أهداف سويف: الأدب ليس مجرد حكاية.. إنه فعل مقاومة يعيد صياغة ضمير العالم
كتب نور البطاوي لمجلة “تفكير”
في أمسية ثقافية رائعة، استضاف صالون تفكير الكاتبة والروائية الكبيرة أهداف سويف، في حوار أدارته ببراعة نهلة هنّو، ليمتد الجسر بين القاهرة ولندن وفلسطين. لم يكن اللقاء مجرد استعراض لمسيرة أدبية حافلة وصلت للعالمية، بل كان كشف حساب طويل لنضال ثقافي وميداني خاضته سويف على مدار عقود، مؤكدة أن “فلسطين ستحرر العالم” ليس مجرد شعار مجازي، بل هو واقع يتجلى اليوم في تحرر النظم الديمقراطية الغربية من “طفيليات” المصالح التي كبلتها.
بقلم: نور البطاوي

من “خارطة الحب” إلى خارطة الصمود
بدأ اللقاء بلمسة وفاء، حيث استعرضت نهلة هنّو سيرة أهداف سويف، ابنة الدكتورة الراحلة فاطمة موسى التي ترجمت لها روايتها الأشهر “خارطة الحب” للعربية. أهداف، التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة “البوكر” عام 1999، لم تكتفِ بالنجاح الروائي، بل سخرت قلمها للصحافة العالمية، وتحديداً في جريدة “الجارديان” البريطانية، لتقدم سردية بديلة عن ثورة يناير وعن القضية الفلسطينية.
تروي سويف أن نقطة التحول الكبرى كانت عام 2000، مع اندلاع الانتفاضة الثانية. في ذلك الوقت، كانت الصحافة الغربية في أسوأ حالاتها من حيث الانحياز ضد الحق الفلسطيني. ومن هنا جاءت فكرة الذهاب إلى الأرض المحتلة والكتابة منها لصحيفة الجارديان، وهي الرحلة التي تمت بفضل ترشيحها للبوكر الذي منحها “ثقلاً” ثقافياً مكنها من اختراق جدار الصمت.


مهرجان فلسطين للأدب: كسر الحصار بالكلمة
كان المحور الأساسي للندوة هو “احتفالية فلسطين للأدب” (PalFest)، التي أسستها سويف عام 2007. لم تكن الفكرة مجرد تنظيم مهرجان أدبي، بل كانت فعلاً مقاوماً يهدف لإدخال القامات الثقافية العالمية إلى قلب المدن الفلسطينية ليروا الحقيقة بأعينهم.
توضح سويف فلسفة المهرجان قائلة إن الهدف كان جلب شخصيات “مؤثرة” في المشهد الثقافي الغربي، حتى لو لم يكونوا مناصرين للقضية في البداية، طالما يمتلكون حساسية إنسانية تجعل من الصعب إسكاتهم لاحقاً. المهرجان كان يعتمد استراتيجية “المعايشة الكاملة”؛ فالضيوف لا يدخلون عبر مطار بن غوريون، بل عبر الجسر من الأردن، ليختبروا معاناة الفلسطينيين مع المعابر والحواجز منذ اللحظة الأولى.
ومن بين القصص المؤثرة التي روتها سويف، كانت تجربة الكاتب الأمريكي الأسمر تا-نهيسي كوتس، الذي زار فلسطين عام 2023. كوتس، الذي كان لديه مواقف سابقة غير منصفة للفلسطينيين، عاد من الرحلة معتذراً، وكتب كتابه الأخير “The Message” الذي أعلن فيه ولاءه للحق الفلسطيني، ليصبح اليوم أحد أقوى الأصوات المدافعة عن القضية في الولايات المتحدة.
مواجهات ميدانية: الورد في وجه الغاز
لم تخلُ مسيرة المهرجان من الصدامات مع الاحتلال. تذكر سويف بابتسامة كيف حاول الجنود منع افتتاح المهرجان في القدس عام 2009، فما كان من المنظمين والضيوف إلا أن حملوا كتبهم وزهورهم وساروا في موكب “تلقائي” نحو المركز الثقافي الفرنسي لإقامة الفعالية رغم أنف الاحتلال. وفي سلوان، وتحت وابل من قنابل الغاز المسيل للدموع، أصرت سويف والضيوف على المشي نحو خيمة التضامن لإقامة الأمسية، مؤكدة أن “الفلسطينيين يعلموننا كيف نعيش حياة عادية وسط غير العادي”.
استقالة “المتحف البريطاني”: صراع القيم داخل المؤسسة
تطرق الحوار إلى تجربة سويف كعضو في مجلس أمناء المتحف البريطاني، وهي التجربة التي انتهت باستقالتها احتجاجاً على سياسات المؤسسة. كشفت سويف عن “كواليس” العمل المؤسسي في الغرب، حيث تُمرر القرارات المتعلقة بالتعاون مع إسرائيل “تحت الطاولة” ودون إدراجها في الجداول الرسمية لتجنب النقاش.
وصفت سويف الفجوة الكبيرة بين “النخبة” المؤسسية المرتبطة بمصالح سياسية ومالية، وبين جيل الشباب والطلاب الذين يقودون اليوم تحولاً تاريخياً في الرأي العام العالمي. وأكدت أن معركة فلسطين اليوم أصبحت مرتبطة بشكل عضوي بالدفاع عن القيم الديمقراطية في الغرب نفسه، والتي تتعرض للتقويض في سبيل حماية إسرائيل.
الأدب.. قوة ناعمة تخترق الوعي
في نقاش ثري حول دور الأدب مقارنة بالعمل الميداني، أكدت سويف أن الرواية والقصة تمتلكان قوة “التماهي”؛ فهي تجعل القارئ يعيش حياة الشخصية ويشعر بهشاشتها الإنسانية، مما يولد تعاطفاً أعمق من المقالات الصحفية التي تهدف للإقناع المباشر. وأشارت إلى ظهور جيل جديد من الكتاب الفلسطينيين في الشتات (الجيل الثاني والثالث) الذين يكتبون بلغة وثقافة المجتمعات الغربية، مما نجح في اختراق السردية الصهيونية التي هيمنت طويلاً.
التطبيع.. معركة الضمير
وعن سؤال “التطبيع” الشائك، كانت سويف صريحة للغاية. تذكر أنها قبل رحلتها الأولى عام 2000 استشارت المفكر إدوارد سعيد والروائية رضوى عاشور . وضعت سويف لنفسها “دستوراً” أخلاقياً: لا تعامل مع مؤسسات إسرائيلية، لا حوارات مع مثقفين صهاينة، والالتزام الكامل بالبنية التحتية الفلسطينية من فنادق ومطاعم. كان الهدف هو “الذهاب للفلسطيني” لا “التطبيع مع المحتل”.
الأمل في جيل جديد
اختتمت الندوة بمداخلات من الجمهور، لعل أبرزها ما طرحه السفير محمد توفيق حول ضرورة انتقال التفكير العربي من “الخطابي الشعاراتي” إلى “العملي التراكمي”. واتفقت سويف معه ومع المداخلات الأخرى على أن العالم بعد 7 أكتوبر لم يعد كما قبله؛ فالحقيقة أصبحت متاحة للجميع عبر الشاشات الصغيرة، والاحتلال خسر صورته “الحضارية” المزعومة للأبد.
خرجنا من هذه الندوة بصورة واضحة: أهداف سويف ليست مجرد كاتبة، بل هي “محاربة ثقافية” تؤمن بأن الكلمة الصادقة قد لا تنقذ طفلاً من رصاصة في اللحظة الراهنة، لكنها بالتأكيد تبني الوعي الذي سيمنع إطلاق الرصاصة في المستقبل. وكما قالت سويف بلسانٍ واثق: “فلسطين تستحق، وإن شاء الله يصلح الحال”.
لمشاهدة قائمة بفيديوهات موسم كاتب وكتاب 2026 كاملة اضغط هنا.
للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد