صالون “تفكير” يفتح ملف التراث والمنهج الحداثي في مئوية كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين

كتب مراسلنا نور البطاوي: في أجواء فكرية مشحونة بالأسئلة الجوهرية والبحث عن آفاق جديدة للعلاقة بين الماضي والحاضر، عقد صالون “تفكير” لقاءه الرابع ضمن موسمه الثقافي الحالي، والذي يتزامن مع مرور مئة عام على صدور الكتاب المثير للجدل “في الشعر الجاهلي” لعميد الأدب العربي طه حسين. أدار الندوة الأستاذ أحمد خفاجي، واستضاف فيها الدكتور عماد عبد المسيح ثابت، الأستاذ بجامعة أمستردام والباحث المرموق في الفلسفة السياسية والدين، ليطرح ورقة بحثية معمقة بعنوان “التراث ومنهج النقد الحداثي”.

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 صالون "تفكير" يفتح ملف التراث والمنهج الحداثي في مئوية كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين

التراث والحداثة: هل هما ضدان لا يجتمعان؟

بدأ الدكتور عماد عبد المسيح مداخلته بطرح سؤال مركزي استبدل به عناء البحث التقليدي: هل من الحتمي أن يستبعد أحدهما الآخر؟. ومن خلال تفكيك هذه العلاقة، جادل عبد المسيح بأن التراث ليس جثة هامدة أو ماضياً منقطعاً، بل هو “الطرف الآخر في مقابلنا الذي نتحاور معه دائماً”، مؤكداً أن طه حسين في كتابه الشهير لم يتخلَّ عن التراث، بل تبنى موقفاً تراثياً أصيلاً وعمّقه بأدوات الحداثة.

ولكي يضع النقاش في إطاره المنهجي، قدّم الدكتور عماد تعريفاً موسعاً للتراث باعتباره “كل الإنتاج الفكري السابق على اللحظة التي نطرح فيها السؤال”. وبناءً على هذا التعريف، فإن الندوة ذاتها بمحاضراتها وأسئلتها ستتحول غداً إلى جزء من هذا التراث. وشدد على أن “التراث الإسلامي” ليس كتلة صماء، بل هو تعددية داخلية تشمل الفقه والتفسير والتصوف والفلسفة، مشيراً إلى استخدام الأكاديميا الغربية لتمييز لغوي بين التراث الجامع (Tradition) والتراثات الفرعية (traditions).

الحداثة كـ “نمط تفكير” لا “أدوات تقنية”

انتقل الباحث بعد ذلك لتوصيف الحداثة، موضحاً أنها ليست مجرد طائرات وموجات كهرومغناطيسية، بل هي في جوهرها “نوع من التفكير”  Category في هذا النمط، يتحول الإنسان من “مفعول به” معرفي خاضع لسلطة لاهوتية أو خوف طبيعي، إلى “صانع للمعرفة” وفاعلها الأساسي.

واستدعى عبد المسيح اللحظة الديكارتية الشهيرة (الكوجيتو)، موضحاً أن “أنا أعرف” أو “أنا أفكر” كانت تصريحاً معرفياً يضع العقل الإنساني الصافي كبنية أساسية لبناء المعرفة المؤكدة. 

%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%81_%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%87%D9%84%D9%8A صالون "تفكير" يفتح ملف التراث والمنهج الحداثي في مئوية كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين

ومن هذا الطموح الإنساني، ولدت آليات النقد الحداثية: النقد التاريخي، النقد النصي، ومساءلة الشخصيات التاريخية والدينية التي كانت تؤخذ قديماً كمسلّمات.

طه حسين: الثورة القادمة من صلب التراث

في الجزء الأكثر إثارة من الندوة، كشف الدكتور عماد أن موقف طه حسين من “انتحال الشعر الجاهلي” لم يكن صرعة غربية بحتة، بل له أصول راسخة في صلب التراث الأدبي الإسلامي. واستشهد بآراء الجاحظ في “البيان والتبيين” و”الحيوان” حول صناعة الشعر والكذب فيه.

بيد أن المفاجأة الكبرى تمثلت في الربط بين طه حسين ومحمد بن سلام الجمحي صاحب كتاب “طبقات فحول الشعراء”. فالجمحي، الذي عاش في القرن الثالث الهجري، صرح بوضوح أن أكثر الشعر الجاهلي “مصنوع منتحل”. وهنا أوضح عبد المسيح أن عبقرية طه حسين تمثلت في التقاط هذا الموقف التراثي المنسي -والذي لم يكن معروفاً للكافة في وقته- وتعميقه باستخدام “نقد النص” (Textual criticism) وآليات النقد التاريخي للغة، ليثبت بالوثائق والنقوش أن لغة أهل اليمن مثلاً لم تكن عربية كما هو شائع في الروايات التقليدية.

التراث كـ “أسطورة ملهمة” وعلاقات القوة

استند الدكتور عماد إلى فكر ميشيل فوكو لتفسير كيفية تشكل التراث، موضحاً أن “الطبقات المعرفية” للتراث تشكلت بفعل “علاقات القوة والسلطة”. 

فبعض المذاهب (كالمعتزلة مثلاً) نالت مساحة أقل ليس لضعفها الفكري، بل لأن القوة السياسية استبعدتها. وضرب مثالاً حديثاً بـ “الخلع” الذي كان مسكوتاً عنه في التراث لمدة ألف عام، ثم استُدعي وأُعيد تنشيطه بقرار سياسي معاصر.

d8b7d987-d8add8b3d98ad986 صالون "تفكير" يفتح ملف التراث والمنهج الحداثي في مئوية كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين

كما طرح الباحث مفهوماً جريئاً للتعامل مع التراث كـ “أسطورة ملهمة” (Myth)، مستنداً إلى رودولف بولتمان وبول تيليك. وأكد أن وصف النص أو الحدث بالأسطورة ليس “بخساً لقيمته”، بل هو تعظيم له كونه يحمل معاني وجودية عميقة تتجاوز التوثيق التاريخي الصرف. 

فقصة آدم وحواء، في نظره، هي “حقيقة لاهوتية” داخل السردية الدينية تفسر وجود الشر والعصيان، حتى وإن عجز المنهج التاريخي الحداثي عن إثباتها كواقعة مادية.

نقاشات ساخنة: من النهر إلى الضفة الأخرى

شهدت الندوة مداخلات ثرية من الحضور؛ حيث علق الأستاذ جمال عمر بأن التراث موجود في لغتنا ويشكلنا بقدر ما نشكله نحن باختياراتنا. أما الدكتور أمين فقد تساءل عن وحدة الحداثة، ليرد عبد المسيح بمفهوم “الحداثات المتعددة”.

من جانبه، أثار الأستاذ أشرف تساؤلاً حول مدى ملاءمة أدوات النقد الغربي للتراث الإسلامي الشفوي (كالجرح والتعديل). ورد الدكتور عماد بضرورة التمييز بين “الأفق المعرفي” القديم الذي اعتمد الرواية، وبين المنهج التاريخي الحديث الذي يبحث عن الوثيقة والأثر.

وفي مداخلة لافتة، وصفت الدكتورة زينب التيجاني محاضرة الدكتور عماد بأنها “عبرت بنا النهر بكل هدوء”. وأكدت على تعريف الأسطورة كـ “سردية رمزية مقدسة” لا تحتمل التكذيب أو التصديق لأنها عقيدة تصدقها الجماعة المؤمنة بها.

خاتمة: أزمة المعرفة لا أزمة التراث

اختتم الدكتور عماد عبد المسيح الندوة بتأكيد أن أزمة طه حسين لم تكن “هدماً للتراث”، بل كانت “أزمة عدم معرفة بالتراث” من قبل معارضيه. فطه حسين لم يبتدع التشكيك، بل أعاد قراءة المسكوت عنه في كتب القدماء بعين حداثية.

انتهت الندوة بوعد من صالون “تفكير” باستكمال هذا الموسم الثقافي، معلنين عن محاضرة قادمة للأستاذ أحمد خفاجي حول المعركة الفكرية بين طه حسين ومحمود شاكر. ليبقى السؤال معلقاً في أذهان الحضور: هل نحن مستعدون اليوم لمواصلة هذا الحوار الشجاع مع تراثنا، أم سنكتفي باستظهار القشور وترك الجوهر للمصادفة؟.

للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة ندوات د. عماد عبد المسيح في صالون تفكير اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا

لمشاهدة ندوات د. عماد عبد المسيح على صالون تفكير اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات