الحنين: حكاية الاغتراب الأخير… بقلم: أبانوب خلّاف

d8a3d8a8d8a7d986d988d8a8-d8aed984d8a7d981 الحنين: حكاية الاغتراب الأخير... بقلم: أبانوب خلّاف

في الليل القاتم، بين الجبال والبحر، حيث لا أحد، يتملّكني الحنين الذي قرأتُ وكتبتُ عنه الكثير، لا ككل مرة، بل كادت يده أن تلمس روحي. كان العالم في عيني أشبه بمكانٍ للانتظار، لا أكثر ولا أقل. أنتظر ما أحن له، كأنه حنين أخير، أو لحظة اغتراب عن أصل سمته ألا يوجد كوعي بشريّ. هناك، في سيناء القوطية، وهي قوطية لا لأن لها علاقة بالقلاع الشاهقة والأشباح، إنما قوطية خالصة، قوطية الفراغ والعدم، هناك، حيث لا يحدث شيء، وحيث الزمن يمر ببطء، يصبح الوعي ثقيلاً والمشاعر تنبض حيث تسمع ضجيجها. الجبال لا تبتسم، والبحر لا يواسي، والرياح لا تحكي. فقط أنت، وحدك، مع عدوّك الأقرب: أنت. سيناء مكان يشدو بالانتظار. هذا المكان لم يُخلَق للحياة بمفهومها الحديث، بل لانتظار النوم الأبدي. ذلك الحنين إلى التوقف، ذلك الملل الوجودي، ذلك الشعور بأن الوجود ثقيل. المكان فارغ، والزمن فارغ، وأنت وحدك مع هذا الفراغ داخلك وخارجك. الجبال السوداء ليست جميلة بالمعنى المريح. هي جميلة كما هو الجمال الرهيب، إذ يمكنه ابتلاعك: تذكرك بأن الطبيعة لا تهتم بك، وهي أشبه بظل الشعراء في بعض الأحيان.

قبل أي شيء نتساءل: ما هو الحنين؟ إن الأصل العربيّ للحنين هو “ترجيع الناقة صوتها إثر ولدها.” أن الناقة عندما تفقد صغيرها أو تشتاق إليه، تُصدر صوتاً حزيناً ومتقطعاً. هذا الصوت هو ما سُمي “حنيناً”. هكذا يحمل الحنين شيئاً من الصوت المبحوح والوجع القديم، كأن هناك من ينادي صغيره. الحنين إذاً هو صوت الأم إلى ولدها.

أما اللغة الألمانية فتخلق رابطاً شديداً بين الحنين والألم والإدمان، على سبيل المثال: das Heimweh تعنى الحنين إلى الوطن. لكن المقطع الأخير Weh يعني، صراحةً، الألم. الحنين إلى شيء ما يعني أن تتألم به. وهنا نأتي لمفردة “الحنين” ذاتها: die Sehnsucht. الكلمة من مقطعين: Sehn وهي من الفعل sich sehnen يشتاق أو يحنّ. لكن لا تكتفي اللغة الألمانية بهذا المقطع –لأنها تبحث عن أصالة الشعور، لا فقط وصفه أو حدّه في حيز التواصل–، إنما تضيف له المقطع الثاني Sucht والذي يعني “إدمان” وهو من الفعل suchen يبحث أو يُفتّش. المدمن هو من يفتّش عن شيءٍ ما. نعود لـ Sehnsucht: الحنين إذاً هو شعور إدمان نحو شيءٍ يبحث المرء عنه suchen، وهو داخلك أيضاً لأنه يجري في عروقك. تخيل معي مدمناً يهدر حياته بأكملها من أجل «جُرعة من إدمانه» أو «لقاء».. هنا نفهم الحنين كما تفهمه اللغة. 

يفهم الكثيرُ من الشعراء الحنينَ على أنه حنين للأصل الذي خرجنا منه، من الأرض التي ندوسها بأقدامنا. نجد مثلاً جبران يتساءل:

“هل تَخَذت الغاب مثلي
منزلاً دون القصور؟ 
هل تحمَّمت بعطر
وتنشَّفت بنور؟
وشربت الفجر خمراً
في كؤوس من أثير؟”

يضع جبران شروطاً قبل أي شيء، وهي: هل شعرت بأصلك؟ هل جربت يوماً أن تتحد به؟ هل تحنُّ؟ 

أما عبد الرحيم منصور فيأخذ الأمر أبعد من ذلك، في رباعية من رباعيات الموت والميلاد يقول:

“بافرّ من تحت جلدي
وأهرب وألف وأدوب
الوِدّ أشرب بيدّي
نبع الشروق والغروب.”

تكتب كرستين لافانت: 

“في منتصف الليل، مضغتُ النجوم،
كان ذلك عند الراحة على حافة درب التبانة،
زهرة التوليب القمرية أزهرت من عقلي.”

كل هذه الأشعار، في رأيي، تدور حول الحنين.

أنا هو ظلك الغامض، وأنت لست إلا ظلي المتكلم. في قصيدة لنوفاليس تحكي عن العبور من الضوء إلى الظلام (بعد وقتٍ قليلٍ أنطلق، وأضطجع سكراناً في رَحمِ الحُبِّ)، يخفت فيها البريق على إحدى الهضاب ويأتي ظلٌّ بإكليل باردٍ. يشير –ربما– نوفاليس إلى هذا الاتحاد الأخير عن طريق الموت، إذ يخفت الضوء ويأتي الظل. يترجى نوفاليس من يحدثه: امتصني، أيها المحبوب لأغفو، لأكون قادراً على الحب. تخيل معي أبقاراً سوداء في ليل قاتم كما عند شلنج (يقول هيجل عن شلّنج: إن الهوية أو المطلق الذي قال به شلّنج، والذي بالرغم من طبيعته الغامضة وغير القابلة للوصف يضم الحقيقة كلّها، يشبه “الليل الأبدي الذي تكون فيه كل الأبقار سوداء” إن التفكير في طبيعته يشبه التفكير في لاشيء، ومع ذلك كانت طبيعة هذا المطلق أعمق من كل الحقائق، ومن الذات ومن العالم الخارجي، ومن أي شيء عرفته الفلسفة من قبل): الأبقار منسجمة في الظلام، والليل موجود وغير موجود في آن. هكذا هي الأبدية إذاً: أن يخفت الضوء ويأتي الظل بإكليل بارد مُنعشٍ، يعيدك إلى أصلك. 

تعوَّد الرومانسيّون الألمان أن يلقوا المقدس في الظلام، والشيطان في الضوء، على عكس الدلالة الشائعة. إن الضوء كاذب، ماكر، أما الليل فغامض، أبدي. 

إيه، أيها الليل الأبديّ!
من يقدر أن يصل إلى ظُلْمتِكَ؟
ليل الأقدمين؟ 
كاذبٌ فكاذبْ.
ما النجوم إذاً؟
خدعةٌ من ضوءْ.
ما النهار؟ 
محضُ غبارْ.
المحيط؟
اقترب قليلاً
ربما الصحراء؟ 
أقربُ فأقربْ.

عن دلالة الظل يأمر الربُّ الإنسانَ الأول، في إحدى قصائد ريلكه، بأن يحترق: احترق، يقول الرب، كشعلة، واصنع ظلالاً عظيمة أستطيع أن أتحرك فيها. أن تصنع ظلالاً يعني أن يتجلى الرب في العالم، وأنت، أيها البشري، خالق الظل المقدس.

الظل الذي شيدته ليكون مأوى الرب، سرعان ما ينقلب ليمتصك.

“الموت يد بيضاء
إليها تطير الفراشات الليلية في الظلام
فكرت أنك القمر يرتفع
ضوء من إذاً
أنت تعكس؟” ميروين، ت. سركون بولص.

الموت. الظل.

في هذا الشأن سمعت قصة عن الرجل الذي سُرِقَ وجهه أولًا من قبل العالَم ثم “صار ظلَّاً”، لكن كيف صار ظلَّاً؟ ذلك ما لم يقله الشاعر، أو قاله وأنا الغافل. تقول الأسطورة الماكرة أنه على كائنٍ أن يلمسه، فقط يلمسه، كي يعود جسداً. لكن، من ذا الذي يستطيع أن يلمس جسده الوهميّ بعد أن تحلَّلَ؟ من ذا القادر على رؤيته في ذاته وأن يفكر ولو فكرة عابرة أن هذا الظل الذي أمامه كان جسداً يوماً؟ 

هنا الأبدية: ألا يراك أحد، أو يلمسك.

امتصني، أيها المحبوب لأغفو، يقول نوفاليس. يفهم الشاعر الموت على أنه حالة غفل أبدية: “تعال أيها الموت، أنت، يا شقيق النوم!” كما في ترانيم باخ، أو “تعال أيها الموت الحلو!” يختم نوفاليس قصيدته: “أشعر بفيض الموت المُجدِّدِ، يُحيل دمي إلى أثيرٍ وبلسمِ.”

أما ريلكه فيكتب على قبره: 

وردة، آه! أيها التناقض الخالص: لذّة أن تكوني نوماً – للا أحد، تحت كل هذه الأجفان.

Rose, oh reiner Widerspruch, Lust, niemandes Schlaf zu sein, unter soviel Lidern. 

يستخدم ريلكه هنا النعت rein والذي يأتي بمعنى “خام/ خالص”، أما الـer في نهاية النعت فهي تصريفه، كي تتحول إلى reiner وهو نفس نطق اسم ريلكه Rainer. يتحدث ريلكه عن النوم الأخير، أي الموت. واستخدامه للوردة ليس عبثاً بالطبع، بل لأنها بالرغم من جمالها، شائكة، هي التناقض الخالص. ريلكه له علاقة شديدة مع الورود في قصائده، حتى أنه يصف الوجود بالوردة، ويصف الألوهة بالوردة، وفي النهاية وصف نفسه بالوردة أيضاً. حتى أنه ثمة إشاعة عن ريلكه أن في النهاية قتلته وردة سامّة عن طريق الخطأ. الوردة هي الحاملة لكل التناقضات، هي، بحسب تعبيره، التناقض الخام، الخالص. هي الوجود، والرب، وريلكه ذاته: Rainer/ reiner. 

“كان ينشرُ عطوراً عذبة، هو الوردةُ المطلقة.”

نكمل المقطع: وردة، آه! أيها التناقض الخالص، لذّة أن تكوني نوماً – للا أحد، تحت كل هذه الأجفان. 

أن تكون نوماً، لا موتاً، يعني أن تعود غير آبهٍ بشيء أو بأحد، تعود إلى الأبدية الأولى قبل الوعي البشريّ، تحت هذه كل هذه الأجفان.

أن تنام بلا اكتراث تحت كل هذه الأجفان، يعني أنهم يحدّقون وأنت لا تعرف سوى النوم في أبديّتك.

أَحبَّ جيته Goethe الطبيعة وسخطَ على مخرّبيها، رأى انها تعمل في هدوء وتنعم بالسلام والسكينة. في قصيدة له بعنوان Wandrers Nachtlied قال: السكينة تفوق كل شيء. تغنَّى بهدوء الغابة التي بالكاد تسمع فيها نفس، الطيور صامتة وهادئة، الدنيا ساحرة.. يأتي في النهاية ويقول: فقط انتظر، قريباً ستهدأ أنت أيضاً. يشير الشاعر أنه في النهاية ستعود مرة أخرى إلى هدوء الطبيعة وسكونها وستصير جزءاً منها، بعد موتك أو قبله، ستشعر بهذا التناغم. في قصيدة أخرى بعنوان Heidenröslein يحكي عن ولد يلهو ويجري حتى لمح وردة جميلة في البرية، اقترب منها وقال: سوف أقطفك! قالت: سألدغك كي تتذكرني في كل مرة تتألم فيها. لكن، في النهاية، قطفها بقلب بارد ولم يشفع لها التأوّه والألم.

من ذا الذي اقتطف وردة الوجود بغير رحمة والآن يتألم من خطيئته غير المغفورة؟! 

قرأت شذرة من قبل عن “ضآلة أن تكون إنساناً.” وكنت قد قرأت أيضاً، ربما لنيتشه في لحظة من لحظات التشاؤم الكونيّ، عن أنه “كانت هناك أبديّات حين لم يكن الوعي البشريّ موجوداً.” بهذه الطريقة يكون الحنين إلى”النوم المطلق” هو حنين إلى أبديةٍ ما. من لا يشعر بالنعاس بعدُ ربما ينقصه الحنين. هل نفهم إذاً رؤى الشعراء وبعض الفلاسفة على أنها نوع من أنواع الحنين؟! الحنين إلى أبدية ما قبل الوعي؟! إذا سقطتْ شجرة في غابة ما، قبل أن نوجد، ولم يكن هناك من يسمعها، فهل أصدرت صوتاً؟! هل سقطت بالفعل؟! أهكذا تكون الأبدية إذاً: ألا يسمع أحدٌ شيئاً؟! أن ينغمر الكل في صمت مقدس بعدم اكتراث أبديّ؟! أيكون الصمت الذي يتخلل أجسادنا وأرواحنا، «ذاك الوحش الرهيف»، نداءً أصيلاً من زمن ساحق؟!

أما الحلاج، العارفُ، فمزَّقه الحنين وأخذ يصيح كالمجنون: 

“أقتلوني يا ثِقاتي
إِنَّ في قَتلي حَياتي
وَمَماتي في حَياتي
وَحَياتي في مَماتي
أَنا عِندي مَحوُ ذاتي
مَن أَجَلَّ المَكرُماتِ
وَبَقائي في صِفاتي
مِن قَبيحِ السَيِّئاتِ
سَئِمَت روحي حَياتي
في الرُسومِ البالِياتِ
فَاِقتُلوني وَاِحرِقوني
بِعِظامي الفانِياتِ
ثُمَّ مُرّوا بِرُفاتي
في القُبورِ الدارِساتِ
تَجِدوا سِرَّ حَبيبي
في طَوايا الباقِياتِ.”

ما هو هذا الصوت إذاً الذي تحدثتْ عنه اللغة العربية وما علاقته بما نقوله؟ وبم ينادي؟ هنا اسمحوا لي أن أتكلم الألغاز:

راهب عجوز حافي القدمين، يسكن الصحراء ويقدس الصمت. يلقي المقدس في الظلام، والشيطان في النور –نور العالم– لأنه رئيسه. تنظر إليه عين من بعيد، وتنادي دون فمٍ مرئيٍّ، وبشحيحٍ أشبه بمن أصيبت حنجرته في حرب وجودية، وبكلمات مُقَطَّعة كل حرف فيها أشبه بسيفٍ غير مرئيّ. يهمس الصوت، وينصت الراهب في بريّته الخالصة: تعال. ل. آت. انتظ. ل. تأت. دع. استم. اصم.

«صدى يكرر»: اصم. استم. دع. تأت. ل. انتظ. آت. ل. تعال.

لولا الصدى ما عرف حرفاً من بُعدِ الصوت.
«صمت ثم، الصدى»: لستُ. ليسَ.
تغمض العين، ويغفو الراهب كوردة.

قالت الأرض: أسمعُ النايَ يبكي بعد أن قُطِع عن جذوره: أعيدوني! 
قال الناي: أسمعً الطين ينادي: تعال! 

جلال الدين الرومي:

تُراكَ استمعتَ إلى حكايا النايِ.. وأنينِ اغترابهِ؟
منذُ اقتُطعتُ من الغابِ.. لم ينطفئْ بيَّ هذا النواحْ.
فلعلَّ كلَّ مَن أُبعِدَ عن محبوبهِ،
وأحرقَ الشوقُ له روحاً.. يستمعُ لقولي، فيعيهْ.
ولعلَّ كلَّ مَن فارقَ موطنَه.. لا تبُـحْ أنفاسُه إلا بالحنيـنِ
إلى أوانِ الوصالْ..
تُراكَ.. تسمعُني في كلِّ جمعٍ؟
تسمعُ أنيني.. وضحكي.. تسمعُ نواحي!؟
كأنما صرتُ رفيقاً، لكلِّ مارٍّ.. ومرتحلِ،
ولكن كم منهم استمعَ إليَّ حقّاً؟
مَن منهم أدركَ سرَّ هذا الأنين؟
مَن بين تلك الأنغامِ الساريةِ
مَن استمعَ لروحٍ.. تـئنُّ في قيدِها،
وقيدٍ.. يذوبُ في سريانِ روحْ؟؟
إنَّ أنينَ النايِ، نارٌ.. لا هواء!
وأنينَ النايِ.. دفقةُ الشجنِ.. حينَ مازجتِ الخمرْ.
هذا النايُ المنهكُ.. يرومُ الوصالَ..
فيؤنسُ أنينُه كلَّ مَن أحرقَ الشوقُ أرواحَهم.
إنَّ النايَ يبوحُ.. بقصصِ المجنونِ
وطريـقِه المخضَّبِ عشقاً ودماً..
فإذا ذهبتِ الأيامُ.. فقل لها: اذهبي ولا خوفَ
.. ولتبقَ أنتِ يا مَن ليس له مثيلٌ في الطهرِ
لتبقَ في قلبي.. نغمةً لا تخبو.
أما الآن، ليُرفعِ القلمُ ويُطوى الكتـابُ..
فهذا البحرُ.. لا يلجُه إلا أهلُه
والسلام.

بين البراءة والموت – أو الجنون:

لـ Arvo Pärt مقطوعة بعنوان Tabula Rasa، العنوان اللاتيني يعني “صفحة بيضاء”، أو “لوح ممسوح”. يرتبط العنوان ربما بجون لوك والتجريبيين وأن ولادة الإنسان كالصفحة البيضاء الخالية من كل معرفة. تنقسم المقطوعة إلى جزئين، الجزء الأول هو: Ludus وهو يعني اللعب أو اللهو، الجزء الثاني Silentium والذي يعني الصمت. الجزء الأول، كما هو واضح، يحمل قدراً من اللعب الموسيقي أشبه باللعب الوجودي. بعد الولادة يصير عقل المرء أشبه بصفحة بيضاء ثم يدخل إلى اللعب مع الحياة، وهو أشبه بصراع حتى تتكون معرفتك. تبدأ المقطوعة بنغمة واحدة طويلة كأنك تصحو من حلم، ثم تتداخل الأصوات رويداً رويداً. في المقطوعة كمانان يعزفان، كأنما يتساءلان ويجيبان. يحدث نوع من الاستقرار في الموسيقى يتمثل في الهدوء، ثم تتداخل الموسيقى كقلق يشير إلى نوع من أنواع التحول. وكما العادة لدى Arvo Pärt، فثمة تكرار يطرح أسئلة متكررة أشبه بالبحث عن المعنى، أو كمحاولة لخلق نظام داخلي يسيطر على الفوضى. يعزف البيانو مثل عقرب الساعة، دلالة على زمانية الموجود المصاحبة له من أول الطريق لآخره. ينتهي اللعب هنا بانزلاق نحو الصمت Silentium، كأنك سقطت من أعلى جبل، وهنا يبدأ الجزء الثاني من المقطوعة، وآن أوان الصمت. 

أنت الآن في أرض جديدة، هاوية أشد خطورة، الحافّة في كل مكان، عالم آخر وطبيعة أخرى: أنت تنظر الصمت. رغم خطورة الموقف إلا أن الأمر يدخل في حيز السكون والهدوء والتجاوز. وليس الصمت هو غياب الصوت، بل هو الحضور في أبهى تجليّاته. الزمن هنا يتحول إلى صلاة تشعر بدقّاتها كأنها جزء منك. الموسيقى المتخذة في الجزء الأول، أيْ اللعب، شكل الصراع في صحبة الزمن بدقّاته المسموعة، تستحيل هنا إلى تأمل عنيف في الحياة، في ظل تزايد التكرار، لكنه ليس كالسابق، بل تكرار أشبه بخروج النفس ودخوله. تحول الكمان من المبارزة إلى التناغم الكوني. البيانو في الخلف، دلالة الزمن، ينبض، كأنه صار دقّات قلبك، لا دقّات ساعة. صار الزمن جزءاً منك، أنت الآن «صاحب الزمان» و«مالك الآن»، كما تقول الصوفية. للألم النصيب الأكبر من المقطوعة، لكنه ليس بقاتل، ولا يتلذذ المرء به، بل هو الألم المصاحب للصمت، ألم يرتقي بالإنسان ويسمو به ويحرره من إنسانيته الثقيلة نحو –وإذا جاز لنا استخدام تعبيرات نيتشوية الآن– «ما بعد الإنسان».

لا تتوقف المقطوعة في النهاية، لكنها تذوب في الوجود وتعود لأصلها، ويكتمل تناغمها.

يشير الجزء الثاني من المقطوعة إلى نوع من التجاوز والترقي بعد خوض الصراعات الهائلة المتمثلة في اللعب، حالة عاشها كلٌّ من نيتشه ورامبو، وتكلم عنها هايدغر. 

دلالة الـ Verwindung لدى هايدغر كإشارة إلى نوع من التجاوز: يعبر المقطع الأول ver في اللغة الألمانية عن النهاية والتغيير والتحول، والمقطع الثاني مشتق من الفعل winden والذي يعني “يلفّ، يدور” ومنه “الرياح der Wind”. عندما نضع ver لـ winden نجد فعلًا يعبّر عن نهاية هذه الرياح والانتصار عليها بشكل ما، ومن هنا في نظري نفهم المصطلح Verwindung والذي هو الاسم من الفعل Verwinden على أنه نهاية رياح التقنية المتمثلة في الـGestell الرصيد/ المخزون. ال Verwindung تعبر عن لحظة انتهاء إعصار التقنية بالنسبة للDasein والتغلب عليه -أي على الإعصار-، ولهذا تُترجَم أحياناً لـ”تجاوز/ تعافي”؛ لأنها اللحظة التي يبدأ فيها الكائن بالتحرر من كونه مجرد مخزون ورصيد مُسْتَهلَك بشكل مستمر من قبل التقنية التي تبحث دائماً عن إفراغ المرء مما يحتويه. إنها تعبّر عن سكون ما بعد العاصفة، أو صمت ما بعد اللعب.

كذلك نيتشه:

يأتي زرادشت نيتشه في لحظاته الأخيرة ويدخل في حالةٍ عجيبة بين السكون والحركة. تتجمع حوله الحيوانات المفترسة والطيور.”ما الذي حدث لي؟” تساءل زرادشت بدهشةٍ ثم دعا جسمه يهبط ببطء ليتخذ له مقعداً على الصخرة الكبيرة بالقرب من مدخل مغارته. وأثناء تحريكه ليديه، تحية للطيور المتهافتة عليه بحنان ووداعة، حدث أمر أكثر غرابة “فقد وقعت يده فجأة ودون إرادة منه داخل لُبدة كثيفة دافئة.” حينها زمجر الأسد زئيراً ناعماً “هي ذي العلامة قادمة.” قال زرادشت وقد تغير قلبه. بعد أن اجتمعت حوله الكائنات بقربٍ مطمئنٍّ، دخل في صمته مرة أخرى. لقد تخلص قلبه من كدره، ومن عينيه كان سيل من الدموع ينهمر ويتساقط فوق يديه. ظل ساكناً هناك لا يتحرك، ولم يدفع عنه حتى تلك الحيوانات التي داعبته والأسد الذي لعق دموعه. استمرت هذه الحالة لمدة طويلة أو قصيرة، بحسب تعبيره. وبعد، نهض زرادشت في حيرة”ما الذي حدث؟ ماذا كنت أرى؟”ومن ثم، وفي حيوية، يخاطب زرادشت ساعة الظهيرة العظمى التي اتحدت به: “إن ساعتي قد حلّت. هو ذا صباحي، ونهاري طالع الآن: انهضي أيتها الظهيرة العظمى!” هكذا تكلم زرادشت ثم غادر مغارته متوهّجاً مثل شمسٍ صباحية طالعة من وراء الجبال القاتمة.

إن هذه الحالة –بحسب كريستيان دوميه– هي نفسها الحالة الموجودة في قصيدة “إحساس” لـرامبو: 

“في أمسيات الصيف الصافية السماء، أتمشى في الدروب الضيقة،
فتوخزني سنابل القمح وأدوسُ على العشب الرخص: وأنا مستغرقٌ في أحلامي، أشعر بنداواتها تلامس قدميّ.
وأدع الهواء يغمر رأسي المكشوف. 
لا أنبس ببنت شفة ولا أفكر بشيء: 
ولكن الحب اللامتناهي يخفقُ في روحي،
وأمضي بعيدًا، بعيدًا جدًّا، كالغجريّ،
في الطبيعة، سعيدًا كما لو كنت مع امرأتي.”

لا أنبس ببنت شفةٍ: إنه امتناع عن الكلام لصالح “فوران الحب اللامتناهي”. إنه يتخلص من الفهم والكلام عند وصوله إلى غايته. بعد أن يتخطى اللعب، يصل إلى الصمت!

يكمل رامبو في قصيدةٍ أخرى (أقتبسُ القصائد وهذا الرابط بين نيتشه ورامبو من كتاب لـكريستيان دوميه، ترجمة ريتا خاطر): 

“كفانا ما رأينا. فالرؤية تغمرنا من كل حدبٍ وصوبٍ.
كفانا ما حصلنا عليه. إشاعات المدن، مساءً وصباحاً ودوماً. كفانا ما عرفناه.”

إن نيتشه، كما في كتابه، وكما رامبو هنا أيضاً، دخل في سكونٍ عظيم بعد أن انتهى من رحلته واجتمعت حوله الكائنات بكافة أشكالها البرية والمفترسة والحُرَّة في تحليقها. لقد امتنع عن الكلام. هذا السكون في رأيي هو الجنون الذي دخل فيه نيتشه في نهاية حياته أيضاً. هي حالة البراءة الأولى التي نادى بها بعد كثير من الصراعات: “لن أنبس ببنت شفةٍ.” لكنها ليست حالة دائمة؛ فقد خرج زرادشت من سُباته كما رأينا! لقد عاد لرشده ممتزجاً بالظهيرة العظمى، لقد صار نوراً في النهاية، أي، بعد موته أو جنونه! إن خاتمة زرادشت تليق تماماً بخاتمة حياة نيتشه، كأنه يعرف! 

“دعه يمر” 

“كفانا ما عرفناه”

“لن أنبس ببنت شفة”

إنها حالة التعافي الهادئة بعد خوض الصراعات الهائلة، سكون ما بعد العاصفة، إنها Verwindung. هكذا تكلم زرادشت (ورامبو، وهايدغر، وأرفو برت) وخاض الكثير من الصراعات والجولات ثم غادر مغارته متوهّجاً مثل شمسٍ صباحية طالعة من وراء الجبال القاتمة. وها هو يمضي بعيداً، بعيداً جدّاً، كالغجريّ، في الطبيعة، سعيداً كما لو كان مع امرأته. “أنا الآن خفيف، الآن أطير، الآن أرى نفسي دون منزلتي، الآن يرقص إله من خلالي.”

وهو ما قاله أرفو برت في موسيقاه الخالدة.

تكمن البراءة هنا إما في الموت أو في الجنون؛ في اللاوعي. يستحيل الحنين إلى حالة من التوقف.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات