غزة والتحولات… أهداف سويف في حوار مع نهلة هنّو… الجزء الثاني

بقلم: نهلة هنو

nah-21-1-3 غزة والتحولات... أهداف سويف في حوار مع نهلة هنّو... الجزء الثاني

سحر الموجي: نعم، كانت المرة الوحيدة التي ذهبت فيها الاحتفالية إلى غزة، بعد الثورة مباشرة. دخلنا من رفح، وكانت تجربة غنية جداً. عملنا لقاءات مع كتاب فلسطينيين شباب، وورش كتابة في مدارس إعدادي وثانوي، وقدمت فرقة اسكندريلا حفلة في المسرح الوحيد الموجود في غزة وقتها. تحركنا داخل القطاع ورحنا أماكن مختلفة.

سحر: وضعتني وجهاً لوجه مع الإحساس بالاختناق في مكان صغير. كتبت نصاً بعد عودتي عن أنني لم أر طيوراً في بحر غزة، وكأن الطيور نفسها تركت المكان. أثرت فيّ جملة ترددت من الكتاب والفنانين: “إحنا مش محتاجين أدوية ولا أكل قد ما إحنا محتاجين ثقافة وفن”. لم تكن هناك مكتبة تبيع كتباً في غزة. حدث اسكندريلا كان أسطورياً بالنسبة لهم، المسرح المهجور افتتح لهم، وكانت كل غزة حاضرة، والمسرح يهتز بحماس الناس وعطشهم للثقافة. رأيت هذا الجوع مجسداً في أكثر من لحظة.

أهداف: وكانوا حافظين الأغاني كلها، شيء جبار.


أهداف: في 2019، تولى ابني عمر إدارة “بال فست”، وغير النموذج. بدأوا يأخذون موضوعات محددة مثل توزيع الماء، وتخطيط المدن، ويربطونها بخبراء من خارج فلسطين، مثل نشطاء السكان الأصليين في أمريكا. كوتس جاء عام 2023، قبل أكتوبر بشهر. هو أهم كاتب أسمر في أمريكا الآن، وكان قد كتب مقالة منذ تسع سنوات تحدث فيها عن التعويضات وذكر ألمانيا وإسرائيل كمثال ناجح، وهذا خطأ. دعوه مراراً، وفي 2023 جاء.

تركه عمر طوال الأسبوع دون أن يطلب منه شيئاً، وفي آخر يوم اعتذر علناً وطلب المحاسبة ليس على ما فعله، بل على ما سيفعله بعد ذلك. ومنذ عودته، أصبح وكأنه في دورة مكثفة لفهم القضية، يقرأ، يقابل رشيد خالدي، وفي نوفمبر في نيويورك أعلن ولاءه ورؤيته للقضية في كنيسة للسود. كتب كتاب “The Message” وما زال ناشطاً.


أهداف: سنة 2010، وكانت القدس عاصمة الثقافة العربية، أردنا عمل الافتتاح في المسرح الوطني. جهزنا كل شيء، وفوجئنا بجنود إسرائيليين يغلقون المسرح ويطلبون منا الخروج. قيل لنا إنها منطقة عسكرية. لكن الممثل الثقافي للسفارة الفرنسية عرض علينا استخدام المركز الثقافي الفرنسي القريب، فحمل كل منا ما استطاع من كتب وزهور، وسرنا في موكب في الشارع، والسيارات المصفحة للجنود بجانبنا.

ومرة أخرى، أردنا عمل الختام في سلوان، جنوب القدس، التي تتعرض لضغط شديد. جهزنا كل شيء، لكن الإسرائيليين أعلنوها منطقة عسكرية. ركبنا الأتوبيسات رغم تحذيرات القنصل البريطاني، وعندما وصلنا، أوقفونا قبل الخيمة بـ 200 متر. نزلت ومشيت، وآخرون معي، وألقوا قنابل الغاز. لكن دخلنا الخيمة، وفرقة دم كانت موجودة، وأقمنا الفعالية.


محمد توفيق: الحوار مهم ليس فقط لمضمونه الإنساني، لكن لتوقيته أيضاً. من المهم أن ينتقل تفكير النخبة العربية من الخطاب والشعارات إلى التفكير العملي التطبيقي، لأنه يؤدي إلى الفعل التراكمي المؤثر. نحن داخلون على مرحلة جديدة، واللوبي الإسرائيلي في معركة حياة أو موت، ورغم إنفاقه أموالاً طائلة لمعاقبة من يطالب بالحق الفلسطيني، إلا أن المقاومة تزداد.

سؤالي: كيف نحول التفكير المجرد حول حقوق الفلسطينيين إلى تطبيق لمعايير حقوق الإنسان والقانون الدولي؟ كيف نجعل السردية الفلسطينية مسموعة على نطاق واسع في الغرب، ليس فقط من ناحية المبدأ، لكن من خلال التعاطف الإنساني المباشر؟

أهداف: التعاطف الإنساني من خلال الفن يلتصق بالنفس أكثر من التعاطف من حيث المبدأ. هذا يحدث الآن لأن جيلاً من الفلسطينيين نشأ في أمريكا وإنجلترا ويكتب بالإنكليزية. كما نجحت إسرائيل في التغلغل في المجتمعات الغربية، يحدث الآن نفس الشيء بالنسبة للعرب. هناك إنتاج فني وأدبي وأكاديمي عربي في الغرب، يعرف كيف يتحدث من داخل الثقافة الغربية. في السنة الماضية، ظهرت سبع روايات لكاتبات فلسطينيات عن آبائهن الذين نزحوا، صور حميمة ومحبة، وفيها هشاشة إنسانية تصل إلى الناس. هذا الجانب من السردية الفلسطينية بدأ يظهر ويؤثر ويأخذ جوائز، خاصة في وقت يبحث فيه الغرب عن فهم ما يحدث.


أسماء: أنا درست أعمال أهداف سويف في رسالة الماجستير، خاصة رواية “In the Eye of the Sun”. لدي سؤالان: لماذا توقفتِ عن الكتابة؟ وما الأكثر تأثيراً في الناس: السرد الأدبي أم العمل الميداني؟

أهداف: الفرق أنني حين أكتب رواية أو قصة، لا أكتبها بهدف التأثير في الناس. الفن له متطلبات أخرى، التأثير ليس هدفك. أما المقالات والعمل الميداني فهدفها التأثير. منذ عام 2000، فتحت لي المقالات و”بال فست” مجالاً كبيراً للعمل الميداني، لأن هناك قناعة بأن العالم العربي لن يصلح إلا بتحرر فلسطين. العمل الميداني له مواعيد محددة، بينما الرواية تحتاج وقتاً طويلاً.

أدرك أن الرواية في النهاية أهم. كل العمل الذي قمنا به مهم، لكن لا أحد يقابلني في الشارع ويقول لي “مقالتك الرائعة”، بل يقولون “خارطة الحب” أو شخصية كذا في “In the Eye of the Sun”. حتى أثناء المظاهرات والغاز، كان الشباب يسألونني “متى الرواية الجديدة؟”. أنا لم أكتب مقالة عن فلسطين منذ ثلاث سنوات، لأني أشعر أن الوقت ليس وقت مقالات. أحاول الآن العمل على رواية جديدة.


للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات