أحمد خفاجي يحاول أن ينتصر لمحمود شاكر ضد طه حسين
الذكرى المئوية لزلزال “في الشعر الجاهلي”: صالون “تفكير” يُعيد قراءة الصدام التاريخي بين طه حسين ومحمود شاكر.
كتب نور البطاوي مجلة تفكير
شهد “صالون تفكير”، في جلسته السابعة ضمن موسم الاحتفال بمرور مائة عام على صدور كتاب “في الشعر الجاهلي”، ندوة فكرية ثرية أدارها جمال عمر واستضاف فيها الباحث أحمد خفاجي. لم تكن الندوة مجرد استعادة تاريخية لحدث أدبي، بل كانت محاولة لفك شفرات الصراع المنهجي والوجودي بين عميد الأدب العربي طه حسين وتلميذه النابغ محمود شاكر، وهو الصدام الذي لا تزال ذيوله تحرك المياه الراكدة في الفكر العربي المعاصر.
بقلم: نور البطاوي

الفتنة الكبرى: حين يضرب المعول في الثوابت
استهل أحمد خفاجي حديثه بمقاربة درامية، واصفاً ما جرى قبل قرن من الزمان بـ “الفتنة الكبرى”. وأوضح أن طه حسين، القادم من قلب المنظومة الأكاديمية، خرج ليعلن الانقلاب على كل أدبياتها الراسخة، ضارباً بمعوله ونقده كل ما استقرت عليه الأوضاع من إجماع لسنوات طويلة. هذا الانقلاب لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر حول أبيات من الشعر، بل كان زلزالاً ضرب “التقاليد الراسخة في عالم الأدب”.
محمود شاكر: التلميذ الذي “غلى” حياءً ثم واجه
انتقل خفاجي لرسم ملامح الطرف الآخر من الصراع، محمود شاكر، الذي نشأ في بيت علم عريق؛ والده كان نائباً لمفتي البلاد وشيخه سيد المرصفي. والمفارقة التاريخية التي كشفها خفاجي هي أن طه حسين نفسه، بمساعدة مصطفى عبد الرازق، كان هو من توسط لشاكر لدى أحمد لطفي السيد ليلتحق بكلية الآداب رغم خلفيته العلمية.

إلا أن هذا “الفضل” لم يمنع الاصطدام؛ ففي عام 1926، جلس شاكر يستمع لمحاضرات أستاذه، ليقع في ما أسماه “محنة الشعر الجاهلي”. وصف خفاجي تلك اللحظات بأن شاكر كان “يغلي من داخله حياءً من أستاذه”، لكنه في العام الثاني قرر المواجهة في قضيتي المنهج والشك، وصولاً إلى اتهام العميد بـ “السطو” على رسالة المستشرق ديفيد مارجليوث. وانتهى الأمر بمغادرة شاكر للجامعة، معتبراً إياها “ركاماً”، لتبدأ رحلته في “عزلة بناءة” استمرت عشر سنوات في الحجاز، تفرغ فيها لسبر أغوار التراث.
مفهوم “الثقافة”: المعركة المركزية
أوضح خفاجي أن المفهوم المركزي الذي حكم مواقف شاكر هو “الثقافة”، والتي يراها مرتبطة بالدين واللغة ارتباطاً لا يقبل الفصال. فالثقافة عند شاكر ليست معارف عقلية بحتة، بل هي “أصول ثابتة مكتسبة تنغرس في نفس الإنسان من مولده”.
من هذا المنطلق، شن شاكر هجوماً ضارياً على مقولة “الثقافة العالمية”، معتبراً إياها “تدليساً” يهدف لفرض سيطرة أمة غالبة على أمة مغلوبة. فكل ثقافة -في نظره- لها أسلوب في النظر والاستدلال منتزع من الدين الذي تدين به.
الاستشراق.. جناح الاستعمار الصامت
رسم خفاجي، نقلاً عن شاكر، صورة قاتمة للاستشراق، معتبراً إياه “مرحلة جديدة في الصراع بين الإسلام وأوروبا”. فالمستشرق، بحسب شاكر، لا يمكن أن يكون باحثاً منصفاً في التراث لأنه يفتقد لشرط “الإيمان بالثقافة والعمل بمقتضاها والانتماء إليها”. ووصف شاكر عمل المستشرقين بأنه يهدف لتكوين صورة مشوهة عن الشرق تزعم أن حضارته مزيفة ومأخوذة عن الآخرين، لكي “يحصن المثقف الغربي من الانبهار بالإسلام”.
صراع المنهج: الشك الديكارتي مقابل الأصل الأخلاقي
كانت النقطة الأكثر اشتعالاً في الندوة هي مقارنة “المنهج”. طه حسين دعا الباحث لنبذ كل قيد والتحلل من كل انتماء، متبنياً الشك الديكارتي للوصول إلى الحقيقة. أما شاكر، فقد وصف هذا الكلام بأنه “كذب محض” و”مغموس في الضباب”، مؤكداً أنه لا يوجد إنسان يمكن أن يكون “خاوياً مكوناً من عظام كسيت جلداً”.
يرى شاكر أن “الأصل الأخلاقي” المستمد من الدين هو العاصم الوحيد للباحث من الانحراف والهوى، وبدون هذا الأصل تصبح قضية المنهج “فوضى لا قيمة لها”. فالحقيقة عند شاكر لا تُنال بالتجرد التام، بل بالتحقق بهذا الانتماء الذي يكبح جموح النفس عن الزيغ.

نقاشات الصالون: هل كان شاكر “وصياً”؟
لم يخلُ النقاش من نقد حاد لشاكر؛ فقد أشارت إحدى المداخلات (أنسام) إلى أن أسلوبه يتسم بالتعالي و”الوصاية” على فكر المتلقي، مغلّفاً الواقع بمصطلحات تجمله وتفرض رؤية أحادية. بينما تساءل آخرون (أكمل) عن جدوى قراءة شاكر في قضية الشعر الجاهلي إذا كان نقده “موتوراً” ويحكم بالنوايا.
في المقابل، دافعت الدكتورة زينب عن قيمة شاكر كـ “محقق فذ” وضع لبنات التحقيق العلمي الرصين، مؤكدة أن أمانته العلمية تظهر في اعترافه أحياناً بجهود مستشرقين بعينهم رغم خصومته الفكرية معهم.
خاتمة: أين يقف خفاجي؟
في نهاية الندوة، طرح جمال عمر السؤال الجوهري على الضيف: أين يقف أحمد خفاجي من هذا الصدام؟. جاءت إجابة خفاجي “بينية”؛ فهو يرى أن طه حسين كان محقاً في إحداث “صدمة” تحرك المياه الراكدة في الأدب العربي، بينما كان شاكر محقاً في ضرورة نبع التجديد من داخل الثقافة نفسها.
وخلص خفاجي إلى أن طه حسين كان “صاحب مشروع فكري وتجديدي لبناء الوطن”، بينما تميز محمود شاكر بـ “عمق معرفي وتذوق استثنائي للشعر” وقدرة فريدة على نقد النصوص، مما يجعل قراءة كليهما ضرورة لفهم صراعاتنا الحاضرة وتصوراتنا عن التراث والحداثة.
انتهت الندوة، لكن الأسئلة التي فجرتها حول المنهج، والانتماء، وعلاقة الشرق بالغرب، لا تزال معلقة في فضاء الفكر العربي، تنتظر أجيالاً تملك “دقة التذوق” لتستكمل البحث في “أسرار البيان العربي”.
للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة فيديوهات أ. أحمد خفاجي على صالون تفكير اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد