عبرة الألباب من حياة توسان فتح الباب (٣) بقلم: أكمل صفوت
تنشر “تفكير” سلسلة د. أكمل صفوت عن ثورة العبيد في هايتي، في تسع حلقات، تُنشر حلقة جديدة أسبوعيًا.
السلسلة مستوحاة من بودكاست The Age of Napoleon، وتقدم قراءة مبسطة لأحداث الثورة وخلفياتها ودلالاتها التاريخية.
بقلم: أكمل صفوت
طبيب استشاري علاج الأورام بمستشفى جامعة أرهوس بالدانمرك، ومن المهتمين بالفكر الديني والإسلام السياسي وهموم المصريين في المهجر.

تمرد رايح وتمرد جاي
كان فيه إجماع في الوسط السياسي الفرنسي في باريس إن لابد من تمثيل هايتي سياسيا في الجمعية الوطنية الفرنسية، السؤال كان مين يمثل هايتي؟ ومين دي معناها:
– من أي طبقة (أرستقراطي وللا لأ، صاحب أرض وللا مواطن عادي)؟
– ومعناها كمان أبيض وللا أسمر؟ لأن طبعا العبيد السود مش محسوبين…
لوبي المزارعين في فرنسا كان بيحاول يضغط في اتجاه أن ممثلي هايتي يكونوا بس من أصحاب الممتلكات البيض (البيض الكبار). السمر وافقوا على الشرط اللي بيقول ان ممثلين هايتي يكونوا من أصحاب الممتلكات ورفضوا انهم يكونوا من البيض بس وقالوا ان شعار المساواة اللي رفعته الثورة الفرنسية معناه ان يكون لهم حق تمثيل هايتي السياسي.
لأن البيض كان نفوذهم السياسي وفلوسهم أكتر لأن لوبي المزارعين في باريس كان كله من البيض بدا الأمر وكأنهم حينتصروا، لكن حالة “المد الثوري” في باريس دفعت المجلس الوطني لإعلان وثيقة “حقوق الإنسان والمواطن” واللي بينص البند الأول فيها على أن “البشر يولدون ويبقون أحرارا ومتساوين” والصياغة دي عززت من الموقف السياسي للسمر.
الشد والجذب ده أزم الوضع داخل هايتي نفسها لدرجة ان بعض البيض الكبار المتعصبين مش بس تجاهلوا أي تبعات قانونية لإعلان “حقوق المواطن” من باريس لكن كمان بدأوا يدعوا لمصادرة أراضي السمر وطردهم كلهم من هايتي!!
كرد فعل، جمع واحد من أغنى أصحاب المزارع السمر في هايتي جيش صغير وعمل تمرد مسلح في أكتوبر ١٧٩٠، لكن التمرد ده اتقضى عليه بسهولة من الحامية الفرنسية وميليشيات البيض. اتقبض على قائد التمرد وتم إعدامه بطريقة بربرية من العصور الوسطى حاعفيكم من ذكر تفاصيلها. الإعدام البشع ده أعاد فتح قضية تمثيل هايتي في الجمعية الوطنية الفرنسية، اللي الجناح اليساري الثوري فيها كان بيزداد قوة. البيض الكبار في هايتي حسوا بالخطر على نفوذهم فبدأوا يناقشوا ويدعوا لفكرة الاستقلال الجزئي عن فرنسا، وتطور الأمر لتمرد مسلح من البيض الكبار وبعض جنود الحامية الفرنسية اللي استولوا على العاصمة من الحاكم العسكري الفرنسي والباقي من رجاله.
في الوقت ده وصلت أخبار من فرنسا أن المجلس التشريعي الثوري أقر أن إعلان حقوق المواطن ينطبق على المستعمرات الفرنسية وان من حق السمر التمتع بكافة الحقوق السياسية للبيض وتمثيل هايتي في الجمعية الوطنية الفرنسية.
اللي كان ممكن يفرض تنفيذ القرار ده على البيض هو الحاكم العسكري لكن هزيمته قدامهم في العاصمة أجبرته يختار السلبية وده دفع السمر لمحاولة فرض القرار بقوة السلاح وتحولت هايتي لساحة صراع مسلح بين مالكي الأراضي وأصحاب النفوذ من كل الطوائف…
كل ده كان بيحصل بين ١٠% من السكان، لكن التسعين فى المية الباقيين، العبيد السود، كانوا فى الوقت ده بيعملوا حاجة تانية خالص.
في هويد الليل
العبيد السود كانوا بيتابعوا الصراع الداير ده في صمت وترقب. بعد تمرد ماكاندال حاولت السلطات الفرنسية الاستعمارية تفرض رقابة على الأخبار من فرنسا لدرجة أن نشر الصحف والمطبوعات السياسية وسط العبيد كان يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون. لكن طبعا تطبيق ده كان مستحيل. في هويد الليل كان العبيد بيتنقلوا من مزرعة لمزرعة وبيتجمعوا علشان يقروا ويتناقشوا في الأخبار اللي جاية من فرنسا. ماكانش صعب على عبيد هايتي انهم يشوفوا في الثورة الفرنسية نموذج لمضطهدين نجحوا انهم يغيروا أوضاعهم بالثورة وماكانش صعب انهم يفهموا ان الإخاء والعدالة والمساواة أفكار تتناقض مع النظام العبودي. من غير سخرية أظن أن عبيد هايتى تبنوا مبادئ الثورة الفرنسية أكتر من كتير من الفرنسيين، وكان من الحتمي بالتالي انهم يبدأوا من جديد وفي السر الاستعداد لثورة جديدة بإسمهم.
توسان وقتها كان عنده ٤٩ سنة وكان رجل حر من ٢٠ سنة، متجوز وعنده ٣ ابناء، عنده رخصة لممارسة الطب بالأعشاب ودكان صغير لبيع القهوة ولسه بيساعد دي-ليبرتاد في إدارة مزرعة بريدا… يعني في الحقيقة كان وصل لأقصى ما يمكن لرجل أسود إنه يوصله في هايتي وقتها ونقدر نقول ان كان عنده الكتير اللي ممكن يخسره لو فيه ثورة قامت. لكن ده مامنعهوش.
ماعندناش معلومات عن الدور اللي لعبه توسان في الإعداد للثورة، لكن المؤرخين بيستنتجوا انه كان بيلعب دور محوري من بداية التخطيط للثورة بناء على عاملين:
الأول: هو إن أول ما اسمه بدأ يتعرف كان بالفعل واحد من القيادات.
الثاني: أن صياغة البيانات الأولى للثورة واللي كانت مجهولة المصدر كانت تحمل بصمة أسلوبه اللي اتعرف بعد كده فغالبا هو اللي كان بيكتبها.
يوم ١٤ أغسطس سنة ١٧٩١ اتجمع أكتر من ١٠٠ هايتي أسود لعمل احتفال سياسي وديني غير عادي، بدأ بكلمة نارية تحريضية على المستعمرين البيض ألقاها كاهن فودو اسمه دودي بوكمان وانتهى الاحتفال بذبح خنزير بري واصطفاف الحضور علشان يغمسوا ايديهم بالدور في دم الخنزير ولمس جبهتهم كنوع من القسم الطقسي.

بعد الاحتفال ده بأسبوع، يوم ٢١ أغسطس ١٧٩١ وحسب الميعاد المتفق عليه قبلها كانت النار بتشتعل في عدة مزارع في شمال هايتي إما نتيجة للمعارك اللي اندلعت أو كإشارة لباقى العبيد إن الثورة بدأت.
اللي حصل في الأيام والأسابيع اللي بعد كده فصل من أكثر فصول الفترة دي دموية وعنف. لو كتبت “ثورة العبيد في هايتي” على محرك بحث جووجل حاتطلع لك مجموعتين من الرسومات، إما الرسومات الرسمية لحكومة هايتي اللي بيظهر فيها توسان والعبيد السود فيها بزي عسكري، أو الصور اللى حاولت تجسد الحدث زمان بعيون غربية وبتظهر العبيد السود مسلحين بالسيوف وهم بيدبحوا البيض العزل.
الحقيقة كالعادة في مكان تاني، مفيش شك ان العبيد ارتكبوا مذابح واغتصبوا ستات وقتلوا أطفال، بس درجة العنف والوحشية بالتأكيد كانت متبادلة. واللي مش ممكن إنكاره أن المستعمرين البيض بنوا مجتمع هايتي على أساس من الهمجية والقتل والتعذيب وإن عنف مالكي العبيد العشوائي واللي مالوش زمام كان قانون المكان. الفرق الوحيد ان القانون ده -فجأة- بقى يُطبق على الكل.
ودي كانت بس البداية، زي ماحنشوف…
يتبع…
المصدر الرئيسي ومزيد من المعلومات موجودة فى بودكاست “عصر نابوليون” “The age of Napoleon”
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد