أسماء زكي تُفجر ألغام هويات هاني نسيرة في صالون تفكير
كتب نور البطاوي خاص بمجلة “تفكير”
في أمسية فكرية ليلة الخميس 21 من شهر مايو ضمن فعاليات “موسم كاتب وكتاب 2026″، استضاف صالون “تفكير” الدكتور هاني نسيرة لمناقشة كتابه الأحدث الصادر عن دار “رؤية” بعنوان “ألغام الهويات: تحديات الدين والدولة في العالم العربي”. الندوة التي أدارتها الأستاذة أسماء زكي، بمشاركة نخبة من المثقفين، لم تكن مجرد عرض لكتاب، بل تحولت إلى عملية تشريح فكرية لواقع الهوية العربية المأزوم، ومحاولة لتفكيك “القنابل الموقوتة” التي تعيد تشكيل خريطة القوى في الشرق الأوسط.
بقلم: نور البطاوي

الهوية: استجابة للأزمة لا سكون تاريخي
استهل الدكتور هاني نسيرة حديثه بتوضيح أن اهتمامه بموضوع الهوية نابع من كونه سؤالاً “راهناً وضرورياً” يطرح نفسه على كافة المستويات السياسية والثقافية والذاتية. وأشار إلى أن مصطلح “الهوية” بمدلوله المعاصر لم يظهر بقوة في الفكر العربي إلا في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، حيث كانت التعبيرات السائدة قبله تدور حول “الشخصية” أو “العروبة” أو “الرسالة الخالدة”.
ويرى نسيرة أن الهوية في جوهرها هي “خطاب أزمة”؛ فهي تبرز وتتضخم عندما يكون الإنسان أو الجماعة في حالة مأزق أو مواجهة مع “آخر” متغلب أو مهيمن،. فالهوية، بحسب الكتاب، ليست مجرد إجابة سكونية على سؤال “من نحن؟”، بل هي “استجابة لرؤية الآخرين لنا”؛ فإذا كان الإنسان متحقراً أو منقوص الحقوق، فإنه يستنفر هويته للمطالبة بالاعتراف.
تفكيك “الألغام”: الهوية المركبة ضد الأحادية
من أهم الفرضيات التي طرحها الكتاب هي “الهوية المركبة”. يرفض نسيرة فكرة الهوية الأحادية المطلقة، معتبراً إياها سمة “الأصولية المتزمتة” التي تنغلق على بُعد واحد فقط. فالإنسان، كما يوضح، قد يكون مصرياً، مسلماً أو مسيحياً، صعيدياً أو بحرياً، ليبرالياً أو إسلامياً في آن واحد.
أما “الألغام” التي عنون بها الكتاب، فتتمثل في تلك الانتماءات التي تتحول إلى أدوات للصراع عندما تفشل الدولة الوطنية في تكريس “الشرط المدني”. وأشار نسيرة إلى أن “شرط نجاح الهوية الوطنية ليس الأناشيد، بل المواطنة”. وعندما تغيب المواطنة، تنشط الهويات “ما قبل الوطنية”؛ كالقبلية والطائفية، وتتحول إلى مشاريع سياسية تسعى لحكم المجتمع وفق تصورات ضيقة، كما نرى في النماذج المأزومة في اليمن وسوريا وليبيا.

نقاشات الصالون: هل الهوية “قدر” أم “خيار”؟
أثارت عرض نسيرة مداخلات عميقة من الحضور. بدأها الدكتور قاسم المحبشي الذي أكد أن الهوية في الحالة الإنسانية هي “مشروع ورهانات” وليست حالة مكتملة الولادة،. وركز قاسم على أن “السياسة هي الأساس” في تعدد الهويات؛ فالمشكلة في الوطن العربي ليست في التنوع ذاته، بل في غياب “دولة تحتضن الجميع”، مشيداً بالنموذج المصري الذي اعتبره متجانساً وصهيراً فريداً للأعراق.
من جانبه، طرح الأستاذ جمال عمر تساؤلاً جوهرياً حول نشأة هويتنا الحديثة كـ “رد فعل” للخطر الأوروبي والاستعمار،. وأوضح أن هذا المسار جعل الهوية تتشكل تحت ضغط الدفاع لا البناء الهادئ، مستشهداً بكيفية تحول “التعريب” إلى رد فعل على “التتريك”. ورد نسيرة معقباً بأن الهوية الوطنية القائمة على “الوطن” كانت هي الطرح الأكثر تحرراً، بينما ظلت مشروعات “الخلافة” أو “الوحدة المطلقة” أحياناً غير واقعية.
أما الأستاذ أشرف قنديل، فقد تساءل: هل الهوية سؤال “إجباري أم اختياري”؟. ودعا إلى ضرورة الفصل بين “الهوية الثقافية” (التي يجب أن تكون اختيارية وتعددية) وبين “الهوية السياسية” (المواطنة التي يجب أن تكون إجبارية وحاسمة لضمان الحقوق المتساوية)،. وأجاب نسيرة بأن الهوية غالباً ما تكون “سؤالاً اضطرارياً”؛ يحضر بقوة عندما تُنتهك الحقوق أو تُهدد الحريات.
وفي سياق متصل، شدد الدكتور أكمل على أن الهوية “تُصنع وتُخترع” وليست مقدسة أو ثابتة. فهي “صيرورة” تتغير بتغير الظروف السياسية والاجتماعية، مستشهداً بتغير هوية الألمان بين الشرق والغرب.
الهوية الرقمية والذكاء الاصطناعي: الخوف من الآلة
لم يغفل الكتاب ولا الندوة تحديات العصر الرقمي. أشار الدكتور نسيرة إلى وجود مبالغة في المخاوف من أن يلغي الذكاء الاصطناعي الإنسان أو هويته. ورغم اعترافه بأن الفضاء الرقمي أصبح ساحة جديدة لحشد الهويات التقليدية (صفحات قبلية وطائفية)، إلا أنه أكد أن “الإنسان ينتصر دائماً”، وأن الهوية الرقمية هي مجرد “وجود افتراضي” لن ينفي الجوهر الإنساني أو القيم المشتركة.
المستقبل: تفاؤل حذر أم “دائرية” الأزمة؟
ختمت الدكتورة زينب النقاش بسؤال حول “الأمل” في تحقيق المواطنة في زمن ما بعد الإنسان. وجاء رد الدكتور نسيرة صريحاً وربما يميل إلى القتامة؛ حيث رأى أن الوعي بالمواطنة لا يزال ضعيفاً في الحواضر التاريخية، وأننا لا نزال محكومين بـ “فقه التغلب” وفلسفة الإقصاء. وأعرب عن خشيتة من “الدائرية العربية”؛ حيث يعود الصراع بنفس الشكل وإن اختلفت الأسماء، طالما أننا ندافع عن “عواطفنا الهائجة” لا عن “حقوقنا ومساواتنا”.
انتهت الندوة بالتأكيد على أن “لغم الهوية” لا ينفجر إلا في غياب القانون. الحل الذي قدمه نسيرة في كتابه يتمثل في “منظورية ومعقولية إدارة التنوع”؛ أي الاعتراف بحق الاختلاف كواجب، وتمكين دولة القانون التي لا ترى في المواطن إلا “مواطناً”، بعيداً عن تصنيفاته العرقية أو الدينية أو الطبقية.
إن كتاب “ألغام الهويات” هو صرخة في وجه التيبس الفكري، ودعوة للمجتمعات العربية لنزع فتيل القنابل الطائفية والقبلية قبل أن تأتي على ما تبقى من فكرة “الدولة”،. وكما اختتم الدكتور نسيرة: “نحن بحاجة لمؤسسات تحمي القانون، فالمواطن يحتاج فقط لأن يشعر أنه مواطن”.
للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة ندوات د. هاني نسيرة على صالون تفكير اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد