سِلَاحُ السَّلَامِ.. تأليف: هاري هاريسون.. ترجمة: أنطونيوس نبيل
أنطونيوس نبيل
طبيب وشاعر وملحن.

فِي المَسَاءِ، بَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنْ العَشَاءِ، مَا مِنْ شَيءٍ نَسْتَلِذُّهُ -نَحْنُ الأَبْنَاءَ- أَكْثرَ مِنَ التَّحَلُّقِ حَوْلَ النَّارِ والإِنْصَاتِ لِقِصَّةٍ يَرْوِيهَا لَنَا وَالِدُنَا.
قَدْ تَقُولُ إنَّ هذا أَمْرٌ سَاذَجٌ أَوْ مِمَّا عَفَا عَلَيْهِ الزَّمَانُ، مُقَارَنَةً بالطُّرُزِ الحَدِيثَةِ للتَّرْفِيهِ كَافَّةً، فَإِنْ جَاهَرْتَنِي بِذَلِكَ، لَا تَسْتَغْرِبْ مِنِّي أَنْ أُجِيبَكَ بِابْتِسَامَةٍ تَنْضَحُ صَفْحًا مَشُوبًا بالسُّخْرِيَّةِ.
لَقَدْ أَدْرَكْتُ الثَّامِنَةَ عَشرَةَ مِنَ عُمْرِي، وتَرَكْتُ خَلْفِي كُلَّ آثَارِ الطُّفُولةِ مُكْرَهًا إلَّا الإِصْغَاءَ إِلَى مَا يَسْرُدُهُ وَالِدُنَا عَلَى مَسَامِعِنَا مِنْ قَصَصٍ بَدِيعٍ؛ فَإنَّهُ خَطِيبٌ مِصْقَعٌ، صَوْتُهُ النَّدِيُّ لَا يَزَالُ يَنْسِجُ تَعْوِيذَةً سِحْرِيَّةً تَشُدُّنِي إِلَيْهِ كَأُحْبُولَةٍ تُرِيغُنِي فَلَا أَرْجُو التَّمَلُّصَ مِنْ أَسْرِهَا أَبَدًا. عَلَى الرُّغْمِ مِنْ انْتِصَارِنَا فِي الحَرْبِ، إلَّا أَنَّنَا خَسِرْنَا الكَثِيرَ فِي غِمَارِهَا: هَا هُوَ ذَا العَالَمُ قَاسٍ وَضَارٍ؛ لَقَدْ آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَظَلَّ مُتَشَبِّثًا بِذَيْلِ طُفُولَتِي الأَخِيرِ مَا اسْتَطَعْتُ.
عَادَةً مَا يَصِيحُ إِخْوَتِي الصِّغَارُ قَائِلِينَ: “أَبَانَا، اِحْكِ لَنَا قِصَّةَ المَعْرَكَةِ الأَخِيرَةِ.” وَهِي القَصَّةُ ذَاتُهَا التي كَانَ دَيْدَنُهُ أَنْ يَرْوِيهَا لَنَا. إنَّهَا قِصَّةٌ مُرْعِبَةٌ، وإنْ كُنَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحْدَاثَهَا قَدِ انْقَضَتْ، نَسْتَمْرِئُ رَهْبَتَهَا قَبْلَ النَّوْمِ؛ لِمَا تَمْنَحُهُ لّنَا مِنْ قشعريرةٍ عَذْبَةٍ تَسْتَبِدُّ بِكَامِلِ أَبْدَانِنَا.
يَشْرَعُ أَبِي فِي تَنَاوُلِ جِعَتِهِ، يَحْسُوهَا بِبُطءٍ، ثُمَّ يَنْفُضُ بِأَصْبَعِهِ مَا عَلِقَ بِشَارِبِهِ مِنْ كِسَفِ ثُمَالَتِهَا. هَذِهِ الإِشَارَةُ التي تُنْبِئُنَا أَنَّهُ سَيُبَاشِرُ سَرْدَ القِصَّةِ المَنْشُودَةِ فِي الحَالِ.
يَقُولُ أَبِي: “الحَرْبُ جَحِيمٌ، فَلَا تَنْسَوْا ذَلِكَ أَبَدًا.” يَضْحَكُ مِنْ إِخْوَتِي الأَصْغَرَانِ ضَحِكَةً خَافِتَةً يَتَكَتَّمَانِهَا؛ لَأَنَّهُمَا سَيُعَاقَبَانِ بَغَسْلِ فَمَيْهِمَا بِالصَّابُونِ، لَوِ تَفَوَّهَتْ شِفَاهُهُمَا بِكَلِمَةِ الحَرْبِ.
“الحَرْبُ جَحِيمٌ، جَحِيمٌ مُنْذُ الأَزَلِ، لَمْ يَحْلُ عَلْقَمُ شَنَاعَتِهَا لَحْظَةً وَاحِدَةً وَلَا طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَمَا يَحُثُّنِي عَلَى أَنْ أَحْكِي لَكُمْ هّذِهِ القَصَّةَ تَكْرَارًا ومِرَارًا إلَّا حِرْصِي الشَّدِيدُ عَلَى أَلَّا تَنْسَوْهَا أَبَدًا إِشْفَاقًا عَلَيْكُمْ مِنَ العَوَاقِبِ الفَادِحَةِ لِلْغَفْلَةِ. لَقَدْ خُضْنَا غَمَرَاتِ المَعْرَكَةِ النِّهَائِيَّةِ فِي الحَرْبِ الأَخِيرَةِ، وَقَدْ ضَحَّى جَمْعٌ غَفِيرٌ مِنَ الأَبْطَالِ الصَّنَادِيدِ بِحَيَواتِهِمْ مِنْ أَجْلِ أَنْ نُحْرِزَ فِيهَا نَصْرًا مُبِينًا. الآنَ وَقَدِ وَضَعَتِ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا وَصَارَتْ قِصَّةً مُقْتَضَبَةً تُرْوَى عَلَى عَجَلٍ، أُرِيدُكُمْ أَنْ تَتَذَكَّرُوا ذَلِكَ دَائِمًا: لَقَدْ مَاتَ خَيْرُ أَبْطَالِنَا الأَشَاوِسِ؛ لِكَي تَحْيَوْا أَنْتُمْ، لَقَدْ بَذَلُوا أَرْوَاحَهُمْ؛ لِكَي لا تَكُونُوا مُكْرَهِينَ عَلَى خَوْضِ غِمَارِ حَرْبٍ أُخْرَى.”
“أَوَّلًا، عَلَيْكُمْ أَنْ تُطَهِّرُوا أَذْهَانَكُمْ مِنْ الأَوْهَامِ التي تُضْفِي عَلَى المَعَارِكِ رَوْنَقًا جَذَّابًا، عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْبِذُوا فِكْرَةَ أَنَّ لِلْمَعَارِكِ وَجْهًا نَبِيلًا أَوْ أَلَقًا خَلَّابًا. لَيْسَ فِي المَعَارِكِ أَدْنَى قَدْرٍ مِنَ الجَمَالِ وإِنْ ضَؤُلَ وَإِنْ خَفِيَ. إنَّهَا خُرَافَاتٌ عُضَالٌ تَكَادُ الدُّهُورُ تَعْجَزُ عَنْ مَحْوِهَا، رُبَّمَا تَمْتَدُّ جُذُورُهَا إِلَى عُصُورِ مَا قَبْل التَّارِيخِ، حِيْنَ كَانَتِ الحَرْبُ مَحْضَ مُشَاجَرَةٍ فَرْدِيَّةٍ بالأَيْدِي تَدُورُ عِنْدَ مَدْخَلِ كَهْفٍ بَيْنَ غَرِيبٍ يَطْمَعُ فِي احْتِلَالِهِ ورَجُلٍ اتَّخَذَهُ بَيْتًا لَهُ، لَقَدْ وَلَّتْ تِلْكَ الأَيَّامُ مُنْذُ زَمَنٍ سَحِيقٍ. فَمَا كَانَ سَبِيلًا إِلَى حَيَاةِ الفَرْدِ، قَدْ يَصِيرُ سَبِيلًا إِلَى هَلَاكِ مُجْتَمَعٍ مُتَحَضِّرٍ. لَقَدْ كَانَتِ الحَرْبُ سَبِيلًا إِلَى فَنَاءِ أَبْطَالِنَا الصَّنَادِيدِ، أَتَمْتَرُونَ فِي هذا؟”
تَتَجَوَّلُ عَيْنَا وَالِدِنَا -النَّجْلَاوَانِ والمُتْرَعَتَانِ بالصَّرَامَةِ- بَيْنَ وُجُوهٍ تُحِيقُ بِهِ مُنْصِتَةً إلَيْهِ، فَلَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ مِنَّا عَلَى النَّظَرِ إِلَى عَيْنَيْهِ السَّابِرَتَيْنِ لِأَغْوَارِنَا؛ لَأَنَّ شُعُورًا بالذَّنْبِ يَعْتَلِجُ بِصُدُورِنَا جَمِيعًا ويُنْشِبُ أَظْفَارَهُ فِي أَنْفُسِنَا، مَعَ أَنَّ مُعْظَمَنَا قَدْ وُلِدَ بَعْدَ الحَرْبِ.
“لَقَدِ احْرَزْنَا النَّصْرَ فِي الحَرْبِ، لَكِنَّ نَصْرَنَا سَيَصِيرُ هَبَاءً لَا قِيمَةَ لَهُ مَا لَمْ نَغْنَمْ مِنْهُ عِبْرَةً وَنَسْتَخْلِصْ مِنْهُ حِكْمَةً: كَانَ هُنَاكَ احْتِمَالٌ أَنْ يَكْتَشِفَ عَدُوُّنَا السِّلَاحَ الفَتَّاكَ قَبْلَنَا، لَوْ كَانُوا قَدْ سَبَقُونَا إِلَيْهِ، لَكُنَّا –نَحْنُ- الأُمَّةَ التي اسْتَأْصَلَ الفَنَاءُ شَأْفَتَهَا وَلَصِرْنَا نَسْيًا مَنْسِيًّا كَأنَّا لَمْ نَكُنْ شَيْئًا، عَلَيْكُمْ أَلَّا تَغْفَلُوا عَنْ هَذِهِ الحَقِيقَةِ مُطْلَقًا: إنَّ مُجَرَّدَ مُصَادَفَةٍ تَارِيخِيَّةٍ كَانَتِ الرَّحِمَ الذي تَمَخَّضَتْ عَنْهُ نَجَاةِ حَضَارَتِنَا وَزَوَالِ حَضَارَةِ عَدُوِّنَا، إنْ كَانَ فِي هَذِهِ المُصَادَفَةُ القَدَرِيَّةُ عِظَةٌ لَنَا، فَهِيَ أَنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَتَحَلَّى بِقَدْرٍ مِنَ التَّوَاضُعِ. نَحْنُ لَسْنَا آلِهَةً، وَلَسْنَا كَامِلِينَ؛ عَلَيْنَا أنْ نَنَبِذَ الحَرْبَ وأَنْ نَكُفَّ عَنْ اتِّخَاذِهَا وَسِيلةً لِحَلِّ مَا يَطْرَأُ بَيْنَ البَشَرِ مِنْ خِلَافَاتٍ. إنِّي عَارِفٌ بِمَا أُحَدِّثَكُمْ عَنْهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ؛ فَقَدْ بَلَوْتُ الحَرْبَ وَأَسْهَمْتُ بِنَفْسِي فِي إبَادَةِ أَعْدَائِنَا.”
وَبَعْدَ أَنْ يُتِمَّ حَدِيثَهُ، تَأْزَفُ اللَّحْظَةُ التي نَتَرَقَّبُهَا بِصَبْرٍ نَافِدٍ، كَاتِمِينَ أَنْفَاسَنَا مِنْ فَرْطِ التَّشَوُّقِ.
يَقُولُ والِدُنَا وَهُوَ يَنْتَصِبُ وَاقِفًا عَلَى قَدَمَيْهِ مَادًّا نَحْوَ أَعْلَى الجِدَارِ يَدَيْهِ: “هَا هُوَ ذَا السِّلَاحُ الذي يُمْطِرُ المَوْتَ مِنْ بَعِيدٍ، لَا تُعْجِزُهُ مَسَافَةٌ عَنِ القَتْلِ وَإِنِ اشْتَطَّتْ، هَذَا هُوَ السِّلَاحُ الفَتَّاكُ الذي حَسَمَ الحَرْبَ بِمُطْلَقِ قُدْرَتِهِ.”
يَرْفَعُ أَبَانَا القَوْسَ عَالِيًا مُلَوِّحًا بِهِ، فَيَتَرَاءَى لَنَا شَخْصِيَّةً مَهِيبَةً فِي ضَوْءِ النَّارِ. يَمْتَدُّ ظِلُّهُ عَبْرَ الكَهْفِ وَيَتَسَلَّقُ الجِدَارَ. يَتَكَشَّفُ المَشْهَدُ عَنْ إِثَارةٍ عَارِمَةٍ تَتْرُكُ أَصْغَرَ إِخْوَتِي فَاغِرًا فَاهَهُ وَتُذْهِلُهُ حَتَّى تُلْهِيَهُ عَنْ حَكِّ جِلْدِهِ -تَحْتَ قِمَاطِهِ المَصْنُوعِ مِنَ الفَرْوِ- بَحْثًا عَنِ البَرَاغِيثِ.
“يَعْجَزُ الرَّجُلُ الذي يَحْمِلُ هِرَاوَةً أَوْ سِكِّينًا حَجَرِيًّا أَوْ رُمْحًا عَنِ الصُّمُودِ فِي وَجْهِ القَوْسِ. لَقَدِ انْتَصَرْنَا فِي حَرْبِنَا، ويَنْبَغِي لَنَا أَلَّا نَسْتَخْدِمَ سِلَاحَنَا الحَاسِمَ إِلَّا فِي الأَغْرَاضِ السِّلْمِيَّةِ: فِي صَيْدِ الأَيَائِلِ وَقَنْصِ المَامُوثِ. هَذَا هُوَ مُسْتَقْبَلُنَا.”
يَبْتَسِمُ وَالِدِي وَهُوَ يُعِيدُ القَوْسَ إِلَى مَوْضِعِهِ وَيُثَبِّتُهُ بِحِرْصٍ شَدِيدٍ عَلَى الَوَتَدِ المَغْرُوسِ فِي أَعْلَى جِدَارِ الكَهْفِ، ثُمَّ يَقُولُ بِنَبْرَةٍ مُشَبَّعَةٍ باليَقِينِ: “الآنَ، قَدْ صَارَ شَنُّ الحُرُوبِ أَمْرًا بَالِغَ الشَّنَاعَةِ وَمَسْخًا بَغِيضًا لَا يُطِيقُهُ أَحَدٌ مِنَ البَشَرِ؛ فَقَدْ بَدَأَ عَهْدُ السَّلَامِ الدَّائِمِ.”
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد