عبرة الألباب من حياة توسان فتح الباب (٧) بقلم: أكمل صفوت
تنشر “تفكير” سلسلة د. أكمل صفوت عن ثورة العبيد في هايتي، في تسع حلقات، تُنشر حلقة جديدة أسبوعيًا.
السلسلة مستوحاة من بودكاست The Age of Napoleon، وتقدم قراءة مبسطة لأحداث الثورة وخلفياتها ودلالاتها التاريخية.
بقلم: أكمل صفوت
طبيب استشاري علاج الأورام بمستشفى جامعة أرهوس بالدانمرك، ومن المهتمين بالفكر الديني والإسلام السياسي وهموم المصريين في المهجر.

إنه الاقتصاد يا غبي
في أوائل سنة ١٧٩٦، قبل هزيمة الإنجليز ورحيلهم، توسان إتعين نائب الحاكم العام إتيان لافو. بعد ما الإنجليز مشيوا، رجع إتيان لافو لفرنسا كممثل لهايتي في الجمعية الوطنية. إتيان ماكانش عايز يسافر لكن الوضع السياسي في فرنسا كان بيتغير في غير صالح هايتي. بعد إعدام روبسبير، النظام الجديد كانت ميوله يمينية وتحت تأثير لوبي المزارعين. إتيان حس ان وجوده في باريس ضروري فسافر وتولى مكانه سانتاناكس.
رغم ان سانتناكس كان في شبابه عضو في “جمعية أصدقاء السود” وهو صاحب القرار الشهير بإلغاء العبودية. إلا إن رؤيته للسود كانت عكس واحد زي إتيان لافو مثلا. لافو -رغم أصوله الأرستقراطية- كان شايف السود أنداد وكاملي الأهلية، لكن سانتاناكس كان شايف إنهم مازالوا محتاجين رعاية الرجل الأبيض علشان يتعلموا يتحملوا مسؤولية الحرية. طبعا ده كان نتيجته ان علاقة توسان وسانتاناكس كانت سيئة. توسان كان نائب سانتناكس كحاكم مدني وده كان منصب شرفي تقريبا لكنه كان كمان قائد الجيش وسلطاته في المنصب ده كانت مطلقة. سانتاناكس حاول طول الوقت يعرقل شغل توسان ويتدخل في قراراته أو يلغيها وفي النهاية، اعتمادا على شعبيته وسط الجيش وبين الهايتيين أجبر توسان سانتاناكس على الاستقالة وبعت معاه حرس من الجيش لحد الميناء وشحنه على سفينة إلى باريس.
لما سنتاناكس رجع باريس مالقاش له أصدقاء كتير، انتماؤه القديم لجناح اليعاقبة اليساري المهزوم كان بيخلي ولاؤه موضع شك وقراره القديم إلغاء العبودية (اللي في الحقيقة أنقذ فرنسا من هزيمة مؤكدة) أصبح في عين النظام الجديد “غلطة”. سانتاناكس عاش في عزلة سياسية اجتماعية لحد وفاته بعد رجوعه ب١٦ سنة سنة ١٨١٣.
بعد سفر سانتناكس أصبح توسان -لفترة- وبحكم الأمر الواقع، الحاكم الأوحد لهايتي. توسان كان حاكم محبوب وأثبت كفاءة في إدارته المدنية زي كفاءته كقائد عسكري. كان دايما مسافر بين القرى والمدن، بيعمل فى كل مكان يروحه لقاء مع ٦٠ مواطن نصهم ستات علشان يسمع أخبار المكان ويعرف مشاكله. كان بيكلم الناس بلغاتهم المحلية اللي كان بيتقنها بجانب الفرنسية.
بس اقتصاد هايتي المعتمد على تصدير السكر والقهوة والقطن وغيره كان هبط لأقل من ٥% من قيمته قبل الثورة، يعني تقريبا ماكانش فيه اقتصاد. سياسة توسان كانت المصالحة وتشجيع الكل على الشغل والمزارعين على العودة لمزارعهم.
المشكلة ماكانتش بس إن المزارع اتحرقت واتدمرت والأرض اتجرفت طول سنين الحرب والثورة، ولا كانت بس ان فيه ضغائن و”تار بايت” بين أصحاب المزارع والعاملين، لكن المشكلة إن هايتي ماكانتش تقدر تصدر منتجاتها لفرنسا علشان الحصار البحري الإنجليزي، وماكانتش تقدر تصدر لإنجلترا أو إسبانيا أو البرتغال مثلا لأن كل دول كانوا في حرب مع فرنسا اللي هايتي جزء منها. الشريك التجاري الوحيد المحتمل كان أمريكا. بس التجارة مع أمريكا لوحدها ماكانتش كافية تنعش الاقتصاد كله. وبالتالي فضل اقتصاد هايتي المتعثر مشكلة عصية على الحل. الأمريكان والإنجليز كانوا بيحاولوا يقنعوا توسان يستقل عن فرنسا، بس هو كان بيرفض رغم انه -كعادته كديبلوماسي عتيد عايز يعرف اللي حواليه بيفكروا ازاي- عمره ما قفل باب الكلام معهم حوالين الموضوع ده.
الإسفين
سنة ١٧٩٨ فرنسا عينت الجنرال جابريل ديفيل حاكم لهايتي بدل سانتاناكس. ديفيل وصل هايتي ومعه آلاف من الجنود الفرنسيين بحجة الحفاظ على أمن البلاد. السبب الحقيقي كان خوف فرنسا ان توسان يستقل عن فرنسا وهو خوف مبرره ان توسان كان وقتها الحاكم الفرنسي الوحيد كان بيجمع بين السلطة المدنية والعسكرية في نفس الوقت بالإضافة لإن لا توسان ولا أي حد من جنوده ولا الأغلبية العظمى من سكان هايتي كان لهم أي ارتباط حقيقي بفرنسا ولا عمرهم حتى زاروها.


جنرال ديفيل حاول يدبح القطة لتوسان فعمل حاجتين أول ما وصل:
الأولى: إنه عزل جنرال مواسي من غير سبب. جنرال مواسي كان محبوب جدا داخل الجيش وكمان كان ابن أخو توسان.
التانية: إنه قرر تسريح قوات الجيش اللى حاربت ضد الإنجليز واستبدالهم بقوات فرنسية.
القرارات دي عملت قلق في الجيش فاستخدم ديفيل ده حجة وبعت قواته لقلعة على الساحل في شمال هايتي. لما الجنود الفرنسيين وصلوا القلعة طلبوا من الحامية تسليم سلاحها وبلغوهم انهم اتسرحوا من الجيش. طبعا حصلت مناوشات واعتراضات ففتح الجنود الفرنسيين النار على الحامية وقتلوا وأصابوا ٢٠٠ واحد.
غضبت الناس وخرجوا في مظاهرات وحصل اضطرابات وعنف. توسان راح على مكان المجزرة وخطب في المتظاهرين وحمسهم وتبرأ من الحاكم الجديد. طبعا ده أدى لإن المظاهرات تكبر وتتسع مساحتها وبقت تشمل مدنيبن وعسكريين اتحركوا ناحية قصر الحاكم الجديد وحاصروه. كان يبدو إن الجماهير حتقتحم القصر وتقتل الحاكم الجديد لكن توسان ظهر في المكان وطلب من الناس الهدوء. ووعدهم بإن مطالبهم حاتتحقق من غير عنف. المشهد ده وصل للحاكم رسالة واضحة عن مين في ايده القوة الفعلية في الشارع. وبالفعل جنرال مواسي اتعين تاني، قرار التسريح اتلغى وجنرال ديفيل بعد أقل من سنة في هايتي كان على مركب في طريق الرجوع لفرنسا.
لكن جنرال ديفيل ماقدرش يسيب هايتى قبل ما يدق إسفين في معسكر توسان فأصدر قرار مهم حايكون له تداعيات خطيرة. جنرال ديفيل أصدر مرسوم بيحرر فيه جنرال أندريه ريجو من سلطة توسان وبيديه سلطة مطلقة على فرقته العسكرية.
مين هو جنرال ريجو …. خلّونا نشوف ..
يتبع…
المصدر الرئيسي ومزيد من المعلومات موجودة في بودكاست “عصر نابوليون” “The age of Napoleon”
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد