عبد العظيم حماد… التنافس على مصر تحوّل من دولي إلى إقليمي… والمعركة الآن على روحها.
بقلم: نور البطاوي

كتب – نور البطاوي
استضاف صالون تفكير، مساء الأحد 1 نوفمبر، الكاتب الصحفي الكبير عبد العظيم حماد، رئيس تحرير الأهرام الأسبق، في ندوة بعنوان «التنافس الدولي على مصر منذ نابليون وحتى اليوم»، أدارتها د. رغد صفوت، ضمن موسم خريف 2026. وتناول حماد في محاضرته تحولات النفوذ الأجنبي على مصر منذ حملة نابليون، مرورًا بنظرية «الكرسي ذي القوائم الثلاث»، وصولًا إلى الصراع الراهن الذي وصفه بأنه «ما بقاش بس دولي، ده بقى إقليمي كمان»، ومعركة «تقزيم مصر» و«روح مصر».

تصحيح قبل البداية
بدأ حماد بتصحيح معلومات وردت في التقديم، موضحًا أنه «ما اشتغلتش محرر في مجلة الإذاعة والتلفزيون»، بل «اشتغلت كمحرر في الشؤون السياسية للإذاعة والتلفزيون»، وكان يكتب «التعليقات السياسية» التي تعبر عن وجهة النظر الرسمية للدولة المصرية في منتصف السبعينيات. كما أوضح أنه كان «مدير تحرير الطبعة العربية للأهرام»، وليس مدير تحرير الأهرام العربي، وقال إن ذلك «من باب التصحيح أو الأرشفة».
«ماذا خسرت مصر بانحطاط الصحافة؟»
افتتح حماد حديثه بسؤال مستوحى من عنوان كتاب أبي الحسن الندوي «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟»، قائلًا: «ماذا خسرت مصر بانحطاط الصحافة؟»، ورأى أن المصريين «مش فاهمين تاريخهم كويس»، إما بمبالغة في الحب والتغاضي عن السلبيات، أو بعقدة نقص والحط من التاريخ، ما يجعلهم «مش عارفين خطة إنقاذ أو رؤية إنقاذ حقيقية نجمع عليها».
«الكرسي ذو القوائم الثلاث»
أرجع حماد التنافس الدولي على مصر إلى نظرية كشفها السير ميلز لامبسون، المندوب السامي البريطاني في مصر (اللورد كليرن)، وتقول إن السلطة في مصر «تشبه كرسيًا قائمًا على 3 قوائم أو 3 أرجل»: «القصر الملكي»، و«الشعب المصري ممثلًا في حزب الوفد»، و«السفارة البريطانية» التي «هي رمز للدور الدولي في حكم مصر وفي تكوين السلطة المصرية». وأوضح أن حملة نابليون «أعادت تذكير الغرب بأهمية مصر في السياسة الدولية»، بعد أن كان الغرب «قد نسي ذلك بعد انتهاء عصر الحروب الصليبية»، عندما تصدت مصر للصليبيين بقيادة الدولة الأيوبية ثم المماليك حتى «قضوا نهائيًا على الإمارات الصليبية».
محمد علي… «حل وسط»
بعد جلاء الحملة الفرنسية، اندلع الصراع بين بريطانيا وفرنسا عبر عملاء محليين، وذكر حماد أن فرنسا تركت الجنرال يعقوب صاحب مشروع استقلال مصر عن الدولة العثمانية، وبريطانيا اعتمدت على محمد بك الألفي، بينما أراد السلطان العثماني إعادة مصر «مجرد ولاية عثمانية فقط لا غير». وقال إن الحركة الشعبية بقيادة عمر مكرم «كانت الطرف الثالث» الذي رفض عودة حكم الباشا، وفشل مشروعا يعقوب والألفي، «فاضطرت بريطانيا إنها تيجي بحملة فريزر المشهورة اللي هزمت في رشيد». وعندما اكتشفت بريطانيا وفرنسا فشلهما، «اتفقوا على إنه ما يبقاش رجل السلطان هو الحاكم»، فوجدا محمد علي «الذي ليس رجل السلطان، وليس رجل بريطانيا ولا فرنسا»، وكان «مفضلًا عند الحركة الشعبية»، فكان «حلًا وسطًا صنعه اتفاق القنصلين البريطاني والفرنسي استجابة للتفضيل الشعبي». وقال إن الشعب «أول مرة يدخل طرفًا في تكوين السلطة، لكن معاه الخارج، يعني أوروبا مش السلطان».

وأشار إلى أن محمد علي كان «شديد الذكاء وشديد الفهم»، وظل «يناور بين الأطراف الثلاثة ليحتفظ باستقلال مصر»، وكان «سر رفضه لمشروع قناة السويس» أنه «ما يخلقش مدخلًا لنفوذ أجنبي لا يستطيع مقاومته». وبعد وفاته، فرضت عليه معاهدة لندن 1840 «إلغاء الاحتكار»، أي أن يكون «الملك الوحيد للأرض والتاجر الوحيد والصانع الوحيد»، ما فتح السوق المصرية أمام التجارة الأجنبية والأموال، وبدأ الاقتصاد المصري «يندمج في سوق الرأسمالية الدولية».
سعيد باشا… ومداخل النفوذ
توقف حماد عند «اللائحة السعيدية» 1858 التي سمحت بتمليك المزارع المصري للأرض على مرحلتين: «حق الانتفاع» ثم «حق الرقبة»، بما سمح للأجانب بتملك الأرض، ودخل المرابون «يسلفون الفلاح المصري» مقابل أرضه، «فتنزع ملكية الأراضي» بسبب الجهل بالأوراق والمستندات. وأشار إلى أن منح امتياز قناة السويس لشركة فرنسية دولية «اعتُبر انتصارًا للنفوذ الفرنسي على النفوذ البريطاني»، ولم تهدأ بريطانيا إلا بعد أن اشترت الأسهم، حتى إن رئيس الوزراء استدان من «بعض أصدقائه اللوردات» عندما كانت البنوك في إجازة «عشان ما يتركش مصر للنفوذ الفرنسي فقط». كما توقف عند الامتيازات الأجنبية التي كانت تعفي الأجانب من المحاكمة أمام القانون المصري، ويحاكمون أمام قناصلهم فقط، ما خلق مظالم كثيرة، حتى إن الوالي نفسه كان يخشى من رفع الأجانب قضايا ضده.
إسماعيل… و«نظرية الكرسي»
قال حماد إن إسماعيل «لجأ لتحريك المعارضة الشعبية وطلب الدستور عشان يقدر يواجه النفوذ الأجنبي»، وهو «تطبيق لنظرية الكرسي»: «لو الشعب اتفق مع القصر، النفوذ الأجنبي في أضيق الحدود. لو النفوذ الأجنبي اتفق مع القصر ضد شعب، يا ويل الشعب. لو النفوذ الأجنبي اتفق مع الشعب ضد القصر، وهذه نادرة جدًا، لم تحدث إلا في حادث فبراير 1942 ضد الملك فاروق، ولم تحدث إلا عندما اتفق الأمريكيون مع الحركة الشعبية في تولية الإخوان بعد مبارك في 2011». وأشار إلى أن الملك فؤاد قال للورد ميلنر: «يا عمي سيبك من سعد زغلول، وسيبك من الثورة الشعبية، وسيبك من الشعب المصري، ما فيش غير قوتين: إنتو وأنا، نتفق مع بعض وخلاص». لكن حزب الوفد تحدى ذلك بشعار «الشعب يريد الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، واستمر الصراع بين الوفد والقصر والسفارة.
من بريطانيا إلى أمريكا
بعد 1952، قال حماد إن «أمريكا حلت محل بريطانيا في قيادة الغرب»، وكان من ميراثها الشرق الأوسط «وفي قلبه مصر وإسرائيل». ورأى أن الأمريكيين راهنوا على الضباط الأحرار لإقامة نظام قوي يصمد ويحقق إصلاحات، وأنه «لولا منع السفارة الأمريكية للتدخل البريطاني، ما كانش 23 ضابط مسكوا الحكم وربما كانوا تعلقوا في المشانق». وأشار إلى أن عبد الناصر كان يدرك أنه «ما فيش حل غير مع أمريكا»، فوجه النداء الشهير لنيكسون، وأن السادات كان يعلم أيضًا أنه «لا بد من التفاهم مع أمريكا».
وروى حماد واقعة في حفل توقيع كامب ديفيد، حين قال مدير المخابرات المركزية الأمريكية الأدميرال ستانسفيلد تيرنر على مائدة فيها صحفيون وسياسيون مصريون: «لقد ضاعت مصر منا سنة، ولن نسمح بضياعها مرة أخرى مهما كان الثمن». وأضاف أن أمريكا أصبح لها «دخل كبير في كل حاجة في مصر»، من تأمين الرئيس وتدريب الحرس الجمهوري إلى النصائح في كثير من القضايا، حتى إن السفير الأمريكي كان له دور في اختيار حسني مبارك رئيسًا للوزراء بعد إقالة حكومة مصطفى خليل. وأشار إلى أن جمال مبارك زار البيت الأبيض سرًا في إطار خطة التوريث، وأن ما صُرح به أن «أي رئيس لمصر لا بد أن يحظى بموافقة أمريكا»، بل وإسرائيل.
«مبارك لازم يرحل»… وتنازلات الإخوان
ربط حماد بين جملة أوباما الشهيرة «مبارك لازم يرحل» وبين «التفاهم ما بين الولايات المتحدة والسلطة الجديدة في مصر»، وتصادف أن الشعب والجيش وأمريكا أرادوا جميعًا رحيل مبارك. وقال إن الإخوان قدموا لأمريكا «تنازلات فورية بعد تنحي مبارك»، منها «إعلان اعترافهم الكامل بكامب ديفيد»، وتعهدات بشأن حقوق المرأة والانتخابات ووقف الهجرة، «عشان الفيتو الأمريكي يمتنع». وأشار إلى أن كل الإصلاحات في أواخر عهد مبارك، من مناصب المرأة القضائية إلى إجازة الأقباط في عيد الميلاد وموضوع الكنائس والمجلس القومي لحقوق الإنسان، «جاءت بضغوط أمريكية تزعمها بوش الابن».
الصراع الراهن… «تقزيم مصر»
قال حماد إن «الصراع على مصر دلوقتي ما بقاش بس دولي، ده بقى إقليمي كمان»، فالسعودية «عاوزة تحل محلنا»، لكنها «دولة عاقلة وتفهم أنها لن تستطيع أن تكون موتور المنطقة العربية دون مصر»، بينما الإمارات أطلقت «نظرية اللحظة الخليجية لقيادة العرب». وهناك تحدٍّ في حوض النيل والبحر الأحمر، وخطر في ليبيا والسودان، وتوتر مع تركيا. أما إسرائيل، فقال إن «مشروع إسرائيل الكبرى هو أكبر تحدٍّ في المستقبل»، وإن النحاس باشا قال سنة 1936 إن مصر «لا تستطيع أن تشعر بالأمان وعلى حدودها الشرقية قوة مسلحة إلى هذا الحد». وأضاف: «شحال بقى إن دي دولة مختلفة تمامًا، مشروع استيطاني استعماري قادم من خارج المنطقة، يتحدث عن هيمنة للمنطقة وإعادة ترتيبها، وإعادة ترتيبها دي يعني على حساب مصر أو عزل مصر أو إضعاف مصر».
وشدد على أن الصراع «اتخذ شكل إن مصر تضعف وتتحلل من داخلها»، بما يسميه الغرب «نزع القيم والمعنويات من حياة المجتمع» عبر التعليم والمناهج والعلاقات العامة وصراع الهوية، مع انشقاقات فرعية في النوبة وسيناء والبدو والصحراء الغربية، وصراع اللغات بين العامية والفصحى وإحياء القبطية، وقال إن «كل هذه تعبيرات عن الصراع على روح مصر، والتنافس الدولي والإقليمي على روح مصر». كما انتقد «التصور الأميركي للأمن في الإقليم» الذي «لا يعطي لمصر أي دور، وإنما يركز على إسرائيل» لضرب إيران وأي قوة محتملة، ونقل عن وزير الدفاع السعودي قوله للإيرانيين إن إسرائيل «بعد أن تنتهي من إيران ستستدير نحو تركيا وبعدها السعودية»، وتساءل: «طب واحنا فين بقى؟».
الحل… تعليم وتصنيع وتوافق
في رده على سؤال د. وليد الخشاب عن إمكانية استفادة مصر من التناقضات بين القوى العظمى، قال حماد إن «المعركة الآن تقزيم مصر وإبعادها عن الدور القيادي في الإقليم»، وإن «الحل ببساطة شديدة: تعليم جيد جدًا جدًا، الاتجاه للتصنيع، تحقيق أكبر قدر من التوافق بين السلطة والمواطنين من خلال مجال عام منفتح لكنه منضبط»، وحوار حول «إيديولوجية وطنية» بمعناها الأمني والثقافي والسياسي. وانتقد صراع الهوية الذي بدأ منذ اغتيال بطرس غالي باشا سنة 1910، وقال إن «الهوية المصرية هي كل هذا»، وإن المفهوم الحداثي للمواطنة أقره المؤتمر الوطني الأول للثورة العرابية حين قال: «المصري هو كل من يسكن أرض مصر، يتنفس هواءها، ويحرث أرضها، بصرف النظر عن لونه ودينه وأصله». وأوصى بكتب «المسألة المصرية» لوحيدة، و«شخصية مصر» لجمال حمدان، و«تكوين مصر» لغربال، و«مصر في القرن التاسع عشر» لمحمد فؤاد شكري.
الدولة والمجتمع… و«الطليعة الوفدية»
في مداخلة لجمال عمر، أشار إلى ضعف «البنية» وتفكيك التنظيمات التقليدية، وأن الدولة «تم اختصارها في الجيش» بعد 2011، فأجاب حماد بأن «الحل هو تمكين الداخل وإطلاق طاقات المجتمع المعتقلة»، وإعادة الحياة لمنظمات المجتمع المدني والنقابات والتعاونيات والغرف التجارية، لأنها «الجهاز الحركي للمجتمع». وأشار إلى تجربة مصر في بناء الجمعيات الخيرية الإسلامية والقبطية والمستشفيات والمدارس بعد هزيمة الثورة العرابية، وفي ظرف 20 سنة «نقلت مصر نقلة أخرى خالص»، من جمعية المساعي المشكورة وجمعية المبرة إلى بنك مصر والجمعية الجغرافية والتاريخية وجمعية الاقتصاد السياسي. وقال إن «التنظيم أساس أي شيء في الدنيا»، وإننا «خسرنا التنظيمات التقليدية» من طوائف الحرفيين، ولم تقم التنظيمات الحديثة بدورها، وإن «التدريب» و«الصيانة» مفقودان في المؤسسات منذ أواخر السبعينيات.
وتوقف حماد عند «الطليعة الوفدية» التي قادها عزيز فهمي ومحمد مندور ونعمان عاشور وإبراهيم طلعت، وكان النحاس باشا يحبهم لكنه «لم يستطع أن يضعهم في الصف الأول في القيادة مكان فؤاد سراج الدين ومجموعة الباشاوات». وقال إن «هزيمة الطليعة الوفدية كانت من أهم أسباب قيام حركة الضباط سنة 23 »، لأنها لو نجحت في تولي الحزب وتحديثه «وربما وجدت مساندة دولية في مواجهة استبداد الملك من أجل الإصلاح، لتفادي الثورة الشيوعية أو ثورة الإخوان». وروى أن النحاس باشا، بعد خطبته التي جمعت حوله «نص مليون وفدي»، قال له الوفديون: «المقاومة، لأن أنت اللي ليك شعبية»، فقال: «الجيش عامل زي القطر، لن يقف غير لما يتخبط، في حاجة توقفه»، و«ساب القضية»، معتبرًا أنه «مسؤول مسؤولية ضخمة جدًا عن صرف الوفديين عن فكرة مقاومة الضباط».
واختُتمت الندوة بتأكيد د. رغد صفوت على أهمية النقاش، وشكر الحضور والمتداخلين، والإعلان عن استمرار سلسلة ندوات الصالون خلال شهري نوفمبر وديسمبر.
للاستماع الى تسجيل الندوة علي راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة الندوة في قناة تفكير على يوتيوب اضغط هنا
لمشاهدة ندوات موسم الخريف 2026 بصالون تفكير اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



إرسال التعليق