المرأة، السياسة، والحب.. ثلاثية الشهادة في الثقافة الإسلامية… د. عاصم حفني… ج3

موسم محاضرات عاصم حفني

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 المرأة، السياسة، والحب.. ثلاثية الشهادة في الثقافة الإسلامية... د. عاصم حفني... ج3

بين الجهاد والاستشهاد والانتحار، بين الحور العين وشهيد الحب، يواصل الدكتور عاصم حفني رحلته في تفكيك أحد أكثر المفاهيم تعقيداً في الثقافة العربية الإسلامية. في محاضرته الثالثة ضمن الدورة المخصصة لمفهوم الشهيد والشهادة، انتقل من ساحة المعركة إلى فضاءات أوسع: المرأة، السياسة، والحب. ثلاث نقاط تحول تكشف أن الشهادة ليست مجرد موت في سبيل الله، بل هي مفهوم مرن، تطور عبر القرون، وتشكل وفق سياقات تاريخية وسياسية واجتماعية وعاطفية.


المرأة والشهادة: جهاد بلا سلاح

في المحاضرات السابقة، ارتبط مفهوم الشهادة بشكل أساسي بالقتال والموت في المعركة. لكن ماذا عن المرأة؟ هنا يفتح الدكتور حفني ملفاً شائكاً: هل يمكن للمرأة أن تكون شهيدة بالمعنى القتالي التقليدي؟

من الناحية الفقهية، لم تكن المرأة مكلفة بالجهاد القتالي بالمعنى المباشر. الفقهاء يعللون ذلك بأسباب عدة: البنية الجسدية، والخوف من الأسر، وما يترتب عليه من إهانة للشرف في العقلية العربية. لكن هذا لا يعني غياب المرأة عن ساحة الجهاد تماماً. فدورها كان لوجستياً وتحفيزياً: التمريض، تقديم الماء والطعام، نقل الجرحى، وتشجيع المقاتلين بالأهازيج والأشعار.

نماذج تاريخية مثل هند بنت عتبة التي حفزت المقاتلين في غزوة أحد بكلماتها الشهيرة، ونسيبة بنت كعب التي شاركت في معركة أحد كمساعدة وأصيبت بجروح، تؤكد أن المرأة كانت حاضرة، لكن بحضور مختلف.

وفي المقابل، وسع الفقهاء مفهوم الجهاد ليشمل أدواراً أخرى تتناسب مع طبيعة المرأة: الحج يُعتبر جهاداً لها، وكذلك “جهاد المرأة في طاعة الزوج وخدمة الأهل”. هذا المفهوم، الذي قد يبدو تقليدياً من منظور نسوي حديث، كان في سياقه التاريخي يُنظر إليه على أنه عمل عظيم يتطلب صبراً وتضحية.

وعلى صعيد الشهادة تحديداً، خصصت السنة النبوية للنساء نصيباً منه، ولكن خارج إطار القتال. فالمرأة التي تموت أثناء الولادة أو في فترة النفاس تُعتبر شهيدة، ولكن من نوع “شهيد الآخرة” وليس “شهيد الدنيا والآخرة”. الفرق أن شهيد المعركة لا يُغسل ولا يُصلى عليه تكريماً له، بينما شهيد الآخرة يُغسل ويُصلى عليه كباقي الموتى، ولكنه ينال أجر الشهادة في الآخرة.

أما سمية بنت خياط، أم عمار بن ياسر، فهي حالة استثنائية ومؤسسة، فهي أول شهيدة في الإسلام، ولكنها لم تُقتل في معركة، بل قتلت على يد أبي جهل لأنها رفضت التخلي عن إيمانها تحت التعذيب. هنا تخرج الشهادة من إطار القتال إلى إطار التضحية بالعقيدة والصبر على الظلم.

وفي العصر الحديث، يتسع المفهوم أكثر ليضم شهيدة العلم مثل فاطمة الفهرية مؤسسة جامعة القرويين، وشهيدة الوطن مثل شيرين أبو عاقلة، الصحفية الفلسطينية المسيحية التي وصفت بالشهيدة رغم كونها غير مسلمة، وهو ما يعكس تضامناً سياسياً وشعبياً تجاوز التصنيفات الفقهية التقليدية. وكما يشير الدكتور حفني، فـ”الإكراه التاريخي” قد يغير المنظور الديني ويجعل الجميع يقبلون تسمية غير المسلم شهيداً، في سياق مقاومة الاحتلال.


تسييس الشهادة: عمار وعثمان نموذجاً

إذا كانت المرأة تمثل البعد الاجتماعي لمفهوم الشهادة، فإن السياسة تمثل البعد الأكثر تعقيداً وإشكالية. هنا ينتقل الدكتور حفني إلى نقطة محورية: كيف تم تسييس مفهوم الشهادة في التاريخ الإسلامي، وكيف تحول من قيمة روحية إلى سلاح في الصراع على السلطة؟

يقدم الدكتور حفني نموذجين تاريخيين: عمار بن ياسر وعثمان بن عفان.

عمار بن ياسر، الذي ورد في حقه الحديث النبوي: “ويل عمار، تقتله الفئة الباغية”. عندما قُتل عمار في معركة صفين عام 37 هجرية وهو يقاتل في صفوف علي بن أبي طالب، استخدم أنصار علي الحديث كدليل على أن معاوية وجيشه هم “الفئة الباغية”. ولكن معاوية، بدهائه السياسي، رد بتأويل مذهل: “لم نقتله نحن، ولكن قتله من أرسله”، أي أن علياً هو المسؤول عن مقتله. وهكذا أصبح الحديث سلاحاً يستخدمه كل طرف لتبرير موقفه.

عثمان بن عفان، الخليفة الثالث، الذي قُتل على يد ثوار بسبب سياساته التي اتهمت بالمحسوبية. استغل الأمويون مقتله لاعتباره “شهيداً مظلوماً”، ورفعوا قميصه الملطخ بالدماء كرمز للمطالبة بالثأر، ليصبح مقتل عثمان ذريعة لبناء شرعية سياسية لمعاوية، وتحويل الخلافة من نظام شورى إلى ملك عضوض.

يشير الدكتور حفني إلى أن هذا التسيس لم يكن مجرد استغلال سياسي، بل كان له تأثير عميق على الوعي الجمعي. فمنذ تلك اللحظة، أصبحت الشهادة تُمنح لمن يخدم الأهداف السياسية، وتُسلب ممن لا يخدمها. وأصبح كل طرف يدعي أن قتلاه شهداء، وقتلى الطرف الآخر ليسوا كذلك.

ويستشهد الدكتور حفني بتحليلات مفكرين معاصرين مثل محمد عابد الجابري في كتابه “العقل السياسي العربي”، وطه حسين في “الفتنة الكبرى”، وعلي عبد الرازق في “الإسلام وأصول الحكم”، الذين يرون أن هذه الأحداث مثلت بداية توظيف الدين لأغراض سياسية، وتحويل الشهادة من عمل إيماني إلى أداة لتبرير الثورة والمعارضة.


شهيد الحب: فناء العاشق

النقلة النوعية الأكثر إثارة في المحاضرة هي مفهوم “شهيد الحب”. هنا تخرج الشهادة تماماً من إطار القتال والعنف، لتتحول إلى تضحية عاطفية وروحية خالصة.

هذا المفهوم غير موجود في الفقه التقليدي، لكنه حاضر بقوة في التصوف والأدب. في التصوف، الحب ليس بين رجل وامرأة، بل بين الإنسان والإله. الروح التي نفخها الله في الإنسان تتوق إلى العودة إلى أصلها الإلهي، والموت يصبح وسيلة للتحرر من سجن الجسد والاتحاد بالمحبوب.

يتجسد هذا المعنى في شخصية الحلاج الذي قال: “اقتلوني يا ثقاتي، إن في قتلي حياتي”، ورابعة العدوية التي قالت: “أحبك حبين: حب الهوى، وحباً لأنك أهل لذاك”. فالحب هنا ليس مجرد عاطفة، بل هو رحلة روحية نحو الفناء في الله، والوصول إلى المعرفة الإلهية.

أما في الأدب، فيظهر مفهوم شهيد الحب في الحب العذري، ذلك الحب النقي العفيف الذي يرتبط بقصص مثل قيس وليلى، وجميل بثينة. في هذه القصص، يموت المحب متأثراً بآلام الحب، ويُعتبر شهيداً في المفهوم الأدبي. وقد ورد حديث ضعيف يؤكد هذا المعنى: “من عشق فعف فكتم فمات، فهو شهيد”. ورغم ضعف الحديث، إلا أنه يعكس قيمة اجتماعية وثقافية عميقة: أن العفة وكتمان الحب والتضحية العاطفية هي أيضاً نوع من الشهادة.

هذا التوسع في مفهوم الشهادة ليشمل الحب، كما يشير الدكتور حفني، يعكس مرونة الثقافة الإسلامية وقدرتها على استيعاب مفاهيم جديدة للبطولة والتضحية، تتجاوز العنف الجسدي إلى أبعاد روحية وعاطفية أعمق.


ماذا بعد؟

في ختام المحاضرة، يخلص الدكتور حفني إلى أن مفهوم الشهيد والشهادة في الثقافة العربية الإسلامية ليس مفهوماً جامداً، بل هو مفهوم حي ومتطور، يتفاعل مع السياقات المختلفة ويعيد تعريف نفسه باستمرار. من ساحة المعركة إلى بيت المرأة، من الصراع السياسي إلى فضاءات الحب والروح، تظل الشهادة قيمة إنسانية سامية، تعكس قدرة الثقافة الإسلامية على احتضان مفاهيم متعددة للتضحية والبطولة.

يبقى السؤال مفتوحاً: في عصرنا الحالي، كيف يمكننا استعادة الجوهر الأخلاقي والروحي للشهادة، بعيداً عن التوظيفات السياسية والتشويهات الأيديولوجية؟ وهل يمكن لهذا المفهوم أن يلهمنا لتقدير كل أشكال التضحية التي تهدف إلى رفعة الإنسان، سواء كانت في ساحة المعركة، أو في سبيل العلم، أو في سبيل الحب؟

أسئلة تنتظر إجاباتها من وعي مجتمعي مستنير، قادر على التمييز بين البطولة الحقيقية والتضحية الزائفة

للإستماع إلى تسجيل صوت للجلسة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للجلسة اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات