في مقاتليه شهداء يضحون من أجل قضية عادلة، وهو توظيف خطير لمفهوم الشهادة، يؤدي إلى تصعيد العنف وتبرير الفظائع.
الهجرة كاستشهاد
أما الجدلية الأكثر تعقيداً، فهي العلاقة بين الاستشهاد والهجرة السورية. فالملايين من السوريين اضطروا إلى النزوح هرباً من الحرب، وكثيرون منهم ماتوا في طريق الهجرة غرقاً في البحر أو اختناقاً في شاحنات التهريب. هؤلاء يُنظر إليهم في الخطاب الشعبي كشهداء، وإن اختلفت التسميات الفقهية. هنا، أصبح البقاء على قيد الحياة والبحث عن الأمان هدفاً يستحق التضحية، والموت في الطريق أصبح شهادة في سبيل الحياة الكريمة. وكما يشير الدكتور حفني، هذا الموضوع لا يزال قيد البحث والدراسة، لكنه يبرز تعقيد مفهوم الشهادة في العصر الحديث، وكيف يتشكل وفق السياقات المختلفة.
ماذا بعد؟
في ختام هذه السلسلة، يخلص الدكتور حفني إلى أن مفهوم الشهيد والشهادة في الثقافة العربية الإسلامية ليس مفهوماً ثابتاً، بل هو مفهوم ديناميكي شهد تحولات كبرى عبر التاريخ. من حمزة إلى الحسين، ومن الحشاشين إلى شهداء الربيع العربي والهجرة السورية، تبقى الشهادة قيمة إنسانية سامية، لكنها تظل أيضاً أداة في يد السياسة والدين والهوية.
ويطرح الدكتور حفني سؤالاً مفتوحاً في ختام محاضرته: هل يمكننا استعادة الجوهر الأخلاقي والروحي للشهادة، بعيداً عن التوظيفات السياسية والتشويهات الأيديولوجية؟ وكيف يمكننا التصدي لمحاولات استغلال هذا المفهوم لتبرير العنف والتطرف؟
ويؤكد أن التحدي الأكبر اليوم هو تقديم رؤية واضحة وشاملة لمفهوم الشهادة، تستند إلى الأصول الشرعية الصحيحة، وتراعي السياقات التاريخية والمعاصرة، مع التركيز على قيم البناء والتنمية والإصلاح، بدلاً من ثقافة الموت والتضحية غير المبررة. فالشهادة، في جوهرها، ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق حياة كريمة لأمة بأكملها.
للاستماع إلى تسجيل صوتي للجلسة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للجلسة اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد