«الكرّمة الذابلة» مي طرطوسي تكتب عن هشاشة الأخلاق في مهجرٍ لا يرحم
بقلم: نور البطاوي

استضاف صالون تفكير، مساء السبت 24 أكتوبر، الفنانة والكاتبة مي طرطوسي في أولى حلقات برنامج «حوارات تفكير مع وليد الخشاب»، للحديث عن مسرحيتها «الكرّمة الذابلة» (The Vine That Withers)، التي عُرضت في تورونتو ضمن مهرجان المسرح المستقل «فرنج تورونتو»، وحققت حضورًا جماهيريًا لافتًا بمقاييس المسرح الجاد في كندا.

أدار اللقاء الدكتور وليد الخشاب، بمشاركة جمال عمر وعدد من أعضاء الصالون والمهتمين بالمسرح والهجرة، وتناول الحوار تجربة طرطوسي الإبداعية، ونص المسرحية، وقضايا الأخلاق والاندماج والهوية، وعلاقة الكاتب العربي بلغة المهجر.
من دبي إلى تورونتو… حكاية «الكرمة» التي تذبل
بدأت طرطوسي بتقديم نفسها كـ«حكواتية» أكثر من كونها كاتبة مسرح بالمعنى التقليدي، موضحة أن دراستها للأدب الفرنسي في سوريا، ثم عملها في الإمارات، ثم انتقالها إلى كندا، ظلّت تحمل معها شغف المسرح. وقالت إن مسرحيتها الجديدة كتبت بالإنجليزية لأن السوق الكندي يحتاج ذلك، لكنها ظلت تكتب بعض المشاهد بالعربية، لأن «العربية فيها فكاهة أكثر وتواصل مع الانفعالات أعمق».

وتدور المسرحية حول صديقتين عربيتين، داليا وليال، تفتحان كافيه في تورونتو لتؤمنا حياتهما، فتصطدم داليا بواقع مختلف عن حياتها السابقة في دبي. وتتحول محاولة إنقاذ المشروع إلى سلسلة تنازلات أخلاقية، تبلغ ذروتها بالتحايل على منحة حكومية لدعم الشباب، إذ يوظفان شابًا صغيرًا ويدفعان له جزءًا من المنحة ويحتفظان بالباقي لسداد ديون المشروع.
«الكرمة» رمزًا للذبلان الأخلاقي
شرحت طرطوسي أن اسم «داليا» في الشام يرتبط بالعريشة أو شجرة العنب، وأن فكرة النبتة التي تذبل تدريجيًا مع كل قرار خاطئ تتخذها البطلة كانت مقصودة. وقالت إن النبتة، التي أهداها حبيب داليا السابق، تظل مهملة حتى تكاد تموت، في توازٍ مع تآكل أخلاقيات البطلة وانكسار علاقاتها. وأضافت أن اسم «كمال» يحمل دلالة أخلاقية، بينما اسم «رامي» جاء بالمصادفة، رغم اعترافها بأن دلالة الاسم الأخير «السعي نحو المستقبل» تخدم النص.
نهاية بلا خلاص
أثار الحضور سؤالًا حول غياب «الخلاص» أو الندم في النهاية، فأكدت طرطوسي أن رفضها للنهايات التصالحية خيار شخصي، وقالت: «ما بدي ريح القارئ أو المشاهد. المسرح الجاد لازم يخليك تسأل حالك: وين العمل اللاأخلاقي؟». وترى أن الشخصيات هي التي قادتها إلى النهاية، لا العكس، بعدما حاولت في البداية «حماية» البطلة من الخطأ، ثم أدركت أن «الكاتب لما بيحمي شخصياته بيأذيها».
مسرح مستقل بأرقام نجاح
كشفت طرطوسي أن المسرحية عُرضت سبع ليالٍ ضمن المهرجان، وبلغت نسبة الحضور نحو 70%، مع تسجيل زيادة في بيع التذاكر بعد كل عرض، وهو ما اعتبرته دليلًا على انتقال الحديث عنها بين الجمهور. وأضافت أن تكلفة الإنتاج، التي تحملتها جزئيًا الأوركسترا العربية الكندية، تم تعويضها من عائد التذاكر فقط، وهو إنجاز نادر للمسرح الجاد في كندا. وأعلنت عن عرض جديد للمسرحية في 15 نوفمبر ضمن مهرجان «فاما» في ميسيساجا.
لغتان وجيلان من المهاجرين
توقف الحوار عند تجربة المرأة المهاجرة، فسأل الدكتور قاسم المحباشي عن خصوصية هجرة النساء، فأجابت طرطوسي من تجربتها الشخصية: في التسعينيات لم تكن ترى سيدات مهاجرات بمفردهن إلى الخليج، ثم بدأت الظاهرة تتسع مع تغير الظروف. وربطت بين هجرة الخليج وهجرة الغرب، معتبرة أن الأولى «أسهل» لأنها تحفظ كرامة المهاجر أكثر، بينما الثانية تفرض صراعًا أعمق مع الهوية.
وفي مداخلة للدكتور عماد ثابت، طُرح سؤال عن نسبية الأخلاق و«أخلاقيات الموقف»، فأكدت طرطوسي أن السقوط الأخلاقي في المسرحية ليس مجرد التحايل على الدولة، بل «تعليم جيل جديد أن يمشي بطرق ملتوية قبل أن يتعلم الحياة».
مثلية ليال… مصادفة إنتاجية
كشف الحوار أن شخصية ليال، صديقة داليا، أصبحت مثلية الميل خلال البروفات، بعدما وجد المخرج أن الممثلة غير العربية التي تؤدي الدور لم تكن مرتاحة في أداء حوارات الحب مع رجل، فطلبت تغيير الجملة. وقالت طرطوسي إن القرار لم يكن مقصودًا لإرضاء جمهور أو جهات داعمة، لكنه فتح خيطًا جديدًا لشخصية ليال وعلاقتها بكندا وأهلها.

دعم وليد الخشاب وكتاب الصالون
وجهت طرطوسي شكرًا خاصًا للدكتور وليد الخشاب، الذي قرأ «سينوبسيس» المسرحية وشجعها على الكتابة، وقالت إنه منحها «فالديشن» وثقة كأستاذ مسرح ودراسات عربية. وأشارت إلى أن ملاحظته حول ضرورة أن يكون الكافيه «شخصية» داخل النص قادتها إلى تصميم قائمة طعام خاصة بالمشروع، واختيار موسيقى من المغرب والجزائر، ما جعل المكان جزءًا من البنية الدرامية.
وفي ختام اللقاء، أشاد محمد التداوي بحساسية المسرحية في تناولها «أقل الذنوب» لدى المهاجرين، معتبرًا أنها تعين الجيل الثاني على فهم قصص آبائه. كما أثنى بيلي على فكرة «الجسر بين الحضارات»، بينما ربط جمال عمر بين تجربة المهاجر العربي وتجارب الإيطاليين والإيرلنديين واليهود في الأمريكيتين، مؤكدًا أن الصراع على أن تصبح الثقافة العربية جزءًا من المكون الكندي ما زال مستمرًا.
واختتم الصالون بالإعلان عن ندوة قادمة للأستاذ سعد القرش بعنوان «خريف الصحافة المصرية»، تديرها الأستاذة مشيرة زيدان، في إطار موسم الخريف الذي يواصل فتح ملفات الثقافة والصحافة والمسرح.
للاستماع الى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير علي تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد