أسطول الحرية بين الماضي والحاضر.. إيهاب لُطيف في حوار مع نهلة هنّو… الجزء الثاني
بقلم: نهلة هنو

نهلة: حدثنا عن مشاركتك في أسطول الحرية، المرة الأولى والأخيرة.
إيهاب: سأحاول الاختصار، فقصة الفلوتيلا الأخيرة وحدها تأخذ وقتاً طويلاً. بعد حادثة “مافي مرمرة” بسنة، خرجت في أسطول عام 2010-2011، وكنا سبع أو ثماني مراكب، وصلنا إلى إحدى عشرة سفينة في مرحلة ما. لكن إسرائيل صادرت الأسطول بالتعاون مع الحكومة اليونانية، فمنعت المراكب من الخروج. نقلنا مراكبنا ليلاً إلى تركيا، وانتظرنا شهرين أو ثلاثة، ثم خرجنا من تركيا. وكانت المعاملة عنيفة نسبياً، لكنها رقيقة جداً مقارنة بما حدث السنة الماضية والشهر الماضي.
نهلة: كيف يتم التواصل بين النشطاء من جميع أنحاء العالم للتجمع في هذه المراكب؟
إيهاب: بعد “مافي مرمرة”، ومع تنظيم “المسيرة العالمية إلى غزة” عام 2009، تعرفت مجموعات النشطاء من فرنسا وأمريكا وكندا على بعضها البعض. كانت بداية ظهور برامج مثل سكايب، مما سهل الاجتماعات. من خلال هذه الأدوات وفكرة أننا أقوى معاً، توسعت المجموعة التركية التي مولت المشروع لتشمل الولايات المتحدة وكندا وإسبانيا، مشكلة تحالف أسطول الحرية. أما تحالف “الصمود” الذي شاركت فيه السنة الماضية، فتكون بطريقة مختلفة، حيث شكلت تونس وإسبانيا والبرازيل نواة ثم أنشأت فروعاً في دول أخرى.
نهلة: اعترضوا الفلوتيلا في المياه الدولية؟
إيهاب: نعم، اعترضوا المراكب في المياه الدولية، على بعد خمسين ميلاً بحرياً من غزة، وليس كالمرة الأخيرة حيث هاجموا بعض المراكب على بعد أكثر من خمسمائة ميل بحري. الحقيقة أنهم توغلوا وتوحشوا. النهاردة صباحاً كنت في اجتماع مع وزارة الخارجية الكندية لنشرح لهم أن ما فعلته إسرائيل خطأ، لكن لم يعد يفرق معهم. إذا لم تتخذ دول مثل كندا إجراءات واضحة ضد إسرائيل، فلن يرتدعوا.
نحن لا نبحث عن حقوقنا الشخصية، نعرف أننا قد نفقدها، لكننا نريد أن تأخذ كندا موقفاً بسبب حقوق الإنسان الضائعة في فلسطين منذ ثمانين عاماً. وجود النظام الأميركي الحالي يصعب كل شيء، فنحن النشطاء مدرجون على القائمة السوداء لمنعنا من دخول أمريكا تضامناً مع إسرائيل. المعركة تزداد صعوبة يوماً بعد يوم.
نهلة: حدثنا عن الرحلة الأخيرة بالتفصيل.
إيهاب: عملت مع تحالف أسطول الحرية حتى عام 2017 كمنظم رئيسي، ثم تعاونت معهم لكن دون تنظيم مباشر. بعد الإبادة في غزة، شعرت بضرورة الخروج مجدداً. قال لي الآخرون: “ضع مالك حيث فمك، تعال واعمل”. ساعدت في تنظيم الأسطولين اللذين خرجا العام الماضي، ثم قررت أن أشارك بنفسي.
كل إنسان يعرف قدراته، والذين يستطيعون التضحية ببعض الراحة ليسوا بالضرورة من يستطيعون تعريض أنفسهم للخطر. نظرت لنفسي وقلت: أريد أن أخرج. وافقت على أن أكون قائداً للمركب، لأن منظمي الحملة قالوا لي إنه لن يكون هناك مسكين آخر ليتولى القيادة بحكم خبرتي.
نهلة: ما هو الهدف الأساسي من الفلوتيلا، خصوصاً وأنتم تعلمون أنه سيتم اعتراضها؟
إيهاب: المساعدات التي ننقلها، حتى لو خرج الأسطول بأكمله، لن تصنع فرقاً كبيراً مقارنة بما هو عالق في معبر العريش. الهدف إنساني من ناحية التضامن، لكنه سياسي بالدرجة الأولى. الهدف هذه المرة تحقق أكثر من أي وقت مضى: هو إيقاظ شعوب العالم لتوقظ حكوماتها. إنها عملية بطيئة، لكن ما البديل؟
عند تنظيم أي حملة، لا يعرف المرء إن كانت ستنجح. نعمل ما نقدر عليه، والباقي للظروف. هذه هي طريقة عمل الناشط أو الثوري في أي مجال. حتى الثورات العظمى، لو قرأنا التاريخ، لم يكن البلاشفة يعرفون أن ثورتهم عام 1917 ستغير العالم. الإيمان بالقضية هو المحرك، والنتيجة ليست في أيدينا.
أما إعلامياً، فأؤكد دائماً أن هدفنا ليس توصيل المساعدات، بل فتح الطريق لغزة لكي تعيش. هناك فرق بين العمل الإنساني والعمل السياسي، نحن لسنا مسلحين ولا دعاة عنف، عملنا مسالم وإنساني، لكن شقه السياسي أبعد بكثير من شقه المساعداتي.
نهلة: حدثنا عن الرحلة نفسها، من أين انطلقتم؟
إيهاب: المركب الذي كنا نجّهزه كحملة كندية كان موجوداً في كورسيكا بفرنسا، وكان غير جاهز. سافرت في 20 أبريل لمساعدة في تجهيزه. كان على مركبنا كنديون وأستراليون، وتعاوننا مع الحملة الأسترالية لتشابه الظروف. كنا خمسة كنديين، وانضم إلينا سبعة آخرون من أسطول الصمود.
وصلنا إلى صقلية، وهناك حدث الهجوم الأول على أسطول الصمود في 29 أبريل. قررنا الاستمرار رغم ذلك، وغيرنا المسار وتجمعنا مع السفن المتبقية. يوم 17 مايو، أقلعنا جميعاً من مناطق متقاربة في شرق اليونان وجنوب تركيا، متجهين إلى غزة بأكثر من خمسين سفينة تضم أكثر من أربعمائة شخص.
كنا نتوقع الهجوم من أول ليلة، لكنه بدأ صباح اليوم التالي، 18 مايو. رأينا من مركبنا مراكب إسرائيلية تهاجم المراكب القريبة. اقتربت البحرية الإسرائيلية منا مرتين ثم ابتعدت. استمر الهجوم من صباح الاثنين حتى بعد ظهر الثلاثاء، حوالي 36 ساعة. أغرقوا بعض المراكب بعد إخلائها، وتركوا أخرى تائهة، لكن هدفهم الأساسي كان القبض علينا.
نقلونا إلى سفن شحن استخدمتها إسرائيل كسجون. تعرضنا لعقاب بدني ونفسي مستمر من لحظة دخولنا إلى سفن السجن حتى وصولنا إلى المطار يوم الخميس، استمر نحو ثلاثة أيام ونصف. الجميع تعرض للضرب، وكثيرون كسرت ضلوعهم فعلاً وعانوا من نزيف داخلي. أنا كنت أظن أن لدي كسراً في الضلوع وإصابة في الرئة، لكن عند وصولي إسطنبول تبين أنه لا يوجد كسر حقيقي.
أنا الوحيد الذي تعرض للضرب بالسكين، لأنني تجاوزت صلاحياتي. طلبوا مني الترجمة، فاستغليت الحركة لأعطي ماءً للناس، وأساعد من يحتاج دواء، وضبطت حجاب فتاة خافت أن يكون قد انكشف. فأصابني أحد الجنود بالسكين. لكن العقاب الأكبر كان في الضرب والإهانة المستمرة، الجري والكلاب تنهش خلفنا، عربات السجن دون تهوية.
الحقيقة، بكل صدق ودون بطولات، أنا ومن كثيرين في المجموعة برمجنا أنفسنا على ألا ينالوا من كبريائنا مهما فعلوا بأجسادنا. كنت لا أقوى على الوقوف ولا على النوم من الألم ليلة الأربعاء، لكن شعوري كان في السماء. أرسل رسالة ساخرة شكراً لإيتمار بن غفير على نشره ما يفعلونه، فلو لم يفعل، لما كنا خرجنا بعد 24 ساعة.
نهلة: بالفعل، أحد ردود الأفعال كان: إذا كان هذا يحدث لناس من جنسيات مختلفة أمام الكاميرات، فماذا يحدث في السجون للفلسطينيين؟
نهلة: نستمع الآن إلى بعض من شعرك، خاصة ما استوحاه من تجربة الفلوتيلا.
إيهاب: سأقرأ لكم قصيدة “الأوله”، ثم “غربتي”. لأوضح، كنت دائماً أشعر بالإحراج من آية “يقولون ما لا يفعلون” في سورة الشعراء، وهذا دفعني للعمل لا للكلام فقط. وأذكر قصيدة الأبنودي “الموت على الأسفلت”: “الكلمة لا تحذف حجر ولا بتخلق شهيد… لكن برضو نقول”. كنت أقول لنفسي: لا، يمكننا أن نقول ونعمل.
القصيدة الأولى:
الأوله يا بلوتي يا مصر، والتانية يا غربتي يا كندا، والثالثة يا دمعتي يا فلسطين.
الأوله يا بلوتي يا مصر قلت علي متحرر
والتانية يا غربتي يا كندا سمتوني متحجر
والثالثة يا فلسطين ناس كلهم مساجين
لكن صامدين.
الأوله مصر، والثانية كندا، والثالثة فلسطين.
الأوله آه، والثانية آه، والثالثة آهين.
نهلة: جميل جداً. ننتقل إلى أسئلة الحضور.
رانيا: سعيدة بهذا اللقاء. سؤالي: كندا بلد ديمقراطي تتيح حرية التعبير، لكن هل تأثرت سلباً أو إيجاباً في عملك أو حياتك الاجتماعية بسبب مواقفك؟
إيهاب: مونتريال هي “منطقة ساخنة” للصهاينة والسلطة الصهيونية. كندا كلها إلى درجة كبيرة، لكن مونتريال تتصدر في هذا، خاصة أن الجالية الأنجلوفونية متداخلة مع الجالية اليهودية المحافظة، مما يجعل التعاطف مع إسرائيل سليقة أكثر من فهم القضية. تعرضت لهجمات كثيرة، لكن لم يستطع أحد اتهامي بمعاداة السامية أو الكراهية، رغم وجود صفحات تصفني بأني مناصر لحماس والإخوان. هذا لم يؤثر على عملي لأنه لا يمكن إثباته.
لكنني حُرمت من المشاركة في مهرجان أدبي كبير في مونتريال كان يستضيفني باستمرار، وسحبت دعوتي هذا العام بسبب اتجاهاتي السياسية. في الجامعة، هناك هجوم مستمر، ولا يمكن إنكار تأثيره على التقدم الوظيفي، لكنني وصلت لمرحلة لا أهتم بها كثيراً. بعد عودتي من الفلوتيلا، زادت الحملة ضدي في الجامعة.
الحقيقة أن حرية الرأي لها ثمنها في كل مكان، رغم الفرق الكبير بين الشرق الأوسط وكندا. لكن حتى في الغرب، هناك فروق بين كندا والنرويج مثلاً. رومانسية الحريات ليست مطلقة.
نهلة: بالفعل، هناك مقولة “تقدمي فيما عدا فلسطين”، فاللوبي الصهيوني مسيطر على مراكز كثيرة.
جمال: أضيف أن العقاب لا يأتي فقط من الحكومة، بل من منظمات أهلية أيضاً. في نيويورك، كانوا ينشرون صور النشطاء وعناوينهم في الشوارع ويتهمونهم بالإرهاب. الفكرة أن الحرية لك، وللآخرين أن يسيئوا إليك أيضاً.
سؤالي: تحدثت عن تواصل النشطاء، هل هناك تواصل مع ناس داخل غزة؟
إيهاب: خلال السنوات الماضية، كنا نعمل مع مجموعات داخل غزة، مثل الدكتور حيدر عيد أحد مؤسسي حركة BDS، وغيره. في 2014، مولنا مشروع “فلك غزة” لبناء مركب لإدخال المرضى والطلبة، لكن إسرائيل دمرته. التواصل مع غزة مستمر، لكنه قل بعد 7 أكتوبر. نحن نبتعد عن العمل مع الحكومات، لأن ذلك قد يقيدنا. الوهن الذي أصاب المنطقة العربية أصاب أيضاً الحركة الشعبية في فلسطين، مما يصعب العمل مع أي حركة غير حكومية في الشرق الأوسط.
يتبع….
للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا:
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد